أباطرة ومحظيات وحكماء، أهدوا الشعر الصيني القديم معجماً إيروتيكياً مُشبعاً بالشهوانية والعرفانية في آنٍ واحد. كان كونفوشيوس من أوائل الذين اعتنوا بهذا الطراز من الشعر، بوصفه علاجاً روحيّاً للأجساد العطشى. سنجد في «كتاب الأغاني» الذي يعود تاريخه إلى 600 سنة قبل الميلاد، الوصفة المبكّرة للشعر الإباحي الصيني. نصوص مرهفة بضربات إيقاعية مكثّفة، كان المغنّون الجوّالون يردّدونها في أروقة قصور الأباطرة في المقام الأول، لكنها بتواتر الأزمنة، ستقفز خارج الأسوار كجزء أساسي من الفولكلور الصيني القديم. فالجسد ـــ وفقاً لموسوعة «قصائد إيروتيكية صينية» التي قام بترجمتها وتحريرها إلى الإنكليزية الشاعران تشاو بينغ، وتوني بارنستون (دار إيفري مانز ليبرري ـــ 2008) ـــ يفيض بكنوزه المخبوءة بمجرد ملامسته، كدورة حياة أزليّة، وهنا تلتقي الحكمة الكونفوشيوسية بالفلسفة الطاوية لتتوحد الطاقة والشهوة في رعشةٍ كونية واحدة، بعيداً عن أقنعة اللياقة.

لا يمكننا عزل هذه النصوص عمّا سبقها في الشعر الصيني الكلاسيكي، إذ تحتشد بالإحالات الفلسفية والأوزان الإيقاعية كوعاء لمعنى الوصال والرغبة والتوق إلى الطيران عالياً، خارج قضبان الأقفاص. رغم محاولات تحريم هذا الشعر المتفلّت من القيود، ومعاقبة مروّجيه بالسجن والجلد، في الحقب اللاحقة، وصولاً إلى الحقبة الشيوعية الصارمة، إلا أنه أزدهر في الشوارع الخلفية للثقافة الصينية، إذ ساهم أدباء المنفى في انتشاره عالمياً، سواءً بتواقيع مجهولة، أو بأسمائهم الصريحة، عبر رسم خرائط اللّذة من دون أقنعة أو مجازات. في «ايروتيكا الشعر الصيني» حسب النسخة العربية التي ستصدر قريباً عن «دار التكوين» في دمشق (ترجمة عابد إسماعيل)، نتعرّف إلى نماذج من هذا الشعر، في خشونته وجرأته، عذوبته وشهوانيته، والمسافة الحسيّة التي قطعها نحو صبوات الجسد ومكابداته، بلمسة معاصرة تعانق نبرة الأسلاف لجهة تأجج العاطفة والإباحية والمكاشفات الصريحة. يقول مانك كي (1951): «إذا تحوّل جسدكِ تراباً/ أنا مستعد لأن أتخلى عن هيئتي وأصير ماءً/ أتوقُ لمن يشربني بكلّيتي/ أروي جسدكِ كلّه»، فيما تهتك سايريل وونغ (1977) المحرمات والقيود بالتوغل عميقاً في مجاهل الجسد: «أتكلّم عن لسانك، وكيف تدوّرهُ بذكاء كمفتاح، لتفتح به كلّ قفلٍ عنيد تحت جلدي، فتسترخي العضلات مثل مائة باب ينفتح في تلك البلاد النائية المغلقة من جسدي، فتطلقُ الرغبة إلى العراء». هنا مختارات من المجموعة:

تمثال قديم لامرأة صينية من الرخام

حرير
مسافر أتى من بعيد
وأحضر لي ثوب حرير
بيني وبينه ثلاثة آلاف ميل
لكن قلب حبيبي لا يتبدّل
قلدت نسق بطتين اثنتين
وقصصت الحرير لحافاً لشخصين اثنين
ثم حشوته بذكرى حبيبي الضائع
وأحكمتُ عقد جميع الخيوط.
حين تضيف صمغاً للدهان
من ذا بإمكانه أن يفصل بينهما؟
(مجهول)

مهلكَ، لا تكن عنيفاً
في البريةِ أنثى
أيّلِ النهرِ ميتةٌ
في البريةِ أنثى أيّلِ النهرِ ميتةٌ.
اهتزازاتٌ بيضاء تدثّرها.
سيّدةُ تتوقُ للقاءِ عزيزٍ.
رجلٌ وسيمٌ يغويها.
في الغاباتِ أغصانٌ متشابكةٌ،
وفي البرّيةِ ترقدُ أنثى أيّلِ النهرِ ميتةً،
متدثّرةً باهتزازاتٍ بيضاء.
سيّدةٌ جميلةٌ مثل مهرة.
آهٍ! مهلكَ، لا تكن عنيفاً،
لا تفكّ زنّارَ ثوبي.
لا تتكلّم! سوف تجعلُ الكلبَ ينبحُ.
مجهول (600 ق.م)

