العنوان أعلاه مثل جاهلي واضح لا خلاف على لفظه ولا على معناه، وليس له قصة. وهو يُضرب في الشيء الممتنع. يقال: لا أفعله حتى يحن الضب في إثر الإبل الصادرة. والحنين صوت التشوق. يقال: حنت الناقة إثر ولدها. وكذلك الحمامة والإنسان. وقال الراعي النميري: حنين النِّيب تطرب للشِّياعِ، أي: أي حنين النوق لمزمار الراعي. يقول الميداني في مجمع الأمثال عن حنين الضب: «وهذا ما لا يكون». إذ «ليس للضبِّ حَنِينٌ إنما هُوَ مَثَل» (لسان العرب). كما «أن الضب لا يرد [الماء] أبداً» حتى يصدر عنه، كما يخبرنا الزبيدي في «تاج العروس». فالعرب تعتقد أن الضب لا يشرب. لذا يقال أيضاً: «لا يكون كذا حتى يرد الضب».

إنه إذن مثل بريء جداً. فمن المستحيل أن يحن الضب وراء الإبل لأنه بلا حنين أصلاً. ومن المستحيل له أن يصدر لأنه لا يرد الماء أيضاً. ثم إن الضبّ ليس جملاً حتى يحن في إثر الإبل.
غير أن علينا، حين يتعلق الأمر بالأمثال المغرقة في القدم، أن لا نصدق حكاية البراءة هذه. فليس من عادة الأمثال أن تجمع بين الأشياء مصادفة. وليس ممكناً لها أن تضع الضّباب في حظيرة واحدة مع الإبل هكذا بلا سبب.
وهذا يعني أن علينا طرح السؤال: لم جمع المثل بين الضب والإبل؟ وما الرابط بينهما؟ ويصير هذا السؤال ضرورة حين نعرف أن الضب مسخ، أي أنه في الأصل كائن آخر. وهذا ما نفهمه من شعر للحكم بن عمر البهراني:
إن ربي لمـا يشـاء قدير
ما لشيء أراده من مـفـر
مسخ الضب في الجدالة قدْماً وسهيل السماء عمدا بصغر.
يقول الجاحظ تعليقاً على البيت الأخير: «فإنهم يزعمون أن الضب وسهيلاً كانا ماكسين عشارين، فمسخ اللّه عز وجل أحدهما في الأرض، والآخر في السماء. والجدالة: الأرض، ولذلك يقال: ضربه فجدَّله أي ألْزقه بالأرض، أي بالجدالة» (الجاحظ، الحيوان). ويضيف السيوطي على هذا: «وأخرج من طريق أبي الطفيل عن علي بن أبي طالب كان إذا رأى سهيلاً سبه، وقال: إنه كان عشاراً باليمن، يبخس بين الناس بالظلم، فمسخه الله شهاباً» (السيوطي، أسرار الكون).
ويزيدنا السيوطي في الشمائل الشريفة: «وفي رواية لابن السني عن ابن عمر أيضاً لما طلع سهيل قال: لعن الله سهيلاً فإني سمعت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول كان عشاراً باليمن يظلمهم ويغصبهم في أموالهم فمسخه الله تعالى شهاباً فعلقه حيث ترون».
إذن، فالضب وسهيل اليماني كانا معاً، وفي زمن ما، ماكسين عشارين، أي جامعي ضرائب وأعشار. ولأن جامعي الأعشار ظلمة قاهرون، فقد مسخهما الله معاً أيضاً بضربة واحدة: سهيل كنجم في السماء، والضب كحيوان على الأرض. هذا يعني أنّ الضب لم يكن ضباً في الأصل، بل كان مثل سهيل اليماني. ونحن نعرف أن سهيل اليماني وقرينته الشعرى العبور اليمانية كانا إلهين معبودين. وهو في الواقع شبيه أوزيريس الفيضي المصري. وبما أن سهيلاً والضب كانا صحبة مكس وتعشير، وبما أنهما مُسخا معاً، فهذا يعني أن الضب صنو سهيل وقرينه. وهذا القران يدفعنا دفعاً إلى افتراض أن الضب ظل للإله سهيل اليماني على الأرض. وبلغة أكثر وضوحاً؛ إنه رمز سهيل اليماني وحيوانه.
ويعطينا جذر ضبب في اللغة تأكيداً على العلاقة العميقة بين الضب وسهيل. يقول الجوهري في الصحاح: «أصل الضبّ: اللُصوق بالأرض». وهذا ما يؤيد الشعر أعلاه. فقد «مسخ الضب في الجدالة» أي في الأرض، في حين طار سهيل إلى السماء شهاباً. يضيف الجوهري في صحاحه، وما يقوله هنا هو الأهم: «ضَبَّ الماء والدم يَضِبُّ بالكسر، ضَبيباً، أي سال». ويزيد: «ومنه يقال: ضبَّت لثَّتُهُ دماً، إذا سالت». ومن هذا الجذر أيضاً الضَّباب، أي الغيم المائي الذي يلف الأرض أحياناً. إذن، فالضب مائي رطب سيال. وما هو سهيل اليماني إن لم يكن مائياً رطباً وجالباً للماء؟ يقول الناس عندنا: إذا طلع سهيل زاد السيل. وفي الماضي قالوا: إذا طلع سهيل خيف السيل. وهذا يعني أن سهيلاً والضب من طبيعة واحدة.

