اللقاء مع نص اليابانية يوكو أوغاوا (١٩٦٢)، إحدى العلامات الروائية الفارقة والأكثر فرادة في عالم اليوم، هو أشبه بالصدمة التي ستلازمنا طيلة حياتنا كقرّاء ومتذوقين للأدب. بعض كتب أوغاوا مثل «حوض السباحة» (صدرت ترجمته العربية عن «دار الآداب» ــ ٢٠٠١) ، أو «غرفة مثالية لشخص مريض» (دار الآداب ـ ٢٠٠٥)، و«متحف الصمت» و«قراءة الرهائن»، تصير شبيهة بالموسيقى التي ترافقنا ما حيينا، بكل ما تحمله من الشجن والحبور والسكون والمفاجأة. في نصوص أوغاوا، يتولد الانطباع المزلزل بأننا أمام مرآة أليس، التي تنقلنا إلى «الجهة الأخرى»، حيث ينطق الغائبون، وحيث «الالتواء الثمين للأصوات التي تم قتلها». هناك أيضاً الكثير من الصمت في أعمال أوغاوا التي تمتلك داخل خريطة الأدب الياباني اليوم، موقعاً مشابهاً لما يمتلكه باتريك موديانو، الفائز بجائزة «نوبل» عام ٢٠١٤ في خريطة الأدب الفرنسي، استناداً للمناطق المظللة والمبطّنة التي تنسجها بكثرة في ما تكتب. مع فارق يتمثل في أنّ أعمالها برمتها تنحو نحو الغريب وغير المألوف. في عملها الأخير «لقطات العنبر» (٢٠١٨)، تعود الكاتبة إلى معالجة ثيماتها الأثيرة: هناك ذلك المنزل الغريب حيث ينغلق أطفال ثلاثة في عزلة يتوجب عليهم فيها محو أسمائهم السابقة، من اللحظة التي أعطتهم والدتهم أسماء جديدة، هي أسماء حجارة كريمة مأخوذة كيفما اتفق من موسوعة يتفحصونها بلا كلل: عقيق، عنبر، أوبال، هكذا ستكون أسماؤهم الجديدة. هناك راوية تحاول أن تعزف على البيانو من دون إصدار أدنى صوت، وشبح لفتاة صغيرة ميتة ينزلق في تجويف عين شقيقها عنبر. العنبر، ذلك الجسم الأحفوري الذي يحتفظ بذاكرة الماضي وآثاره، هذا الماضي هو ما كان دائماً، وسيبقى الاستعارة الأقوى في أعمال أوغاوا. في نيسان (أبريل) الماضي، وأثناء زيارة باريس لتوقيع النسخة المترجمة من «لقطات العنبر» لدى «منشورات آكت سود» العريقة التي كانت قد أصدرت القسم الأول من أعمال أوغاوا الكاملة في مجلدين عام ٢٠٠٩، خصت الروائي اليابانية الأبرز بعد كاواباتا وميشيما وتانيزاكي مجلة «لو نوفيل أوبسرفاتور» بحوار شامل مع الصحافية الفرنسية دوان بوي حول روايتها الأخيرة والأدب والموسيقى ودموع السلاحف و«البيانو الصامت».



هناك الكثير من الصمت في كتبك. مثلاً هذا الأرغن الذي يصنع الموسيقى بلا صخب.
- الأرغن ليس صامتاً بالمطلق. المسألة يمكن اختصارها بأن الأطفال وحدهم هم من يستمعون لموسيقاه. هذا ما يهمني في آلة موسيقية. حين نعزف الموسيقى، ليست هناك من كلمات، لا نتكلم البتة. عادة ما أضع موسيقيين في قلب المشهد، وتراهم قاصرين عن التعبير قولاً عن أحاسيسهم، الشيء الذي يفعلونه إذن بواسطة الموسيقى أو الرقص، كما هي حال شخصية «أوبال» في رواية «لقطات العنبر». الرواية هي نقيض الصمت، هي امتلاء بالكلمات. أنا شخصياً أحب لرواياتي أن لا تكون فقط مراكمة للكلمات، بل موسيقى للقارئ. عقبات وعوائق هي الكلمات. أحب أن أتحرر من كل هذا. أن أعبّر، دون العبور بهذه القيود التي هي الكلمات.

مارغريت دوراس كانت تقول بأن الكتابة هي أن نصرخ بلا ضجيج.
- آه تماماً، إنها تقول ما أردتُ قوله تماماً، وبطريقة أفضل حتى. كما ترون، أنا خرقاء في التعبير عن نفسي بعض الشيء. لقد أحببت «موديراتو كانتابيل» كثيراً. إن فيها أيضاً معلِّماً للبيانو، وجملة موسيقية يُسمع صداها من وقت لآخر.

الأطفال في «لقطات العنبر» لهم أسماء الحجارة. ألست تضفين نوعاً من البرودة أو اللاعضوية على العمَل؟
- أحب الحجارة والأحفوريات. الأشياء ذات الحواف الواضحة والمحددة، التي يمكن الإمساك بها باليد. الأشياء الكبيرة الممتدة وغير المحدودة تخيفني؛ المحيط مثالاً.

صحيح أن البحر مقلق دائماً في أعمالك. بينما وبشكل غريب، هناك دائماً الكثير من الممتدات الجليدية...
- إني بالتأكيد أفضّل الثلج على الماء، مثل متزلجة فوق الجليد (رواية «عطر الجليد» تدور أحداثها بالكامل فوق حلبة للتزلج). يتعلق الأمر بفضاء محدد للغاية. على الشاطئ، أعطي ظهري للبحر، وأفضّل أن أذهب لألتقط الأصداف. في الحقيقة، نعم، أحب الأشياء الصغيرة؛ تلك التي يمكن إمساكها براحة اليد.

