«اللغة هي عربة فارغة لا يمكنها أن تتحرك إلا إذا كانت محملة. لا يكفي أن تكتب حتى يحصل الشعر. بعدما نستنبط حجر اللغة، علينا أن نهذبه لئلا يتحول إلى صخرة منسية من صخور الكلام. الشعر عندي نوع من أنواع اللعب. إيثاكا دائماً معي أينما رحلت، والعودة تبقى مستحيلة لأن الاغتراب الأصلي هو في القلب». هكذا يعرّف بسام منصور (١٩٥٦) الشعر وعلاقته باللغة، راسماً معالم رحلة أوليس اللبناني الشعرية من بيروت عشية حصار تل الزعتر إلى باريس والعودة بالاتجاه المعاكس بمجموعة شعرية ثالثة بعنوان «يكفي أن تعبر الليل» (دار النهضة العربية ــ ٢٠١٨)، بعد مجموعتين يتيمتين («وجاء أنه»/ ١٩٨٦ ــــ «الفصول السبعة»/ ٢٠٠٢).

اليوم صدقت نبوءة غادة السمان «لا بحر في بيروت»

الشاعر الذي يكتب قصيدة نثر متفردة بلغة مكثفة ومقاربة داخلية وتأملية للعالم، ينتمي الى جيل قد يكون «رقم سجله» الشعري قد ضاع عشية الحرب الأهلية، حيث اختفى الفردي والخاص لمصلحة الجماعي والعام وشعر القضايا، يمينية كانت أم يسارية. يخص بسام منصور ملحق «كلمات» بمقابلة شاملة حول الشعر والأجيال والغربة وبيروت الزمن الجميل.

عدتَ «شعرياً» الى بيروت بعد غياب طويل بمجموعة «يكفي أن تعبر الليل»، هل هي عودة أوليس إلى إيثاكا؟ أو أنه كما يقول أدونيس «لا أنت أنت ولا الطريق طريق؟»، صف لنا هذه العودة.
- لا أعتقد أن الوصف بالعودة يمكن أن يكون وصفاً صحيحاً لأنه يفترض أنني هجرت الشعر وعدت إليه، وهذا أمر لم يحصل. طريقتي بالكتابة والنشر مختلفة عما هو شائع. الشعر عندي ليس علفاً عجيباً لكائن خرافي علينا أن نمده دائماً بالغذاء لئلا ينقض علينا فيفترسنا... إنني أكتب لأشعر بالسعادة. اللغة هي عربة فارغة لا يمكنها أن تتحرك إلا إذا كانت محملة. لا يكفي أن تكتب حتى يحصل الشعر. بعدما نستنبط حجر اللغة، علينا أن نهذبه لئلا يتحول إلى صخرة منسية من صخور الكلام...
وإن كانت تجربتي تظهر كانقطاع وعودة، فإنني فعلاً لم أنقطع عن الشعر والكتابة، لكنني دائماً مأخوذ بالإحساس بالعبث وعدم جدوى الأشياء. اللاجدوى، أراها في كل مكان وفي كل الأشياء حتى في الحياة نفسها، وأتمنى دائماً أن أكون على خطأ. ولكن ممارسة فن الكلام تستهويني منذ طفولتي، والشعر عندي نوع من أنواع اللعب. إيثاكا دائماً معي أينما رحلت والعودة تبقى مستحيلة لأن الاغتراب الأصلي هو في القلب.

