يأتي أنسي الحاج في مقدمة الشعراء العرب الذين عبروا بالقصيدة العربية، في تأسيسه لقصيدة النثر، إبداعاً وتنظيراً، إلى عهد ما بعد الحداثة، بسعيه لتقديم لغة مختلفة ومتجاوزة لأسلافه من الشعراء. لقد سعى أنسي الحاج لإحداث قطيعة ما مع اللغة الشعرية المألوفة وتقديم نصّ شعري يعتمد على لعبة الإرباك اللغوي والإرجاء الدلالي، تأكيداً على لامحسومية المعنى ولايقينية العلاقة بين الدال والمدلول، لقد أمست، اللغة الشعرية عنده، أداة للتعبير عما تموج به الذات، كنفس إنسانية، من تهويمات وانفعالات مارقة، بدت اللغة في نصوصه متمرّدة كروحه. تبدو الذات في شعر أنسي الحاج قلقة، في حالة بحث دائم ومحاولة تبصُّر مستمر لهويتها الموسومة بالقلق والاضطراب، كما يبدو في قصيدة «هوية»:

«أخاف./ الصخر لا يضغط صندوقي وتنتشر نظّارتاي. أتبسّم،/ أركع، لكنْ مواعيد السرّ تلتقي والخطوات تُشعُّ،/ ويدخل معطف! كُلّها في العُنُق. في العُنُق آذان/ وسَرِقة./ أبحث عنكِ، أنتِ أين يا لذّة اللّعنة! نسلُكِ/ ساقط، بصماتُكِ حفّارة!/ يُسلّمني النوم ليس للنوم حافّة، فأرسمُ على الفراش/ طريقة؛ أفتحُ نافذة وأطير، أختبي تحت امرأتي،/ أنفعلُ!/ وأشتعل!…/ تعال أصيح. تعال أصيح. إنّني أهتف: النصر للعِلم!/ سوف يتكسّر العقرب، وأتذكّر هذا كي أُنجبَ بلا/ يأس.». تبدو الذات المسكونة بخوف ما، خوف يعبّر عن ارتياب وإحساس بقلق وجودي من العالم، في حالة بحث عن «لذة اللعنة»، في إعلان عن تمردية الذات وعصيانها، وكأنّ ذات الشاعر متلبسة بروح «بودليرية»، مقتدية ببودلير، «الشاعر الملعون»، الذي يشعر بضيق العالم وهامشية الذات التي تفضي بها إلى الثورة والتمرد. تبدو اللغة الشعرية في خطاب أنسي الحاج سوريالية الروح، تمسي اللغة كانفلات هذياني، ويستحيل الخطاب الشعري في تدفقاته تعبيراً عن رؤى تهويمية تجافي المنطق وتخرج عن موضوعية العلاقات بين الأشياء في هذا العالم، كما يعبّر «الفعل المضارع» عن استمرارية هذه الرؤى التي تداهم الذات وتلازمها. يبدو أنّ للذات، في خطاباته، عالماً آخر تطالعه، وذاتاً أخرى تعاينها غير أناها الموضوعية: «تُمطر فوق البحر/ أُناديكَ أيُّها الشبحُ الأجرد، بصوت الحليف، والعبد،/ والدليل، فأنا أعرِف. أنت هو الثأر العائد، صلْباً كالرّبا،/ فاحشاً، أخرس، وخططي بلا مجاذيف. أُسدِل رأسي على/ جبيني فتحدجني عينُك الوحيدة من أسفل؛ النهارُ/ يتركني اللّيلُ يحميك. النهارُ يدفعني «لك الّليل!»/ فأركض، اللّيلُ رَجُل! أهربُ أين وأنا الأفق؟».


تعبّر اللغة الشعرية، لدى أنسي الحاج، عن انفجار أو بالأحرى انفجارات الذات البوحية، كأنّها اعترافات «سرية»، تبوح بها الذات لنفسها، فيعبّر استعمال ضمير المخاطب هنا عن توترات «الوعي الشقي» المستبد بالذات في تأرجحها الوجودي وانشطاراتها وتشظّيها النفسي، فتبدو الذات في حالة حوار أو بالأحرى جدل دائم مع نفسها، المتبدية في تجليات شبحية. يبدو ذلك «الشيخ الأجرد» هو القرين الشبحي للذات، الذي يعبّر عن هويتها المتمردة وفعلها المارق، فتدخل الذات في جدل مع ذاتها الفائضة، تلك الذات التي تبدو في حالة فرار دائم، حتى يتبدى لها أن لا مكان يمكنها أن تفرّ إليه ولا مهرب تلوذ به بعد اكتشافها بأنها هي نفسها الأفق، في شعور عدمي بانعدامية الوجود وعدم قدرته على احتواء الذات واستيعابها. تبقى الذات في شعره في حالة مراقبة للوجود ولنفسها وبحث متواصل في المكان والزمان: «الحياة حيّة. العين دَرَج، العين قَصَب، العينُ سوق/ سوداء. عينيَ قِمْع تقفز منه الريحُ ولا تصيبه. هل/ أعوي؟ الصراخ بلا حَبْل. هناك أريكة وسأصمد./ سوف يأتي زمن الأصدقاء لكن الانتظار/ انتحر. الجياد تُسرع، عَبَثاً عَبَثاً، الخوف رقم لا نهائيّ./ السقفُ ينحلّ في قلبي والأرضُ لا مكانَ لها. أُهرولُ/ وأُقذَف، يكنسني الصدى، صدى! الأرض بعيدة بلا/ طريق، الأرض تنزل بلا عَتَبة./ أُطلَقُ على الهواء، أغرز الهواء بأليافي».
تكشف الذات عن لعبة الزمن معها، بين التوق إلى زمن الأصدقاء وانتحار الانتظار وكأنّ الذات تفقد الجسر الزمني الذي هو بالأحرى جسر نفسي يربطها بزمن مستقبلي باتت تستبعده بمثل شعورها بتباعد الأرض عنها وفقدانها «المكان».
تأتي صور أنسي الحاج الشعرية صادمة كما في تصويره «الحياة حية»، ومعبّرة عن عنف الذات إزاء العالم كما في «أغرز الهواء بأليافي»، كما تأتي، هذه الصور أحياناً «شجرية» في تفريعات للمشبه به كما في تصوير «العين» بـ «درج» و«قصب» و«سوق سوداء»، و«قمع» في ترسيم تصويري يلازمه تشكيل إيقاعي قائم على التكرارات الصوتية للفظة «العين» يعبر عن إيقاع الذات النفسي وكأني بالشاعر يرسم بالكلمات توترات الذات وذبذباتها الانفعالية وتردداتها الشعورية. كأن أنسي الحاج يعوض استغناء قصيدة النثر عن الإيقاع العروضي والمكوّن التفقوي يإيقاع صوري ونفسي.

* ناقد مصري