كيف لنا أن نتعامل مع قصائد الروائي؟ هل الشعر والسرد عالمان منفصلان أم هما مرآتان تختلفان بمقدار التحدّب وزاوية الانعكاس؟ لحسن الحظ (أو سوئه)، لن نفكّر طويلاً في هذه الأسئلة لأنّ المشهد الأدبيّ العربيّ لم يعد ينتج ناثرين شعراء وشعراء ناثرين في آن. نعدّ على أصابع اليد الواحدة ربما ونتوقّف. لا تهمّنا هنا المحاولات بل النتاجات الناضجة، وهي نادرة جداً. سنان أنطون هو أحدهم بكل تأكيد. واللافت في تجربة أنطون أنّ قارئه لن يتوه إن بدأ من سرده أم من شعره، فهو يكتب عالماً واحداً. عالم واحد هو العراق. والبراعة هي أنّه لا يكرّر نفسه: ثبات وتغيّر في آن. وفي نهاية المطاف ربما نقتنع بأنّ المبدع يكتب نصاً واحداً ويواصل إعادة كتابته. الفارق هو أنّ هذا النص يتغيّر ويتطوّر مع تطوّر كاتبه.

إذن، سنجد العراق في أحدث مجموعات سنان أنطون «كما في السماء» (منشورات «الجمل»). ولكنّ هذا العراق لا يشبه عراق رواياته. فابتداءً من العنوان تبدأ اللعبة، حين يُحيل العنوان على تكملته المفترضة: «كذلك على الأرض». وهذا اللعب اللغوي هو عماد هذا الديوان. وتزداد لذة اللعب حين يبدأ الشاعر من اللغة التي كان لها النصيب الأكبر من الإهمال في التجربة الشعريّة العربيّة، مع أنّها الأكثر حضوراً في الوقت ذاته: اللغة الكتابيّة، لغة الكتب المقدّسة. ندّعي أنّنا نكتب نصوصاً «دنيويّة» ولكنّ لغتنا ليست كذلك. أدرك أنطون هذه المعادلة الخفيّة وبنى عليها قصائده التي يريد منها كتابة «إنجيل العراق الضائع» (الجميل في هذه الجملة هو إمكانيّة قراءتها بصيغتين يمكن أن يكون «الضائع» فيها هو الإنجيل أو العراق). قَصْدُ الشاعر واضح إذن، ومعروف من كتبه السابقة، ولكنّ الجديد هو الأداة: اللغة. يستعير أنطون لغة الكتاب المقدّس («العهد الجديد» على الأخص) لا بقداستها السماويّة الجامدة، بل عبر تطويعها لتكون دنيويّة/ أرضيّة من دون أن تفقد ملحميّتها وقياميّتها. الرغبة هنا هي التعامل مع الإنجيل كأدب، وهي إمكانيّة متاحة لحسن الحظ عربياً، أكثر من القرآن مثلاً.


نجد في القصائد العبارات الإنجيليّة ذاتها: لتكن مشيئتك؛ أربعين يوماً؛ التجربة؛ وغيرها، لكنّها تأخذ معاني جديدة تنسف سماويّتها المتأصّلة لتصبح مفردات شعريّة. الإله هنا إله طبيعة، إله عناصر بمعنى ما. إنّه الإله الميثولوجيّ ذاته بحيث يمكن لنا قراءة الكتب المقدّسة كتكملة بالضرورة لكتب الحضارات القديمة، الرافديّة على الأخص، بعد حذف الإضافات المرتبطة بكلّ دين من الأديان. الجوهر ذاته، ولكنّ الدلالات جديدة، كما الطبيعة تماماً. نجد مزجاً جميلاً لهذه العناصر بكيمياء جديدة، بحيث لا تبقى إلا الأشياء والطبيعة التي تذكّرنا بخساراتنا. وتصل هذه الجدليّة السماويّة-الأرضيّة إلى أقصاها في قصيدة «قلب ثقيل»، وهي القصيدة المحوريّة، وأجمل قصائد المجموعة. ومنها تحديداً يمكن لنا فهم تجربة سنان أنطون الشعريّة. نقرفص (كما فعل الشاعر والراوي هنا) في فسحة ضيّقة لنكتب فحوى القلوب/ الصناديق تلك، لندوّن بدقّة نبضاتها كلّها كأيّ موظّف أرشيف أمين؛ ففي هذا الأرشيف، هذه القلوب، حيوات كاملة مرّت وانتهت ثم ولدت من جديد، ونحن ما زلنا كما كنّا عليه، ليس لنا إلا تلك الفسحة الضيّقة والتّدوين كما كان الرافديّون يفعلون على الدوام حين أخذوا مادة كتابتهم وأدواتها من حياتهم نفسها. دورة عناصر من جديد لم ولا تُخلَّد إلا بالنار التي تحرق لتُحيي ما مات في الذاكرة.
«قلب ثقيل»، هي القصيدة المحوريّة، وأجمل قصائد المجموعة


لا تقسيمات واضحة في مجموعة «كما في السماء» ولكن يمكن للقارئ تبيّن الفواصل غير المرئيّة؛ فالمجموعة تنتقل من الإنجيليّ إلى الميثولوجيّ (السرديّ للمفارقة) ومنه إلى الطبيعة، بحيث يُطرَح السؤال ضمناً: هل الطبيعة حيّز سماويّ أم أرضيّ؟ تبدو إجابة القصائد أقرب إلى البعد الأرضيّ للطبيعة، بحيث تنتقل القصائد بمنطق محسوب بدقّة من «كما في السماء» إلى «كذلك على الأرض»، ولكن مع الحفاظ على جدليّة التحوّلات. هناك تحوّل بسيط يعتمد على المفارقة في الدلالة المزدوجة للأسماء؛ فالكاردينال نوع من الطيور، وبوق الملاك زهرة. ولكنّ التحوّل الجوهريّ ليس محض مفارقة، بل هو العنصر الأساسيّ في القصائد والحياة. تحوّلٌ يبدأ ويتكوّن من تبادل الأدوار، تبادل اللعنات. تقذف السماء بلعناتها نزولاً، لتردّ الأرض بقذف لعناتها صعوداً. والصعود هنا ليس ارتقاءً على الإطلاق، بل هي دوّامة لانهائيّة تجرف البشر والحجر والعناصر كلّها، نار تُحرق كل شيء ولا نسمع إلا فحيح لهبها الخالد المخلَّد، فيما الوقت ميت، لا معنى لمروره أو انقضائه.
تهدأ الأجنحة وتبقى ريشتها، تسكن الرياح وتبقى الأزهار الهشّة، ترحل الطيور وتبقى فراشة صغيرة وحيدة. ولكنّ هذه الأشياء الصغيرة المهملة هي التي ستؤسّس ما سيأتي. تترك مجموعة «كما في السماء» قارئها في وحشة قاسية حين تنتهي قصائدها بغتة. يبقى وحيداً في مشهد صامت ثقيل، فيستعيد بتلقائيّة الكلمات الافتتاحيّة للمجموعة: «عراقنا الذي في الهباءات». يمنحنا سنان أنطون هذه المجموعة الدائريّة المؤلمة، حيث يبدأ كل شيء من حيث ينتهي، ولا يبقى إلا الهباء، وفسحة ضيّقة لتدوين ما في القلوب. قصائد تبدأ وتنتهي بالعراق، ولكنّ الأسماء متغيّرة بتغيّر الهباءات.