ترجمة وتقديم: رشيد وحتي

 
كان لميلاد جورج شحادة (2.11.1905)، في الإسكندرية كمدينة كوسموپوليتية أثرٌ كبير، أعطى شعْرهُ مسْحةً كونية، طيْفيّةً، لا تقرنه بجغرافيا محددة (لن تُصادف أعلام أماكن في شعْره أبداً)، إضافة إلى ميول سريالية في تركيب الصورة لا تجعله بالضرورة في صلب الحركة السريالية، ولكن تُدرجه ضمنها كمميزات أسلوبية (بلاغية) مُعجّنة بالحكمة المشرقية (يرى الشاعر الفرنسي آلان بوسكي أن قصائده مُطرّزة بالأمثال)، مع شبهٍ كبير بأپولينير من ناحية إسناد الإيقاع لجملة تخلو من كل علامات التنقيط، وترتكز فقط على الوقْف وتشطير الأبيات. أما عدم عنْونة القصائد فيمكن عزْوُهُ لخيارات شعرية كانت رائجة خلال النصف الأول للقرن الـ 20 كدلالة على صعوبة/ استحالة القبض على الموضوع والجوهر الشعريين في عبارة استهلالية مُقْتضبة. عالم شحادة الريفي — غالبا في وقت برْزخيّ (أصيلًا أو غسقًا) — يكاد يكون مُشابهاً لما هو عليه في قصائد شوقي أبي شقرا، مع الاستناد لمعجم صغير، بسيط، مُجرّد يكاد يكون، في نبْرته الخافتة، مُمهّداً لشعرية الراحل بسام حجار. القصائد التالية لذكرى وفاته في 17 كانون الثاني (يناير) عام 1989:


أشعارٌ I
(1938)

لا قردة قبْل كُلّ شيءٍ خلف الورود
ثمّة طفْلٌ عيْناهُ كدرتان

■ ■ ■


الخُصْلاتُ التي تُمثّلُ عُمْر الحبّ
كالنّبيذ الساّئل في الأصابع
تذكّرْ تذكّرْ زهور الأرض
كانت المذلّةُ تحْملُ رأْسك في كيسٍ
ألفُ انْهيالٍ كان يُوقّعُ خُطاك
أنت هُنالك عالياً على الرّبْوة
حيثُ يضعُ الْقمرُ أَرَاغِنَهُ الكبيرة الباردة
الأشجارُ ترْتعشُ كقناديل البحْر
لكنّك لا تُصدّقُ هاته الصّرخات الطّبيعيّة
لو كان للجبال أنْ تمسّ الهواء
ووصْل المواسم عبْرهُ
لمشيْت على طريق السّماء

■ ■ ■


هي في سنّ العشرين رعْشةٌ
أنْ ترى عينيك في ماء النّساء
للغُرْفة زينةُ البحر
كطائريْن ينسَحقانِ وهُما يحُومان معاً
بصمت الأعشاش الخطير
مزج اللّيلُ عُمرينا
أيْ نغمة حجر الجُزُر

■ ■ ■


إنّها القيلولةُ
القُبّراتُ لوحاتٌ بيْضاءُ
ضعْ رأْسك في العلف حيثُ يتضايقُ الحصانُ
بحافره الأرقّ
ها القمرُ
ليس كُروياً إلا لأنك حزينٌ
القصبُ وحيدٌ
والشّجرةُ التي تُنوّمُ النُّجُوم
يرُجُّها العُشُّ

■ ■ ■



هاته المرأةُ التي تحْلُمُ وسْط سراويلها
لنْ أراها ثانيةً في الإنْشاد
سأتزوّجُ يديْها
— صغيرةٌ جداً هي هذه الذكرى منْ أرض الجليل
كان ثمّة ماءٌ وأنا لوحْدي

■ ■ ■


أُمّي الّتي كانتْ أشْعر منّي
أُمّي كانتْ تكْتُبُ لشقيقتها:
كأرْضٍ عذْبٌ هُو الصّوْتُ
على خدّه ورْدةٌ على خدّه كتابٌ

■ ■ ■


عندما يرتعشُ الخريفُ على الجبل
ضعْ في رقبتك عيْن البجعات
المفاتنُ في الرّيح والسّاعةُ سوداءُ
أُحبُّك قيلَ لي ذلك

■ ■ ■


المطرُ أرقُّ منْ قُطعانٍ ضاربةٍ للحُمْرة
الماءُ أكثرُ بياضاً على كتفيْه من الفجيعة
لا أدْري إنْ كان علامةً أوْ عذاباً
هذا الصّوْتُ في طُفُولتي كتُفّاحةٍ.
ثمّة شقاءٌ عظيمٌ في الْأرْياف!