زهرةُ خوخها مبلّلة
الباب المزخرفُ يتلألأ على ضوء المصباح
وأنوار الزهور
فيما يفيض الحبّ عميقاً خلف ستائر العقيق
بالكاد تستطيع أن تتمالك نفسها
زهرةُ خوخها مبلّلة
بقطرات المطر
وقلبها اشتعلَ لحظة رمقتهُ بنظرة
هي تخجل أن تطلب منه
أن يفعل ما يفعله بلطف
تكزّ على أسنانها بين الحين والحين
وتهدلُ كالقبّرة
مجهول (سلالة يوان)

جوهرتي الممهورة
سيأتي يوم أتقاسم فيه معك
مرّة أخرى اللّحاف والوسائد
التي أرجعُها إلى مخازنها الآن
مرّة أخرى سأدعكَ، على استحياء
تعريني من ملابسي
وبلطفٍ متناهٍ تفتحُ قفلَ
جوهرتي الممهورة
لا أستطيع أن أصفَ
تلك العشرة آلاف من الوضعيات
الشهوانية الجميلة
التي سنمارس فيها الحبّ
هوانغ إي (1498- 1569)

عذوبة
استندُ إلى الصخرة
حيث كنتُ أقفُ
رماني أرضاً،
وأطراف العقيق توهجت في الشّمس
بين غصنٍ وغصنٍ
نشرتُ تنورتي المطرّزة
كي تحجب عنّا عيون السماء
بعدئذٍ وقف الزمن ساكناً
ذقنا عذوبةً تعجزُ عنها الكلمات
تانغ خيان زو (1550- 1616)

لا تخلد للنوم
العلاقة العاطفية تشبهُ الزورق
ترفع الشراع وتخوض في الموج
المرأة تقول له «أعرفُ كيف أتعامل مع هذه العواصف الحبلى بالريح والمطر:
أحكِمْ قبضتكَ على الدفّة، ولا تخلد للنوم»
(مجهول)

النظر خلسةً
من أحدثَ ثقباً في نافذتي الورقية؟
رمشُ يأتي،
وحدقةُ تذهب
كلّها تنظرُ خلسةً
لا أريد أن أبادل حبكَ بأقلّ منه
أريدُ أن أعتصرَكَ بقوّةٍ
لكنّ عيوناً كثيرة تحملقُ
هكذا أكتفي بالنظر إليك، يا حبيبي
وهكذا تكتفي بالنظر إليّ.
(مجهول)

مثل سمكتين
أزرارُ ذهبيةٌ تُفكُّ على استحياء
مصباح فضّي يُطفأ بضحكة
بعد كل هذه العواصف والأنواء، الليلة،
نخلدُ للنوم، معاً، مثل سمكتين في ماء
(مجهول)

بأحابيل ماكرة
كنتُ سمكةً تجوب الأعماق تحت الموج
وكنتَ صيّاد سمك بأحابيل ماكرة،
وضعتَ لي طُعماً لذيذاً في الصنّارة
ابتلعتهُ
كان قد فات الأوان
ولم أستطع بصْقَهُ
قلبي عَلَقَ في الإبرة.
والآن لا مفرّ
لن أدعكَ تتركني وتذهبُ
(مجهول)

دفتر حساب
ابتكرتُ دفترَ حسابٍ عن شوقي لحبيبي:
شوقٌ قديم،
شوقٌ جديد،
أبداً أدوّنُ ليل نهار
سطراً، سطراً،
وحرفاً، حرفاً،
كلّ شيء مدوّن بوضوح
وقبل أن أحسب شوقي القديم إليكَ
أسجّلُ عجزاً جديداً في الحساب.
أحملُ دفتر حسابي لأصفّي حساباً معك
كم سدّدتُ لك؟
وكم تبقّى لكَ في ذمّتي؟
(مجهول)

أغلال الضوء
القمرُ الأبيضُ الطالعُ
هو جمالُكِ البهيّ
يأسرني باللّعناتِ،
ممزّقاً قلبي.
القمرُ الخفيفُ يحلّقُ
متلألئاً مثل سيّدتي،
يقيّدني بأغلالِ الضّوءِ
حتىّ يتمزّقَ قلبي.
قمرٌ متلفّعُ بمجدٍ أبيض
أنتِ الجميلةُ وحدكِ،
ووحدكِ من يجرحني،
حتىّ يتمزّقَ قلبي.
مجهول (600 ق.م)