تنتمي إلى جيل شعري أتى مباشرة بعد جيل الرواد أمثال أنسي الحاج وأدونيس ووديع سعادة. جيل ضم كوكبة من الشعراء كعبده وازن وعيسى مخلوف والياس حنا الياس الذي كتب مجموعة بين اثنتين، واشتد عوده الشعري في نهاية السبعينيات مع بروز ظاهرة شعراء الجنوب ممن كتبوا للنضال والمقاومة. هل تعتبر بأن جيلكم الشعري قد ضاع ما بين جيلين؟ هل هو جيل بـ «سِجلّ شعري» ضاع عشية الاجتياح؟
- ما يمكن أن نتحدث عنه كأجيال متلاحقة أو متعاقبة هو جيل واحد لم يكتمل بعد... بتجارب متداخلة هنا ومتباينة هناك. أو متداخلة ومتباينة في آن. إن الحرب الأهلية اللبنانية قصفت أعمارنا فجأة ولم يعد أمامنا إلا مشروع واحد هو أن ننجو بأنفسنا. أنا ابتعدت عن الشعر بالمعنى الخطابي والسياسي المباشر. كان الشعر بالنسبة إليّ مثل غرفة نومي، المكان الحميم الذي يشاركني فيه من أفتح له قلبي... علماً أنني كنت مناضلاً ميدانياً بكل معنى الكلمة، ومسحوراً بقضية فلسطين والعمل الفدائي. الجنوب اللبناني عرفته بقراه وحاراته وبساتينه، وليس عبر شعرائه مع محبتي لهم جميعاً، وأخص بالذكر الفارس الراحل محمد العبدالله... وأحببت قرية الخيام حباً كبيراً قبل أن أعرفها. فقد ولد فيها أخوتي الثلاثة الأوائل. وكانت أمي تحدثنا عن جمال الخيام وسهل مرجعيون، والجيران فيها، لأنّ أبي كان في الجيش وخدم فترة في الجنوب، وكانت الأسرة مقيمة في الخيام قبل أن أولد بزمان... أنا أعتبر أن الحرب اللبنانية هي التي أضاعت سجلنا وليس الاجتياح، عام 1982... هذه الحرب دمرت الحلم ببناء دولة حديثة، دولة المواطن. وكان تأثيرها مدمراً في المنطقة ككل. عند اللبنانيين، أنتجت الطائف وعند الفلسطينيين أنجبت أوسلو... إن جيلنا مثل الأطفال الذين يلعبون فوق تلال القمامة ويتنشقون السرطان.

في موازاة الشعر الوطني والنضالي الذي فتحت له الصحف على مصرعيها حينها من «السفير» إلى «النداء»، شكلتم مجموعة تمتلك صوتاً حداثياً تكتب في الملحق الثقافي لجريدة «النهار» وقتها تحت إشراف الشاعر شوقي أبي شقرا. هل كان ذلك نوعاً من التموضع المقصود أو رفعاً للمتاريس الجمالية بين قصيدة تعالج اليومي والهامشي والداخلي، وأخرى تقصد القضايا الكبرى وتشحن الجماهير وتواكب المقاتلين على الجبهات؟
- لا أعتقد أن «السفير» كانت مقفلة أبوابها على الشعر غير السياسي والدليل عباس بيضون، الذي كان مسؤولاً في القسم الثقافي لـ «السفير»، هو صاحب الدور الهام في قصيدة النثر. و«النداء» أيضاً. على الرغم من أنها كانت جريدة الحزب الشيوعي، كانت تنشر نصوصاً إبداعية متنوعة، بإشراف الشاعر الراحل بسام حجار. أعتقد أن خيارات النشر هنا أو هناك، كانت تنبع من المصادفة بأن تتعرف كشاب إلى أناس، يشجعونك على النشر حيث يعملون. أنا كنت أعمل في مجلة «النهار العربي والدولي»، التي كانت نوعاً من الامتداد لجريدة «النهار» وكان طبيعياً أن أنشر في المكانين. وكما سبق أن قلت لك، إنّ شعري حميمي جداً وكنت دائماً أشعر أنه حديقتي الخاصة... وبصراحة، ومن معرفتي بالجبهات والمواجهة العسكرية، حين تكون المعركة حامية، لا يفكر أحد بالشعر...
ما استهواني في فكر أنطون سعادة: فلسطين، المساواة، فصل الدين عن الدولة وبناء الإنسان الجديد


لا بد من أن ننوه بالحيّز الهام الذي كانت تعطيه هذه المؤسسات الإعلامية وقتها للثقافة. في «النهار العربي والدولي»، بإشراف الراحل جبران تويني مثلاً، كان القسم الثقافي يضم ثمانية محررين دائمين، من بينهم محمد العبدالله، هاشم قاسم، وديع سعادة، الياس حنا الياس وأنا، ناهيك عن المتعاونين الكثر من خارج الطاقم... وكنت تجد ما يشابه ذلك في «السفير» و«النهار» وغيرهما... كانت الثقافة تحدياً موجوداً دائماً عند أصحاب المؤسسات الصحافية. أذكر قبل الحرب، كانت هناك مجلة اسمها «الأسبوع العربي»، يكتب فيها أسبوعياً نزار قباني وغادة السمان وغيرهما.

