في الطبقة الخامسة من بيروت.

السماء تُشرق، السماء تَزرَقّ. السماء تتلبدُ بأثداء الغيم. السماء ترفعُ زُرقتها وتهطل. السماء ناصعةٌ مثل الوشم الأفريقي المطروق على الجلد الأشقر.
وفي الطبقة الخامسة، تكبر الزهرة كالحرش المكتظّ في الأصيص الأنيق.

■ ■ ■

عشت مثل أثر،
أنمو والطبقات تتكاثر على رأسي.
بروغل ـ «برج بابل» (زيت على خشب، 1563)

■ ■ ■

في البصرة كنت حليفَ القاع. في أربيل سكنت عند السفح معلقاً بين نجمة الرضا وقوافل الوحشة. في بغداد كنت كالجني أتقافز. ففي الطبقة الثالثة (هناك) ينصهر الوحيد وينشطر.
■ ■ ■

خفيفة هي الروح حين لا تنشطر.
■ ■ ■

كائن المدن رأسه بألف رأس ولا وجه له. عبد الطبقات وجنديها المهزوم. يلبس حاشية الملك ويتمشى مثقلاً بالعيون التي تبصُّ عليه.
■ ■ ■

أتقلّب في الناس، أبصرهم يتسلقون حبال الهواء. مبسوط في القاع كالتمر المغلي الناشف. منقوع بزيت السفن التي أكلتها الملوحة في المرافئ. محشور في غرفة ضيقة من الطبقة الخامسة لبيروت وينهشني البق.
■ ■ ■

استطعمت البرد تحت قوس النصر بباريس. حشرت فضولي بزقاق ضيق قبالة المكتبة اليهودية. كان Arc de Triomphe يطل على الشارع المرصوف بالبشر المحبوسين بالڤاترينات. الوجوه المشفوطة وهي تقضم المكدسين بالصفيح وهم يخيطون أسمال البشرية.
■ ■ ■

وتحت الظلال المهيبة للشرفات بنقشاتها القوطية، أبخرة الجلود الناعمة تبطش بالآمال المسفوكة من المنسيين بالسفن وهي تبصق العبيد إلى الضفة الشامخة.
■ ■ ■

وفي ساحة Trocadéro المكان القديم لملك روما، تقف الصلافة أمام برج الحديد الأمرد الثخين، وتتعرى.
■ ■ ■

وقفت تحت قوس النصر بباريس متأملاً مهزلة التفوق، فأطلّ فيكتور هوجو بجنازته متأمّلاً مهزلة البقاء. وفي بغداد تمر الهزائم من تحت قوس النصر. فهذا العالم المهووس يقف ساكناً أمام الذبائح.
■ ■ ■

الكائن المجلوب من السهوب المرمية كالشال المنقى من قطن البراءة، يسقط ولا يُعلن لسقطته نفير. مهجور حتى من آدميته التي أضناها بالتمني.
■ ■ ■

في الاسمنت القاسي وضعت رهافة الطين ببرلين. الزرقة تشع من الأبدية. بوابة تمجد الطرافة. مشخشو يطلع حامياً السيدة. والسيدة خليلة السيروش والثيران والأوهام والرايات هي زهرة أيضاً، ولأجلها يُطحن الناس ويدفئون مع الخبز، وتظل المواكب تمر.. تمر، حتى يسفها «وادي السلام».
■ ■ ■

المواكب مكائن تدقّ في الرأس. حكاية سمينة عطنة تتمدد في الأمكنة، فيما البساطيل تقطع المدن كسكين متغطرسة. الأزمان مُرَّة وحبلى بالشفاه.
■ ■ ■

عند البوابة: الزرقة التي تشع من الأبدية. الأفواه صُمٌ، وحين يراد من الناس الطاعة، تنزل مكتوبة. فالشفاه مخزن رعاة الوهم. كانت الآلهة التي تعشق السيدة، تكتب. والناس تحفظ وتكتب.
■ ■ ■

زهرة النار تضيء التراب.
■ ■ ■

الصوت الخفيض يخرق الآذان جميعها في قاعة العرش. لأن الحديد الأمرد الثخين يذوب أمام لطافة الزهرة.
* العراق