أعشابٌ طويلةٌ في الحقول
في الحقولِ أعشابٌ طويلةٌ
تتلألأُ بالندى.
ها قد أتتْ فتاةٌ مدهشةُ
عيناها كالنّبعِ الصّافي.
أقابلُها كأنّما مصادفةً،
مثلما كنتُ أخطّطُ تماماً.
في الحقولِ أعشابٌ طويلةٌ
تتوهّجُ بالنّدى.
ها هي الفتاةُ الجميلةُ،
أقابلُها كأنمّا مصادفةً.
«دعنا نختبئُ كي لا يرانا أحد»
(مجهول)

أتوسّل إليك
أتوسلُ إليكَ، زهونغزي،
أتوسّلُ إليكَ، زهونغزي،
لا تأتي إلى حيّنا،
لا تكسرْ غُصيناتِ الصّفصاف.
أنا لستُ خائفةً على الصّفصافِ،
أنا خائفةٌ من أهلي.
أشتاقُ إليكَ
لكنّني خائفةٌ
من لومِ أهلي.
أتوسّلُ إليكَ، زهونغزي،
لا تتسلّقْ حائط بيتنا،
لا تكسرْ أغصانَ شجرةِ التوت.
أنا لستُ خائفةً على شَجَرِ التّوتِ،
أنا خائفةٌ من أخوتي.
أشتاقُ إليكَ
لكننّي خائفةٌ،
من كلماتِ أخوتي.
أتوسّلُ إليكَ، زهونغزي،
لا تدخلْ كرمَنا،
لا تكسرْ أغصانَ شجرةِ الصّندل،
أنا لستُ خائفةً على شَجَرِ الصّندلِ
أنا خائفةٌ من الشّائعات.
مجهول (600 ق.م)

إياك أن تنساني
ليست بذور البطيخ الأحمر شيئاً نادراً
لكنّني صررتها بمنديلٍ صغير من أجل حبيبي
كل بذرة منها لمستُها بطرف لساني،
هدايا حقيقية مثقلة تماماً بالعواطف
وهل يضير نذرُ يسير من كل شيء؟
حبيبي، حبيبي، حبيبي
إياكَ أن تنساني.
(مجهول)

لا وصفة لا علاج
مائة داءٍ وداء
ولكن لا شيء يضاهي وجع الشوق
لا وصفة،
لا علاج،
وحتى أفضل الأطباء- بلا جدوى.
سئمتُ من الشاي،
وسئمت من الطعام،
مصاباً بالإعياء كأنني ثمل.
أعلم أن الآخرين يهزأون بي،
وأنا أهزأ أيضاً من بلاهتي.
لقد كنت ذات يوم أتحلّى بالذكاء والنباهة
لكنني الآن خرجت عن كلّ طورٍ
(مجهول)

ضفةُ النهر
قرب ضفّةِ النهرِ العاليةِ
أقطعُ الأغصانَ والفروعَ الصغيرةَ.
حين لا أجدُ حبيبي
أشعرُ بتوقٍ صباحيٍّ عارمٍ.
قربَ ضفّة النهرِ العاليةِ
أقطعُ الأغصانَ والفروعَ الصغيرةَ.
ها إنيّ أقابلُ حبيبي
ولن أدعَهُ يذهبُ.
ذيلُ السّمكةِ أحمر.
غرفتي الملكيةُ تتأجّجُ ناراً.
أعرفُ أنهّا تحترقُ
لكنّ أبواي قريبان جدّاً
مجهول (600 ق.م)

جنادب
جنادب تغنّي،
وجرادٌ صغيرٌ يقفزُ،
قبل أن أرى حبيبي
يخفقُ قلبي اضطراباً،
لكننا نلتقي الآن،
ونمارسُ الحبّ،
وقلبي يستسلمُ.
أتسلّقُ الجبلَ الجنوبي
لأجمعَ السّرخس،
قبل أن أرى حبيبي
قلبي يرتعشُ حزناً
لكننا نلتقي الآن
ونمارسُ الحبَّ
وقلبي يطيرُ نشوةً.
أتسلّقُ الجبلَ الجنوبي
لأجمعَ السّرخسَ،
قبل أن أرى حبيبي
قلبي يتشقّقُ ألماً
لكننّا نلتقي الآن
ونمارسُ الحبّ:
قلبي يصيرُ سلاماً.
مجهول (600 ق.م)

اشتياق
إذا كنتَ تشتاقُ لي،
اخلعْ ملابَسَكَ
وخضْ في نهرِ «زهين»، سابحاً إليّ،
وإذا كنتَ لا تشتاقُ لي،
ثمة فتيان كُثُرٌ في الجوار.
أيها الفتى المتوحّشُ، لا تكن متوحّشاً جدّاً!