لم يجذبك اليمين اللبناني بطروحاته الثقافية واللغوية وحتى تشكُّل جبهة عريضة أيضاً ممن كتبوا في «النهار» وقتها بوجه الجبهة الأخرى التي كانت تناصر اليسار والقضية الفلسطينية. جذبك الفكر السوري القومي الاجتماعي، وفلسطين حاضرة دوماً في مزاجك ووجدانك وانت متأهل من فلسطينية. هل تضر السياسة بالشعر؟ وهل ضروري أن يمتلك الشاعر موقفاً سياسياً، في قضية فلسطين وغيرها؟
- أنا لا أحب السياسة بالمعنى الشائع. أنا مناضل ومولع بالنضال... ما يهمني أن أتضامن مع الضعيف والمهان والمقهور والمقموع. هذه كلها موجودة في مجتمعنا بأقبح وجوهها منذ زمن بعيد. ولو حصل في أي مجتمع آخر في العالم شيء يشبه قضية فلسطين، لكان انتفض هذا المجتمع في وقفة واحدة حتى تحقيق العدالة والقضاء على الظلم. لكننا في بلادنا نعتبر هذا الأمر وجهة نظر مثل غيره. إنني بصدد قراءة كتاب عنوانه «المتاهة اللبنانية» وضعه صحافي إسرائيلي يدعى رؤوفين أرنيخ ونشر بالعربية في لبنان. يتناول الكتاب ــ معتمداً على الوثائق والتقارير الصهيونية ثم الإسرائيلية ـــ المحاولات الدؤوبة للحركة الصهيونية ولإسرائيل بإنشاء علاقات مع مختلف الأطراف اللبنانية منذ عام 1918 حتى عام 1958. لا يمكن أن نعتبر هذا الكتاب تاريخياً لأنه ينشر وثائق إسرائيلية. والمعيب في هذا الكتاب أنه يفضح معظم السياسيين التقليديين اللبنانيين، في حينها، وكيف كانوا يتعاطون مع مسألة اغتصاب فلسطين على أنها شيء لا أهمية له، والمهم بالنسبة إليهم شيء واحد هو الكسب الشخصي الذي يمكن أن يحققوه من هذه العملية.
إن فكر أنطون سعاده هو نقيض لكل هؤلاء، المستعدين لأن يمتطوا كل شيء من أجل مآربهم الشخصية، والمصلحة العامة هي مصلحتهم الخاصة، والنمو الاقتصادي هو نمو حساباتهم المصرفية، والبناء هو بناء قصورهم والطوائف ليست إلا مطية لمصالحهم الشخصية الضيقة. ما استهواني في فكر أنطون سعاده يمكن أن يلخص بكلمات بسيطة: فلسطين، المساواة، فصل الدين عن الدولة وبناء الإنسان الجديد... وهذه لا علاقة لها بالسياسة الشائعة على الإطلاق في بلادنا.

رحلت إلى باريس عشية الاجتياح، هل تأثرت كتابتك بباريس بحيث صار فيها شيء من اللغة الأجنبية كما يقول بروست عن كل كتابة جيدة، شيء من التغرب الحقيقي الذي نشعر فيه بأن اللغة تنسلخ عن نفسها، أم أنك أخذت بيروت معك إلى باريس لتكتبها في منفى يكاد يكون شرطاً وجودياً للشعراء؟
- أنا سافرت عام 1976، في شهر تموز (يوليو) خلال حصار مخيم تل الزعتر والنبعة. يومها، لم تعد إقامتي في لبنان ممكنة. قررت السفر لبعض الوقت. وفي باريس، كنت أعمل وأتابع تحصيلي العلمي. حاولت أن أعود وأستقر في لبنان لفترة وجيزة متقطعة، لكن الاجتياح جاء ليضع حداً نهائياً لهذه الرغبة. في الفترة الأولى، كان الشعور بالاغتراب مريراً وقاسياً. بعد ذلك أصبحت الغربة عادة... وأعتقد أن المرء مغترب مؤبد. إن أول عملية اغتراب التي يواجهها المرء هي عند خروجه من أحشاء أمه إلى العالم. والآن أعتبر نفسي محظوظاً حين أراقب الحالة الاجتماعية في مختلف الدول العربية. أشعر أن المواطن العربي مغترب في وطنه أكثر من المغترب الفعلي في الخارج.

هناك مجموعة من الشعراء والروائيين اللبنانيين والعرب، ممن وصلوا الى باريس منذ وقت طويل واستقروا فيها أمثال صلاح ستيتية وفينوس خوري غاتا، وأمين معلوف وكتبوا بلغة موليير واندمجوا كلياً في الوسط الثقافي الفرنسي وشكلوا نوعاً من القطيعة التامة مع الرحم الثقافي الأول، وآخرون ذهبوا إلى السوريالية واختبار الحرية في مداها الأقصى في الكتابة كالشاعر العراقي عبد القادر الجنابي. كيف تصنف نفسك شعرياً وأدبياً اليوم؟ هل أنت «خارج المكان» في بيروت وفي باريس؟
- لم تستهوني الكتابة بالفرنسية. إنها ليست لغة الإبداع المفضلة بالنسبة إليّ، وإن كنت في حياتي العملية أتحدث بالفرنسية أكثر من العربية. هل يمكنني أن أقول إنني أكتب خارج المكان؟ لا أعتقد ذلك، ولكن المكان لم يعد ضيقاً، أصبح رحباً ومتعدداً وشاملاً. بيروت بالنسبة إلي هي «أم العواصم»، مهما حاولوا أن يبشعوها بنهمهم وعبوديتهم للمال، والعربية «أم اللغات».