■ ■ ■


لنْ تكُوني أيتُها الخشْخاشاتُ الزّهْرة الباطلة
لقد أحبّتْ بإفراطٍ العُيُون المُتفتّحة
ها هي اليوم أكثر بياضاً من موتها
الليلُ يقصفُها بالأحجار
تبقى العينان زهرتيْن خارقتين

■ ■ ■


أشعارٌ II
(1948)

ثمّة حدائقُ لمْ يعُدْ لها مِنْ موْطنٍ
تكُونُ والماء وحيدةً
تعبُرُها يماماتٌ زرقاء ودونما أعشاشٍ

لكنّ القمر بلّورُ فرحٍ
والطّفلُ يتذكّرُ فوضًى عارمةً شفيفةً

■ ■ ■


للطّفل الذي يعْدُو في غابةٍ مُتْرعةٍ
بصفير الحرير
أقولُ بأنّي أُوْثرُ
ذاك الذي ينامُ في حديقة حُزيْران
مع أسًى خفيفٍ
منْ أجل عُزْلة الصُّور
والفجْر وسُرّاق الْماء

■ ■ ■


كمانٌ أعْمى كان يبكي منْ أجلنا
فُسْقيّةً منْ حجرٍ
الشّتاءُ الفصلُ بلا ملامح
عندما تكونُ الأعْنابُ سوداءْ

■ ■ ■


سأبْسُطُ أساريري في بُسْتان تُفّاحٍ
في ماء الرّيف هذا
ذي الخُطى البكْر
ومنْ أجْلك أيْ صديقة صفْصافات الْموْت
اليماماتُ التي تطيرُ دونما هواءٍ
والغيْبةُ أطولُ من السّنين

■ ■ ■


إنْ كُنْت جميلةً كمجُوس بلدي
أيْ حُبيّ فلنْ تسْعَيْ لبُكاء
الجُنُود القتلى وظلالهُمُ الهاربة من الموت
— الموتُ بالنّسبة لنا زهْرةُ بنفْسجٍ

ينبغي الحُلمُ بالطُّيور المُهاجرة
بين النّهار واللّيل كأثرٍ
عندما تنْأى الشّمسُ في الأشجار
ويصنعُ منْ أوراقها مرجاً آخر

أيْ حُبيّ
لنا عيونُ المساجين الزُّرْق
لكنّ جسدنا معْشوقُ الأحلام
مُضطجعيْن نحنُ سماءان في الماء
والكلامُ غيابُنا الوحيد

■ ■ ■


أشعارٌ III
(1949)

ستعودُ النجمةُ فوق الحديقة الخربة
شبيهةً بقطرة ماء الولادات
ستتفتّحُ الطُّيورُ التي فقدتْ صبْرها
وسيكونُ حلمُ اللّيلة الأُولى

أنا أيْ حُبّي في مرْجٍ
رفقة أشجارٍ منْ عُمري
لكنّ الغزْلان تمُرُّ في الرُّموش النّائمة
الموتُ هذا المساء كبنْت الزّمان المعْشُوق

■ ■ ■


عندما يتمزّقُ الطّائرُ مع نشيده
فأوراقُ سوداويتهما غير الأكيدة
تُوْقفُ أحياناً شكواها
ينتهي الهواءُ بعيداً ولا تعودُ له رغبةٌ في الإصغاء
نمُرُّ ساعتها صُحْبة كلابنا كلاب الآحاد
فوق السّماء وفي البسْتان
ومنْ أجْل منْفى صُورنا
نهبُ ظلًّا لكُلّ واحدٍ منْ أطفال المساء

■ ■ ■


كنتُ أقرأ كتاب الممالك العتيق
— كنتُ مجنوناً كالسُّلّم البهيّ

خارجاً كان اللّيلُ يجْرفُ معه الأبراج
— كنتُ أقتفي أثر الخُرافات

■ ■ ■


أقولُ إنّ الكنوز أبناءُ النّباتات
ما منْ كدٍّ يسْبقُ النّسيم
طالما أُوْقدت القناديلُ
طالما الموْتى زُهورٌ

■ ■ ■


تلْك المعْقُودةُ حُنُوّاً بأشياء الرُّوح
ذلك الغائبُ بأُعجُوبةٍ
كُلُّ شيءٍ حُلْمٌ غبارُ حُلْمٍ
القُطْعانُ التي عمّرتْ ألف سنةٍ بسبب القمر
وهذه الْجبالُ التي ترتعشُ مع حبّات جوْزٍ