إذا كنتَ تشتاقُ لي
اخلعْ ملابَسَكَ
وخضْ في نهرِ «وي»، سابحاً إليّ،
وإذا كنتَ لا تشتاقُ لي،
ثمة فتيانٌ كُثُرٌ في الجوار.
أيها الفتى المتوحّشُ، لا تكن متوحّشاً جدّاً!
مجهول (600 ق.م)

بين الشراشف
أحدهُما مشتاقُ استيقظ للتوّ
والآخر متّقد الشهوة، فائر النّيران
إنها حطب جاهز لنيرانه،
تستحم ببروقه،
وتشتعل صاعقةً في جسدها.
لا يأبهان البتّة إن سمعهما أحدُ من الجيران
طالما أنهما في أمان خلف الأبواب المقفلة
ما الحاجة إلى المقدّمات والطقوس الآن
مادام الجسد اتحدَ بالجسد؟
كالماء بالنسبة للمسافر الظمآن
يكون ارتواء الشهوة
ما إن يبلغَ الحبّ ذروته،
تولد روحُ من مواتها.
لينغ مينغ تشو (1580-1644)

على متن زورق
الرجل يوجّهُ سارية الزّورق
المرأة تهزُّ الزورق، يمنةً ويسرة.
يا لها من رحلة متأرجحة
يتناهبُها المدُّ والريح
المرأةُ هي المجذاف
الذي يعتمد على البحّار
كي يلامس الماء.
وكلما أكثر من استخدام عمود السارية
كلّما شعرت بفرحٍ أكبر
(مجهول)

لا تجعلني استجوبك
يوجد أثر عضة على كتفك
قل لي فقط من تسبب بها
ولن يجن جنوني.
لا تجعلني أستجوبك
النهار تلو النهار
هي عضّت جسدكَ
لكنها آلمت روحي
أية عشيقة قاتلة هي؟
عضّتها تلك متوحّشة جداً
(مجهول)
*استلام رسالة
الرسالةُ وصلتْ
قبل أن أفتحها
تنهمرُ دموعي
حالما أتذكّر أوقاتي معك.
حين مشيتَ تبعتك
حين نمت تبعتك الى النّوم
خوفاً أن نفترق في الحلم
من كان يتصوّر أن يأتي هذا اليوم
وانا هنا أنتظر رسالتك
حتى لو أرسلتَ لي ألف رسالة في اليوم،
فإنها لن تضاهي حضوركَ أنت.
(مجهول)

لا تطرق بابي
تقولُ المرأة: «حبيبي
إذا أتيت في منتصف الليل،
لا تطرقْ بابي الخلفي،
ولكن أمسك دجاجة في الباحة وانتف ريشها.
حين تقوقُ كأن قطة هاجمتها
عندئذٍ أستطيع الخروج بثيابي الداخلية
وأطردُ القطّة البريّة بعيداً».
قبلة بريدية
بحذرٍ
أفضُّ الرسالة الورقية القرمزية اللون
أفضُّ كلّ سطر، وكلّ حرف،
وبحذرٍ أقرأها سطراً، سطراً، وحرفاً حرفاً.
ليس لأنّني أحبُّ شارة البريد الغائمة
ليس لأنني أحبُّ ختم البريد الممهور،
لكنّني ببطء
بلطف
وبحذر
أرفع الختم الأخضر
لأنّني أعرفُ أنّه تحت هذا الختم
ثمة قبلة سريّة خبأتها لي.
لو داياي (1880- 1932)

كلاب مسعورة
أتدري أنني حين بلغتُ النشوة، تخيّلتُ حوضي أُفرغ في كهفٍ مظلم، يمكنك أن تزحف نحوه، وتستلقي هناك، مالئاً جسدي بنومك.
مع هذا يمكنني أن أتكلّم عن لسانكَ، وكيف تدوّره بذكاء كمفتاح، لتفتحَ به كلّ قفلٍ عنيدٍ تحت جلدي، فتسترخي العضلات مثل مائة بابٍ ينفتح في تلك البلاد النائية المغلقة من جسدي، فتنطلق الرغبة إلى العراء.
يمكنني أن أتحدث عن يديكَ، والكلاب المسعورة تحت أصابعك، وهي تنبش اللّذة من كلّ زاوية، تقرص حلمتيّ بنهايات أظافرك.
يمكنني أن أكتب كيف أنّك هويت من أعالي جوعكَ، وظلّت يداك راسيتين حول حلمتيّ، كأنما لكي تتّقي الغرق، كأنما تريدني أن أعرفَ هذا فحسب: «حتى عندما أفارقكَ، أريدُكَ هنا، أريدُكَ أن تظلّ معي».
سايريل وونغ (1977)

• مقاطع من كتاب «ايروتيكا الشعر الصيني» الذي سيصدر قريباً عن «دار التكوين» في دمشق