«ليت لهذا النهر المفتون أن يفيض إلى الخلف/ يطفئ محارق البارحة». تقول في إحدى قصائد المجموعة الأخيرة. عرفتَ بيروت التي كانت مدينة النور المشرقية بشعرائها ومسارحها وصحفها ومطابعها في ذلك الزمن الذهبي. أمنيتك بعودة النهر الي الخلف نوع من حنين شخصي أم يمكن اعتبارها مرثية لذلك الزمن، مقابل حاضر هزيل ضاقت به المدينة بالشعر والثقافة والفنون؟
- أحب شيء إلى قلبي أن نكون قادرين على تصحيح أخطاء الماضي، لا أن نرمم الحاضر بل أن نقضي على الجريمة التي حصلت في الماضي. كأن نعود إلى عام 1945 ونمحو قنبلة هيروشيما. تصور أن تستيقظ غداً وتقرأ في الصحف أن التفجير النووي في هيروشيما لم يحصل. أو أن النكبة لم تحصل. طبعاً، هذه هلوسة. وبقدر ما هي هلوسة هي جزء من الحلم الذي هو الحجر الأساس للشعر.

لنستعد تجربتك الشعرية منذ بداياتها. هل يمكن أن ترسم خطاً بيانياً لتطور التجربة وإضاءة آفاقها للقارئ الذي يتعرف إلى بسام منصور من جديد؟ ماذا تغير في الديوان الأخير عن سابقَيه؟
- لا أعرف كيف أجيبك عن هذا السؤال، لأن موقفي من كتاباتي الإبداعية موقف متطير. أخاف الكتابة الإبداعية وأشعر أنها تحدٍّ غير مجد. لكنني أكتب حتى أمحو الكآبة كمن يسبح أو يركض أو يقوم بأعمال رياضية في الوقت الذي يتحرك جسمه ينقى ذهنه. حين أكتب نصاً جديداً، لا أشعر أنه انتهى بل هو بداية لمعركة القضاء على الزوائد في هذا النص. أذكر مرة أنني كتبت ما يقارب العشر صفحات لتستقر بعد ذلك عند سطرين. ربما في التجربة الأخيرة، تقنية الاختصار تبلورت أكثر وصارت أكثر مهارة.

تكتب قصيدة نثر تعتمد على الإيقاع الداخلي بلغة مكثفة وتقارب العالم من منظار يمتزج فيه الأرضي بالميتافيزيقي، ودون استناد إلى تراث طال السجال حول ضرورة أن يكون في خلفية القصيدة الكاملة أم يجب تجاوزه. أين هي قصيدة النثر في لحظتنا هذه؟ أدونيس وأنسي الحاج حين نظّرا لها استناداً إلى نظرية سوزان برنار الشهيرة، أحدهما أعلن على صفحات «الأخبار» أنه كمن أطلق أفاعي الحداثة من صندوق باندورا، والآخر أعاد النظر في كثير من الطروحات حولها نظراً إلى ضيق أفقنا المعرفي والنقدي. هل قصيدة النثر هي الابنة غير الشرعية للشعر العربي؟ وأين هي اليوم؟
- في الحقيقة، إن قصيدة النثر العربية سبقت أنسي الحاج وأدونيس ومحمد الماغوط. إن أمين الريحاني كان تاريخياً أول من كتب شعراً نثرياً في مجموعته «هتاف الأودية»، وسماها «مجموعة أشعار منثورة» عام 1910. وكان من ناحية الشكل متأثراً بكتابات الشاعر الأميركي والت ويتمان. هناك تجارب جبران خليل جبران الذي كتب نصوصاً نثرية حافلة بالشعر. وبرأيي إنّ جبران كان شاعراً في نثره أكثر مما كان شاعراً في «المواكب». وكذلك نصوص فؤاد سليمان وخصوصاً في كتاب «درب القمر». وكيف يمكن أن ننسى نصوص أمين نخلة، في «المفكرة الريفية»، وأورخان ميسر في «سريال»؟ بالطبع إن أنسي الحاج وأدونيس ومحمد الماغوط بلوروا شخصية هذه القصيدة وزادوا من فرادتها. وجاءت بعد ذلك تجارب سركون بولص وبول شاوول وعباس بيضون ووديع سعادة ومحمد العبدالله وغيرهم لتصبح قصيدة النثر هي الولد الشرعي للحداثة.
وأنا اختياري لهذا النوع من الكتابة، جاء على أساس أنه الملعب الوحيد الذي يتيح لمخيلتي أن تخرج من عقال الوقت والمكان... وما كان علي إلا أن ألجم جموح هذه المخيلة حتى أتمكن من مطيها.