■ ■ ■


تحت أوراق شجرٍ غيْر مُكْترثةٍ بالطّائر الأجير
أقولُ إنّ التفّاحات دقيقةٌ وجميلةٌ
في حزن الصّباح
أتحدّثُ عن وردةٍ أثْمن
مِنْ تجاعيد البُستانيّ

لأنّ الكُتُب في الغُرف
لأنّ في جسد العُشّاق ماءً

■ ■ ■


أشعارٌ IV: إِنْ لَاقَيْتَ حَمَامَ الوَرَشَانِ
(1951)

إنْ لاقيْت حمام الوَرَشان
في حرْجٍ بالغ الفُتوّة بحياة ثلْجه
عندما تعني العُيونُ عُقْدتي المساء
إصْنع استراحةً منْ كُلّ ما هو لهُ
عُمُرُ الغابة أيْ حُبّي حُلْمٌ

■ ■ ■


في النوم لماماً
تُوْقظُ البذْراتُ الظّلال
يأْتي أطفالٌ صُحْبة عوالمهمْ
خفيفين كعظام زُهُورٍ ميّتةٍ
ساعتئذٍ في بلدٍ أقرب بلواعج الرُّوح
ولوصْلِ خشْخاش الجُفُون الوديعة
تستحيلُ أجسادُ اللّيل بحْراً

■ ■ ■


(إلى سان-جون بيرس)
أُعْطوهُ جذْر إكليل الغار
لا أزهاراً مضى عليها يومٌ تنْثُرُ رماداً

شاعرُ الثّلج والسّاعة الرّمليّة
عندما يكونُ ما ابْيضّ شرفاً للموتْ

■ ■ ■


أشعار V
(1972)

كان قدُّ البنات الفتيّات يُرفْرفُ في الرّيح
لمْ يكُن الطّيرُ ذو العيْن اللُّؤلُؤة يتركُ أثراً
كان ذاك عصر الملائكة آه أتذكّرُ
كان النّهارُ واللّيلُ طفليْن للأرض السّعيدة
كان الغيابُ يحفظُ البسمةَ والكلام
كان كُلُّ شيءٍ مِنْ لا شيء: العشبُ والقنديلُ
ما خلا حصاناً حرُوناً كان يُلوّحُ بقبضتيه
ويصيحُ نحْوي:
ما يحصُلُ مرّةً واحدةً ليْس في حُكْم العادة فيما خلا الموْت
آه أتذكّرُ

■ ■ ■


أُوْلاء السّاهرُون حتّى آخر اللّيل
في غُفْران الدّياجير العميق
بعيداً عن القناديل السّاخنة في العينينْ
في الهواء العاري
ثمّة مسافرو المُستقبل
والنُّجومُ تُدْركُ ذلك جيّداً إذْ تتوقّفُ عند نوافذها
تاركةً سلالم برّاقةً
في الفجْر عندما يتْرُكُ الصّيّادُون ثُقباً
في صمْت الأريافْ

■ ■ ■


نعمْ ولا
عصوان
إحْداهُما تنْثني
والأُخْرى تنْكسرُ
— أيُّهُما؟

هكذا يتحدّثُ الحكيمُ
مرّةً من اثنتيْن
— أيُّهُما؟

■ ■ ■


في رُقاد بنْتٍ صغيرةٍ
يكمُنُ بهاءُ إبْرةٍ ولُغْزُها
ليخْرُج منْ كمانٍ
رجُلٌ فتيٌّ صيّادٌ يرْقُبُها
— آهٍ غطُّوا جيّداً هذا الولد النّائم
لأنّها في الخارج
بيْن شَارِبَيِ اللّيلْ

■ ■ ■


ثمّة حديقةُ حزنٍ في قفص عُصْفُورٍ
مع كُلّ سَوْداويّة بيْتٍ
الأجنحةُ ورقاتٌ خضْراءُ
في النّهار المُقتّر والمُنْكسر
كفُتاتٍ

أتذكّرُ تلميذاً بئيساً
عند النّافذة

■ ■ ■


لا الأملُ ولا الحظُّ
بل في الزّهرة الصّغيرة النّاشفة في كتابٍ
لمْ يبْقَ منها إلّا رمادُ الحُبّ

— كيْف لنا أن نمُوت
عندما نكونُ بعْدُ قادرين على الحُلْم

■ ■ ■


ليستْ وشْوشةُ المحّارة وشْوشة البحْر
ولا رحلة الرّيح
بلْ نشيد النّوم وقبْرُهُ

بم أنّ الأشْواك عبراتُ الورْدة في الصّباح
والزّنْبقة ذكْرى الملوك
يا لكثْرة السّوْداويّة التي تكْتنفُ الأشْياء

