يضع الشاعر نفسه إزاء التاريخ، وإزاء تمثلاته الشخصية في اللغة والجسد والمعنى، وكأنه ينخرط في لعبة الحياة تماماً، تلك تجعله رائياً، وكاشفاً، وكاتباً للسيرة. القصيدة في كتاب شوقي بزيع الشعري الجديد «إلى أين تأخذني أيها الشعر» (دار الآداب)، هي الوجه الآخر للحياة، إذ هي بيت المرايا، وإذ هي الفكرة الفائقة التي تغوي الشاعر خلفها مسحوراً، مهجوساً بما تهبه من مراودة على تتبع سرائرها، وطقوسها، وشغفها، تختزل سؤاله الأنطولوجي، وتدعوه الى لعبة المطاردة بحثاً عن تلك الحياة التي أخذتها القصيدة من الطفولة شقيةً، مراهقةً، صاخبةً لتتركها قلقةً، وحيدةً عند عتبات الكهولة. عنونة الكتاب الخاضعة لهيمنة السؤال الفاجع والمُلحّ، توحي برهاب الشاعر الشخصي، وبقلقه وهو يكتشف أن الشعر قد جَرفه الى الهاوية، وساكنه بالتفاصيل الموحشة، وأدخله لعبة الوجود والرثاء واللذة والمطاردة، ولعل قصيدة الافتتاح "دوَّامة" هي عتبة لافتضاح هذه الكتابة، عبر استعادة يوميات الشاعر، إذ يصطنع لها عبر تقانة التصوير المتوالي مشاهد وطقوساً، له شغف التعلّق بها، والسُكنى فيها ملتذاً بشكوكه وهذيانات رؤياه، والإمساك بخيط لعبتها، ذلك الذي يتماهى عبره مع خيط الحياة والكتابة ونقائضهما: «هيَّأ الشاعر فنجاناً من القهوة/ كيما يوقظ الأفكار من غفوتها،/ وتبنّى حيلاً شتى/ لتسديد العبارة الى المعنى،/ ومبراة لتقشير الهراءات/ التي بالكاد تستخلصها الصدفة من فائض مبناها،/ وقد راحت كأسراب نمال/ تتوارى في الزحام...».
تختزل القصيدة سؤاله الأنطولوجي، وتدعوه إلى لعبة المطاردة بحثاً عن الحياة

في قصيدة «الى أين تأخذني أيها الشعر» تتبدى جملة «إلى أين» وكأنها النقيض لجملة سركون بولص «الوصول الى مدينة أين»، إذ هي قصيدةٌ مفارقة لن تصل إلى الحافة، ولن تهب الشاعر اطمئناناً لاستعارتها. هوسُها بالسؤال يُصيبها بنوبات عاتية من التذكّر، فهي تتقصى المعنى الغائب وتستعيده مجازاً، تلمس عبره شروخ الجسد، وهي أكثر انغماراً بعزلته، تلك التي تبدو أكثر قرباً لعزلة الصوفي والحلولي: «إلى أين تأخذني أيها الشعر،/ ياجنتي وجحيمي،/ وتوأم روحي الحزين،/ويا مرضاً في الشرايين،/ نازعني، وأنا بعدُ طفل،/ على غلتي من هشاشة ضوء النهار،/ وصيد خيالي الثمين...». في قصائد الكتاب الشعري الكثير من مكابدة (الوعي الشقي) الوعي الذي لا يفلسف الأشياء، لكنه يتقصى تناقضات العمر والخبرة، ويكشف عن مرائر أسئلتها الغائرة، تلك التي لا حدود لها، ولا انقطاع فيها، إنها أسئلته الشخصية في الخيار، وفي محاولته لكتابة نص هذا الوعي، ذلك النص الذي يشبه الشعور بالتطهير البريختي، إذ الكتابة/ التمسرح - فيه - هي تمثيل، ومشاركة، ومراوحة داخل مسافة الوجود الذي تصنعه الكتابة. وحتى النبر الغنائي في أغلب قصائد الكتاب يتبدى عبر هذا التمثيل بوصفه تأملاً، واستغراقاً، أو استعادةً هادئة لأغنية قديمة تشبه العمر، يتساقط عبرها الزمن، والسيرة والمراثي، وتأويل الفكرة. وفي قصيدة «من يُهدي الحياة إلى طراوتها؟» وقصيدة «لمن يكتب الشعراء؟» ينخرط الشاعر في لعبة تعرية قدسية الشعر، ويكشف عن قلقه إزاء ما يساكنه من خذلان، فالقصيدة تنفلت عن الحياة، وتفكّ اشتباكها معها، وتضع الشاعر في مخاض ما يمكن أن تولّده، أوما يمكن أن تكونه، إذ يجد الشاعر نفسه أمام القصيدة (يحصي خساراته) مثلما تتنازل القصيدة عن أُبهّتها، وسطوتها، لتبدو وكأنها مسكونة بحكمة وهمها القديم، الوهم الذي جرّ الشاعر عبر سحر اللغة وشفرات طوطمها، وغواية أنوثتها إلى التوحد بها، والانحناء لوحشتها والاكتفاء بمواجهة الغياب: «من خلف مصيدة المهارة/ يمحص اللغة المريضة/ قدرة النفخ العتية في رماد الذكريات،/ لتصبح الحيوات والكلمات/ طبْق الأصل في مرمى التناسخ». هذا الكتاب/ المجموعة يركز كثيراً على فكرة كتابة الشعر بوصفها استغراقاً، وتأملاً في الحياة، وبوصفها أيضاً خبرة تعويضية عن سردياتها المتخيلة، وهذا ما يجعل الشاعر نازعاً لتدوين الكثير من سرديات مزاجه، ورؤيته، وانفعالاته، وما هو مألوف ومكرر، أو عبر ما يسّاقط من انتهاك ثنائية الشعر/ الحياة، باتجاه تلمّس ما في القصيدة من ميوعة وخفّة ولمعان، وباتجاه الوقوف إزاء الحياة ذاتها، وبكل ما تحمله من سرائر ووقائع ولذة وخيبة، وبما يجعل الانتقال في لعبة الكتابة بينهما أشبه بالانتقال على بساط ريح، تلذذاً بأسطورة الكتابة، وبقدرة الشاعر على خرق المألوف، واغتراباً عن مفارقة صمت الكتابة إلى صخب الجسد الذي يمثل الحياة. قصائد شوقي بزيع تُدخلنا الحياة عبر الخبرة، وعبر أصوات حاشدة بحكمة الشاعر، لكنها الأكثر اكتنازاً بالنشيد، فهو لا يشيح ببصره عن الواقع كما ألفناه لمصلحة فتوته الاستعارية، بل نجده أكثر خبرة وحكمة في إبصار تفاصيل ذلك الواقع، وفي تمكين الرؤيا من أنْ تتقصى ما يمور بالنفس، والعبارة، وما ينضح من التجربة، واغتناء الفكرة، وأن يوظّف الكثير من رموز الميثولوجيا، والبطولة الثقافية للكشف عن حرية الأنا الشعرية في تمثل مخزونها الشعوري، بوصفها أنا قارئة، وأنا باحثة، وكاشفة عمّا ينطوي عليه الوجود من ضغائن وخيانات، إذ ينساق من خلالها لمواجهة (أناه) الواقعية التي لا قبالة لها سوى الكهولة والموت والرغبات التي تكتفي بالاستعادة، ولا سيما في قصائده «سبعة وجوه للانتحار» و«رقصة سالومي» حيث يستعير الشاعر رأس يحيى، أو وجوه الموتى، ليدرك لعبة الحياة في الموت، ولعبة الحياة في الشعر، وحتى في قصيدتيه «عزلة الخادمات»، و«المسنون» يلبس الشاعر قناع الحكيم الرائي ليبصر ما يشبه عوالم عزلته، إذ يدسّ مجسّه التعبيري لمقاربة تفاصيل تلك العوالم وهي مسكونة بالفجائع، والعجز، والأصداء الغارقة برائحة الموت والعزلة، وكأنه يندرج إليها للإيحاء بصورة أخرى لحياة مرتجاه، منزوعة عن الشعر، أو في عطالتها العابرة عبر العكازات، أو عبر البريد الخطأ: «هم الغرباء على قمم للشقاء مُعمَّرة/ لا يطلُّون إلا عبر حفنةٍ/ من تراب الوجود/ الذي قسّموا إرثه بين أبنائهم/ بالتساوي/ وأووا إلى وهنهم مكرهين/ جالسين مع الذكريات التي تمّ إخلاؤها».