يبدأُ الإدراك لدور الزمن وتأثيره على الرؤية وأفق التفكير عندما يخرجُ الإنسان من وهم المطلق، ويقتنعُ بفعلِ احتكاكه مع الظواهر الوجودية بمحدودية زمنهِ، وحتمية فنائه. أصبح السؤال عن الزمن ومقاومته ركناً أساسياً في الأطروحات الفلسفية بقدر ما شغلَ الأعمال الأدبية التي تكتسبُ الهموم الوجودية دوراً محورياً في سياقها. وبالطبع، فإنَّ أسلوب الأدب في مقاربةِ تلك المسائل مُغاير عن الآليات الشائعة في حقول معرفية أخرى. إنَّ الصراع مع الزمن حين يتحولُ إلى ثيمة روائية، يجبُ أن يتَخذُ شكلاً ملائماً لحيثيات التشكيلة السردية، إضافة إلى ضرورة وضوح الدافع وراء وجود الفكرة الأساسية التي ينهضُ عليها العملُ الروائي. أمر تبنتهُ الروائية الكتالونية ميلينا بوسكيتس (1972) في «هذا أيضاً سوف يمضي» (2015 ــ انتقلت أخيراً إلى العربية عن «دار مسكيلياني»، تونس ـ ترجمة نهى ابو عرقوب).


تنطلقُ الرواية بصيغة مونولوجية تسحبُ الستار عن المحتوى النفسي لشخصية البطلة بلانكا التي تستغربُ بلوغها سنّ الأربعين وهي توقعت وضعية وجودها في مراحل عمرية متباينة كأنَّ تكون في الثلاثين تعيشُ حب حياتها مُحاطةً بالأبناء، أو محتفية بعيد ميلادها الستين وسط أحفادها. لكن حلقة الأربعين كانتْ غائبة في لوحة الخيال. ومع مضي السردِ يُفهم بأَنَّ هذه المناجاة تأتي مُتزامنةً مع موت الأُمِ وحضور الابنة في تشييعها وهي لا تدري كيف وصلت إلى القرية، وتستنكرُ شكل ملبسها البائس. وبهذا يتضحُ أنَّ الموت هو ما يستدعي التفكير في الزمن، مع التلميح إلى أنَّ المرأة التي غيبها المرضُ لم تكُنْ عادية. إلى جانب الموت وما يعنيه من نهاية، ينفتحُ هذا العمل على الحب والمرح والعلاقات الإنسانية المُتنوعة.
لا تَكفُ الابنة عن مُخاطبة الأُم بعد غيابها. وأحياناً لا تُصدقُ بأنها توارت عن الأنظار إلى الأبد. تستذكرها وتعيدُ تركيب المواقف التي رافقت فيها الأمَ. يترددُ كلامها في المخيلة. تحتفظُ بكتبها وصندوق مُقتنياتها وبسترتها، ما يعني أنَّ رحيل الأم في حياة بلانكا أحدث فراغاً كبيراً. وما يُضاعف هذا الشعور أكثر أنَّ الأب أيضاً قد اختفى أثره في الحياة بعد إصابته بمرض السرطان بينما كانت هي طفلة صغيرةً. فوق هذا، تُعلن الراوية عدم قدرتها على قراءة الكتب لأنَّ طيف الأم ساكنٌ في طيات صفحاتها. كل ذلك يوحي بأنَّ بلانكا تماهت مع شخصية الأم المؤثرة التي بمجرد أن ترى ابنتها، تنفذُ إلى ما تعيشهُ من تحولات. إذ عرفت بأن صديقها أوسكار يرتادُ شقتها ومن ثُمَّ عندما تكون حاملاً، لا يخفى الأمر على الأُم. مُقابل هذه التجارب الصعبة، فإنَّ الحُب والعلاقات الحميمية هو وجه آخر لحياة بلانكا. فضلاً عن زواجها مرتين، هي تُقيمُ علاقة مع سانتي المتزوج الذي جابت برفقته برشلونة. وكلما استوحش مرض أمها، انغمست أكثر في علاقات حميمية. تتصفُ شخصية بلانكا بالمرحِ وحبُ الحياة وعدم التقيد بالتقاليد، وما أكسبها هذه الصفات هو النشوءُ متأثرة بسلوك الأمِ اليسارية. لذا تُفضلُ أن تمضي أياماً مُفعمة بالحيوية مع صوفيا وإليسا وبقية الأصدقاء، وتضربُ موعداً مع زوجيها السابقين مقترحةً على أوسكار بدء مرحلة جديدة. بعكس بلانكا، تبدوُ إليسا شخصية مُتمسكة بالتنظير وتسمعُ على لسانها تحليلات سياسية ونفسية. لكن ذلك لا يمنعها من الغيرة على صديقتها المُنفتحة خصوصاً عندما تجدها تتبادل القبل مع حبيبها داميان، ما يثير حساسيتها مبديةً رفضها لهذا التصرف. وإثر ذلك، تنقطع العلاقة بين الصديقتين. أما عن صوفيا، فهي تريدُ أن تلفت الاهتمام بالإشارة إلى موقعها الوظيفي. ومع أنَّ الرفاق يتقاسمون المكان، لكن طبائعهم وتطلعاتهم متباينة. يعيشُ كل واحد من هؤلاء في عالمه وتنفردُ بلانكا من بين الجميع بالتعبير عن شخصيتها المُتفاعلة والتكتم على ما تضجُ به أعماقها من حنين وشوق إلى الأمِ، وأنَّ كل الحب الذي يمنحها الأصدقاءُ وولداها لا يعوضُ غياب المرأة التي علمتها الكثير.
تنفتح الرواية على الحب والمرح والعلاقات الإنسانية المُتنوعة

تتسعُ الحلقة السردية لشخصيات أخرى منها الغريب الوسيم الذي تتواصل معه بلانكا في أحد المقاهي ويتعرف إلى سبب حضوره في يوم الجنازة، فكان والد مارتي صديقاً لأُمها وطاب للأخيرة الاستماع إلى صوته الجميل. عدا ذلك، تشاركُ ناتشو في حفل الرقص، إذ تلتقي بالأخير فيما هي تتجولُ في الشارع. هنا تومئ الراوية إلى ما يحملُ دلالة زمنية عندما تقولُ إن العالم ينقسمُ إلى أولئك الذين يجلسون على مقاعد الشوارع، ومن لا يجلسون على تلك المقاعد. ملمحُ آخر من الرواية هو عنصر الفكاهة والمرح الذي ينمُ عن رؤية البطلة من خلال الجمل والمواقف المحبوكة بالنص الروائي. تتعايشُ بلانكا مع ذكرى الأمُ وتقودها الخطى دون تخطيط مسبق إلى المقبرة. تبدأ بدق بابها منادية تلك المرأة التي لم يمرُ على رحليها إلا ثلاثون يوماً. من مكانها، تتخيل الأم مصحوبة بكلابها الثلاثة. قبل أن تصعدَ على متن القارب، تلتفت قائلةً لابنتها: هذا سوف يمضي. تمررُ الكاتبة حكمة صينية في نهاية الرواية توحي بأنَّ «الألم والحزن يمضيان كما البهجة والسعادة». يذكر هنا أنّ المؤلفة شرعت بكتابة هذا النص عقب رحيل أمها، ما يذكرنا بموقف إيزابيل الليندي التي كتبت أولاً بعد موت ابنتها عسى أن يكون في الكتابة استشفاءٌ من حسرة الموت.