■ ■ ■


هُنالك بعيداً
في آسيا الفارعة ببهاءٍ
سبّاحُ حُبٍّ فريدٍ


■ ■ ■


أشعار VI: سبّاحُ حُبٍّ فريد
(1985)

كانتْ تمْشي في بُسْتانٍ
كانتْ تسّاقطُ من الأشجار مقاطعُ صوْتيّةٌ عذْبةٌ
ولمْ يعُدْ للهواء لونٌ

هي ذي ولادةُ المساء
نداوةُ الأعشاش الأُولى
كانت البنْتُ الفتيّةُ تحْلُمُ قليلًا
وهي تنْظُرُ منْ حوْلها

الليلُ الآن يتكرّرُ لا نهائيّاً
الأشجارُ تختبئُ في أوراقها
والصّمْتُ يأْتي منْ بعيدٍ



(تحيّة للْأخ أنْجيليكُو التّشْكيليّ)

كانت أمّي تُسمّي الملائكة بأسمائها:
جبْرائيلُ ذُو أصابع الكمان
ذُو جناحي المحار
ومريمُ، مريمُ في بيتها وحيدةً
مُسْدلة العينين على وجهها
كُلُّ هذا في غُرْفةٍ لا شيء فيها
رُبّما وفقطْ
خُبْزٌ وماءٌ للعرْفان

■ ■ ■


عيْنُ ماءٍ كانتْ تبْكي كانتْ تحْكي

عندما ستُغادرُ بلد القناديل
ذات ليلةٍ كابْنٍ للبرْد
سيأْتيك رُبّما ملاكٌ
بالحبْر
لكتابة ما تراهُ:
الماء الجاري الذي يسْتحيلُ ظلاً
الشّجرة التي تُضيّعُ طريقها

■ ■ ■


مع الرُّقاد
كانتْ شقيقاتُ أُمّي يتكلّمْن بصوْتٍ خفيضٍ جدّاً
بحيْثُ يصيرُ كُلُّ شيءٍ ظلاً
وُجوهاً وأصواتاً
حتى السّاعةُ الحائطيّةُ في قفصها
التي لمْ يعُدْ لها نشيدٌ
فجأةً يلْتمعُ عودُ ثقابٍ
وبوُسْعنا أنْ نتبيّن
خالاتي جاثيّاتٍ على رُكبهنّ
في قطْرة ذهبٍ

■ ■ ■


كانتْ لكُلّ نافذةٍ سماءُ مرْجٍ
في هذا البيْت المنْسيّ
وثمّة أيضاً أطْيارٌ مُحمّلةٌ بالبشائر
وفي الأحلام طفْلٌ يحكي حياتهُ

أيْ حُبُّ
أيْن ليالي الشّتاء
القنْديلُ الرّقيقُ في فُسْتانه الزُّجاج
والسّاعةُ الحائطيّةُ تدُقُّ وتُنادي
طفْلاً نائماً فقطْ

■ ■ ■


منْ خلال ذهب الشُّمُوع
في أزْيائك في كامل خِضَابِك الحمْراء
ألقاك في كنيسةٍ ليلًا
أيقُونةً ذات صبْرٍ بالغ الرّقّة
فمن الجُنُون أنْ أكُون أكثر قُرباً منك وألّا أرى
في عينيك المُتواضعتيْن كما اللّيل وأكثر سواداً
هذه الْقصيدة التي لمْ تُكتبْ بعْدُ

■ ■ ■


مع طُلُوع النّهار
يشْرعُ الحمامُ في خُطواته
بالباحة

كان يسّاقطُ المطرُ
مُذرّياً بزْرات ماءٍ
على البلاط


■ ■ ■


هو الخريفُ ثانيةً
الحديقةُ تعْدُو خلف أوراقها

ما بقي مِنْ أحدٍ هُنا:
النّوافذُ النّاسُ
بل الرّيحُ

ثمّة قمرٌ منْسيٌّ
في السّماء كوجْهٍ

ذكرى للصّيف الجميل
أنا ظمْآنةٌ قالتْ فُسْقيّةٌ

■ ■ ■


عندما تضيعُ العيْنان في النّوْم
كما في قعْر بئْرٍ الْوُجوهُ
يأتي منامٌ صُحْبة مناظره
منْ فوق نائم اللّيْل
وها في سماءٍ هاربةٍ منْ نجومها
نافذةٌ على الغسق
مع رأْسٍ مُشْرئبّةٍ لامرأةٍ
تبْقى في الحُلْم لُغْزاً