لأنّه يمكننا استعراض هذه الأشياء الصغيرة كما في رواية «متحف الصمت»؟ هذا المتحف الغريب الذي يرمي الى عرض مجموعة من المقتنيات التي يروي كلّ منها، أو بالأحرى يختصر حياة شخص راحل؟
- ليس بالضرورة من أجل تجميع المقتنيات. لكن يصح القول إنّه يمكننا أن نرى الكثير من الأشياء في قطعة صغيرة، إن توفر لنا قدر عال من الانتباه. في صغري، كان لدي ميكروسكوب، وكنت أقضي الساعات في مشاهدة ساق عشبة، أو حجر، بكل ما أوتيت هذه الأشياء الصغيرة من تفاصيل. بعض الروائيين لهم رؤية أكثر اتساعاً للعالم: إنهم ينصبون لوحات تحاكي بشكل كبير العصر الذي يعيشون فيه. الأمر بالنسبة لي هو نقيض ذلك، فلدي رؤية ميكروسكوبية للأشياء. أنا أشبه بقصير النظر، وأجدني بحاجة لأن أحدّق من مسافة قريبة، لمدة طويلة، لأرى بشكل جيد. هذه هي المادة التي أستخدمها في رواياتي.

هذا يعني أن شخصياتك تشبه الأجسام التي تبصرينها عبر عدسة الميكروسكوب؟
- إني أبصرها نعم، وباهتمام، لكني لا أشعر البتة بأني الإله المحرك لهذه الشخصيات. ليست بالدمى التي أحرك خيوطها بنفسي. إن الأبطال يعيشون حيواتهم بالكامل. أتنحى جانباً وأكتفي بأن أراقبهم. لست سوى ميكروسكوب، ولنقل أيضاً بأني مسجّل صغير للغاية. أحاول ألا أتدخل. الأمر صعب، ويجب مقاومة نزعة التحكم بالشخصيات. لكن حين نتنحى جانباً وبشكل خفي، فإن الشخصيات تحتفظ بكامل حريتها وتفلت منكم لحسن الحظ. في المشهد داخل الكتاب حيث ترقص أوبال، تفاجَأتُ كثيراً حين قرَّرَت في النهاية مغادرة المنزل.

هل يمكننا القول بأن شخصياتك أشبه بالأشباح التي تطاردك؟
- هل هم أشباح فعلاً؟ لست أدري. الأشباح، تطاردنا في قلب مساكننا. إن شخصياتي تتموضع في زمان - مكان مختلف. وأنا أسافر ما بين الاثنين. حين أكتب، يخيّل لي بأني أسافر في بلاد الموتى، وبأنّي أذهب لاستحضار كلماتهم. الأمر بغاية الصعوبة، لأنه يجب اصغاء السمع جيداً لفهم لغة الموتى.

ما الذي أعطاك فكرة «لقطات العنبر»، هؤلاء الأطفال الثلاثة الذين يعيشون العزلة في مسكنهم؟
-لقد تأثرت كثيراً بقراءة يوميات آنا فرانك. كانت هذه نقطة الانطلاق بالنسبة لي. كان يهمني رواية الحَبس. وما ينبثق من الحبس. الخيال، السحر، الفرار. يبدو لي أنه في مكان ضيق، مغارة، كهف، نحن مجبرون على أن نُستَنفر وأن ننتبه لأدنى تفصيل، أن نحدق فيه مطولاً. هذه المسألة بالنسبة لي كانت بداية الرواية. لقد تأثرت أيضاً بكتاب للرسوم التي تتوالى بترتيب معين (flipbook) ومن خلاله انبثقت فكرت الموسوعة التي يتصفحها الأطفال، حيث سيجدون فيها أسماءهم الجديدة، وحيث يعود شبح أختهم الصغيرة الميتة. لقد وضعت كتاب الرسوم هذا في «دفتر البذار» خاصتي.

ماذا يعني «دفتر البذار» تحديداً؟
- ها هنا أحفظ كل بذور كتابتي. إنه دفتر بغاية الروعة حيث أعلّق الكثير من قصاصات الملاحظات. هناك حوارات كنت قد سمعتها، في الشارع أو في مكان آخر. مقالات كنت قد قرأتها. إنا أشبه بالبستاني، أنتظر أن ينبت البذار. يوماً ما، أحدها سيثمر ويمكنني عندها أن أغوص في رواية أو في قصة قصيرة.

وما هي «البذرة» الأخيرة التي علّقتها في الدفتر؟
- مقالة من «ناشونال جيوغرافيك» تتحدث عن دموع السلاحف. يبدو أنه بسبب الملح، تأتي الفراشات لتشربها؛ تتغذى الفراشات من الدموع. وهي، أي السلاحف، تسمح للفراشات بأن تحط هنا، بالقرب من عينيها. هكذا نرى إن كانت الدموع تفضي إلى شيء ما...

بالتأكيد. هناك دائماً قصص للعيون في رواياتك. بؤبؤ، قرنية، مدارات المآقي...
- آه، هذا صحيح. نحن نعود للنقطة ذاتها. العين قطعة صغيرة بحواف محددة. وبشكل غريب، هذه الأشياء الصغيرة، كالعين، والأذن، تهزني بشدة.

* المرجع: مجلة «لو نوفيل اوبسيرفاتور» الفرنسية ــــ عدد أبريل (نيسان) 2018