خالف سهيل الأمر الإلهي ولعل هذا هو سبب مسخه شهاباً


من أجل هذا، نفهم لم اعتقدت العرب أن الضب لا يرد الماء. فما حاجته إلى الماء وهو الذي يضب الماء، أي يسيله ويصبه أصلاً؟! إنه مثيل سهيل جالب الماء إلى الأرض. عليه، فالاعتقاد أن الضب لا يشرب اعتقاد ميثولوجي أساساً.
حسن جداً، سهيل والضب على علاقة وطيدة، فكلاهما عشاران، وقد مسخا بإرادة الله معاً، وهما مائيا رطبان، لكن ما علاقة الإبل بالأمر؟ ولم ربط الضب بالإبل الصادرة من الماء؟
الجواب: لأن سهيل اليماني يتمثل بجمل. لذا دعي بالفحل. والفحل ذكر الإبل. يقول لسان العرب: «والعرب تسمي سهيلاً الفَحل، تشبيهاً له بفحل الإِبل وذلك لاعتزاله عن النجوم وعِظَمه». يضيف الزمخشري في أساس البلاغة: «يقال: أما ترى الفحل كيف يزهر؟: يراد سهيل، شبّهه في اعتزاله الكواكب بالفحل إذا اعتزل الشّول بعد ضرابه. قال ذو الرمة:
وقد لاح للساري سهـيل كـأنـه

قريع هجانٍ عارض الشّول جافر».
لكن الحقيقة أن سهيلاً دعي بالفحل ليس على سبيل التشبيه، بل على سبيل الحقيقة. فهو يتمثل بجمل. الجمل حيوانه وممثله على الأرض. وهو ما يضع الأرضية لوضع علامة مساواة بين الضب والجمل. فكلاهما ممثل أرضي لسهيل اليماني. ما يعني أن الضب في الواقع جمل ما، أو كان جملاً في يوم ما، لكنه مسخ وصار ضباً.
بالتالي، فالمثل أعلاه يحدثنا عن حال بدئية أولى كان فيها الضب جملاً. لذلك قيل: لا أفعل ذلك حتى يحن الضب في إثر الإبل الصادرة، أي حتى يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل أن يمسخ الضب. هذه العودة غير ممكنة لأن إرادة الله قد نفذت. لكن من يضمن أن لا يغير الله مشيئته، ويعيد المسخ إلى أصله؟ من يضمن أن الزمان لن يدور حتى يعود إلى هيئته الأولى، أي إلى الوقت الذي كان فيه الضب فحلاً من الإبل، وأن يلتحق بقطيع الإبل الصادر من الماء؟
هذا إذن هو جذر أن الضب يصدر صوت الحنين في إثر الجمال التي تصدر بعد شربها.

أعق من ضب
وهناك مثل آخر يخص الضب ونعتقد أنه مرتبط بالمثل الذي نحن بصدده، هو: «أعق من ضب». وقد فسرت المصادر العربية القديمة عقوق الضب على أنه نابع من أن الضبة الأنثى تأكل أولادها: «وفي المثل: أعق من ضب. قال ابن الأعرابي: إنما يريد به الأنثى. وعقوقها إنها تأكل أولادها، عن غير ابن الأعرابي» (ابن سيدة، المحكم والمحيط الأعظم).
ويؤكد الجاحظ هذا الأمر: «ومن أعاجيب الضبة أنها تأكل أولادها، وتجاوز في ذلك خلق الهرة، حتى قالت الأعراب: أعق من ضب». ويزيد العسكري: «يريدون [أعق] من ضبة، فأسقطوا الهاء لكثرة الاستعمال. وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أنها إذا باضت حرست بيضها وقاتلت كل من أرادها من حية أو ورل، فإذا خرجت أولادها وتحركت ظنتها شيئاً يريد بيضها فوثبت عليها فقتلتها، فلا ينجو منها إلا الشريد» (أبو هلال العسكري، جمهرة الأمثال).
وهكذا فقد عدّل المثل، وصار الضب ضبة، كي يتوافق مع فكرة أن الضبة تأكل أولادها. نحن نعتقد أن وصف الضب بالعقوق نابع من علاقته بسهيل اليماني أيضاً، وليس له أي علاقة بالحكاية الغريبة عن أكل الضبة لأولادها. ذلك أن سهيلاً عاق في ما يبدو. والعقوق هو الانشقاق والاختلاف ورفض الخضوع والطاعة. فقد «أخرج عن ابن عباس في سهيل: أمِرَت النجومُ بأمر وأمر [سهيل] بأمر فخالف، فخولف به» (السيوطي، أسرار الكون). إذن، فقد خالف سهيل الأمر الإلهي منشقاً عن النجوم كلها. لقد عق إلهه وخالفه. ولعل هذا هو سبب مسخه شهاباً.
بالتالي، يصح الافتراض أن عقوق الضب نابع من العقوق الأصلي لسهيل اليماني الإله. فحيوان الإله يكون مثله. فهو يمثله على الأرض. إن كان عشاراً يكون هو عشاراً، وإن كان عاقاً يكون عاقاً مثله كذلك.
والله بعد ذلك أعلم مني ومنكم.

* شاعر فلسطيني