التقاطة درامية للحظة فارقة في حياة البطلة نورهان، اتخذتها الكاتبة، زينب شرف الدين، ذريعة للدخول في روايتها الأولى «قبل صلاة الفجر» (دار السّاقي). البطلة التي تعيش في باريس حياة متماسكة «كبساط السوماك الأذربيجاني» سيحملها خبر موت أبيها إلى انتقال لم تكن تنتظره، لتعود إلى بيروت بعد غياب دام 12 عاماً. ليس هناك الكثير لنعرفه عن حياتها في باريس، وبالمقابل لن يكون هناك الكثير لنعرفه عن حياتها في بيرت، خلافاً لما وعد به مدخل الرواية.
خبر الوفاة المفاجئ سيكون فارضاً لاستعادة الذاكرة، التي توحي الكاتبة بأنّ بطلتها عانت من قطيعة طويلة معها، مكتفية بعلاقتها مع غي، أستاذ التاريخ وفن العمارة، الشغوف بترميم الكنائس والبيوت القديمة. غير أننا لن نعرف أيضاً الكثير عن هذه العلاقة، ليبدو غي أشبه بطيف يحضر في الرواية، في لحظات ضعف بطلتها، عبر هداياه التي يرسلها إليها أينما كان، كداعم لها وسبباً لتوازن نفسيّ تعيشه. عشرون صفحة من السرد هي المسافة الفاصلة بين تلقّي نورهان نبأ موت والدها ووصولها إلى بيروت. وفي هذه المساحة، التي تعتبر شاسعة في عالم الرواية، اكتفت الكاتبة بسرد تفاصيل حركة بطلتها، وما طرأ عليها من تغيرات، وما أحدثه الخبر من أثر على حالتها النفسية، من دون أن تمنح القارئ لحظةً يتقرّب فيها من البطلة، التي بدت أشبه بشخصيّة هلامية من دون ملامح.

تعيدنا إلى السجال الدائم حول مدى إمكانية «ورش الكتابة» على صناعة كتّاب

كما هي الحال في مدخل الرواية، يَعدُ الفصل التالي من الرواية بالكثير من الأحداث، فها هي نورهان تطأ أرض بيروت للمرّة الأولى منذ سنين طوال، ولا بدّ من أن يكون ذلك مادّة غنيّة لقراءة العلاقة بين الزمان والمكان، وإن كان العزاء سيقام في الجنوب اللبناني فستغدو مساحة الفعل الروائي أكثر رحابة، للخوض في عوالم الشخصيات، وحركتها ضمن إطارها الجغرافي، والوقوف على نشأتها النفسية والاجتماعية. غير أنّ الكاتبة تسترسل مجدداً بسردها الخارجي، كمصورة تعمل على مادّة تتبع لما يعرف بكاميرا الواقع، أكثر من قربه إلى الكتابة الروائية، من دون أن يخفّف من هذا الشعور استعادة الماضي، وعلاقة أبيها بأمها وزواجهما، ومن ثمّ إنجابهما لولديهما، إذ توفي أحدهما، نوّار، طفلاً، لنعلم أنّه الذكرى الأكثر قسوة التي تحملها نورهان، شقيقته الكبرى التي كانت مولعة به، وأنّه بمثابة الجرح الذي لم يندمل داخلها كلّ هذه السنين. قبل أن نصل إلى سؤالها الأخير حول سبب وفاته، وسبب وفاة والدها، وكأنها بذلك تغلق دائرة بدأت برسمها منذ تلقيها خبر وفاة أبيها.
رغم أنّ الرواية لم تتجاوز الـ100 صفحة، إلّا أنها بدت طويلة جداً. فقلّة الصفحات لم تكن حافزاً للكاتبة إلى التكثيف، لتأتي جملتها إنشائيّة مسترسلة، من دون أن تكون قادرة على الإحاطة بأيّ من الأحداث التي تحاول التطرّق إليها. لقد مضت شرف الدين في اللعبة الروائية إلى حدّ اختلاق الحدث، ومن ثمّ القفز عنه إلى آخر، من دون أن تفسح للقارئ إمكانية التشبّع به. وبذلك جاءت الحكاية عبارة عن مجموعة من الالتقاطات العادية جداً، الأقرب إلى التقاطات المشاهد الدرامية التلفزيونية بسطحيتها، ولم تبلغ حتى عمق المشهد السينمائي، وقد دعّمت الحوارات المشابهة للحوارات التلفزيونية هذه الحالة على امتداد الصفحات. وإن كانت حكاية سعيد تحمل في طيّاتها بنية الحكاية الروائية أكثر من غيرها في النص، فقد أفقدتها اللغة الوعظية والجمل الإنشائية إمكانية أن تكون رافعاً للعمل.
«قبل صلاة الفجر» هي باكورة شرف الدين الروائية، والتي صدرت كواحد من نتاجات محترف نجوى بركات «كيف تكتب رواية» بالتعاون مع مؤسسة «آفاق». وقد كان بالإمكان التغاضي عن فيض الهنات في العمل لولا أنّه تحوّل إلى كتاب بمتناول الجميع، وبالتالي بات خاضعاً لكلّ المعايير النقديّة بمعزل عن ظروف إنتاجه. وهذا يعيدنا إلى السجال الدائم حول مدى إمكانية «ورش الكتابة» على صناعة كتّاب. فمنذ أن بدأ الكاتب الأميركي جون شولتز فكرة الورش الإبداعية (Workshops ) في عام 1965، لم يتوقف هذا السجال، وبالتأكيد فإنّ هذه «الورش» يمكنها أن تلقّن المتدربين بعض تقنيات الكتابة، ولكنها ستكون عاجزة عن صناعة مبدع ما لم يكن المتدرب مبدعاً تنقصه بعض الخبرات. وربّما هذا ما جعل «قبل صلاة الفجر» تبدو كأنها كتبت بالمسطرة، وبدت الكاتبة فيها أشبه بمحرّك الدمى، فهي تمسك بالخيوط التي تحرّك شخوصها، وتحرّكها وفق ما تقتضيه بديهيات الكتابة الروائية، فتظهر حركتها عشوائية باردة، غير قادرة على إقناع القارئ بوجودها الحقيقي.