حساسيتك الشعرية بمن تأثرت من الشعراء؟ عرفت بيروت مجموعة من الشعراء السوريين القوميين منهم كمال خير بك الذي رحل في الحرب الأهلية وهو من جيلك الشعري تقريباً. هل مارستم نوعاً من «قتل الأب» مع الجيل القديم أم أنكم بدأتم من حيث انتهى هذا الجيل؟
- لا، لست من جيل الشاعر المغدور كمال خير بك. إنه ينتمي إلى جيل أدونيس والماغوط وأنسي الحاج. وشارك في مجلة «شعر»، وإن لم يكن ينسجم كثيراً مع طروحات يوسف الخال... ولا أعرف إذا كانت الفكرة الفرويدية، بقتل الأب، تنطبق عليّ أو لا، لكنني أقول إنني مولود ثقافي للغة العربية النادرة. إن ندرة اللغة العربية تجعلنا متنوعين ولو أردنا غير ذلك. هذه اللغة محيط دائم التجديد في التجارب. هل نعرف كم عدد الناطقين بالعربية يوم نزل القرآن الكريم؟ لم يكن يتعدى المئات المحدودة. وانظر إلى عددهم اليوم. إنه أمر يصيب بالذهول. لو لم تكن العربية لغة التجدد، لانقرضت منذ أيام العثمانيين.

في باريس تحديداً، نشأت مدارس شعرية وفنية كالدادائية والرمزية والسوريالية، واليوم تنشط أشكال لا حصر لها من الشعر التصويري والحركي والممزوج بالفنون الأخرى. هل الشعر بخير في الغرب وفي سياق نموه الطبيعي، وهو مشوه ومبتور في العالم الثالث عموماً وفي العالم العربي تحديداً؟
- الشعر دائماً بخير طالما أننا لا نعول على أن نعيش منه... وأعتقد أن مكانة الشعر عند العرب مكانة جيدة وعلى مر الزمان. ليس بالضرورة أن تكون تجاربنا شبيهة بالتجارب الغربية. وعندي وعي بأن العربية هي لغة الشعر بامتياز.

القصيدة الأطول في ديوانك بعنوان «الخالد الوحيد في جهنم»، مهداة الى أنسي الحاج. هل جحيم الشاعر أجمل من جنة الآخرين؟ وهل القصيدة موجهة لأنسي كأيقونة ومعلم؟
في الحقيقة، هي مجموعة داخل المجموعة. «الخالد الوحيد في جهنم» مجموعة أخرى داخل «يكفي أن تعبر الليل» وفيها محاكاة صريحة للحياة والموت وجدوى الوجود. والجحيم ليس جميلاً على الإطلاق، وربما يرافق الشاعر لفرط إحساسه بقسوة الأشياء. يكفي أن تتذكر ألف مرة في اليوم بأنك ستموت يوماً. هل هناك جحيم آخر؟ وهناك مجموعة ثانية داخل المجموعة وهي «المحاولات العشر»، مجموعة ناقصة، فيها عشر محاولات فاشلة في كتابة القصيدة. أنسي الحاج كان صديقاً عزيزاً وشاعراً ثائراً.

حياة المسيح ساحرة، ونصوص القرآن أروع خزانة لغوية في الكون

فقد عرفته يوم كنت مراهقاً وهو متربع على عرش الشعر والثقافة في بيروت، ثم التقيت به في باريس، فبيروت. كان دائماً هو نفسه الشاعر الخلاق والإنسان الراقي والنديم اللطيف. أهداني في لندن كتابه «كلمات» في أجزائه الثلاثة، وكتب لي في نهاية إهدائه «مع محبتي وإعجابي بطفولته الدائمة»... ما كان ممكناً أن أتفق معه كل الوقت وما كان ممكناً أن أزعل منه ولو لمرة واحدة.

«خذ الشعر بقوة»، الطريق مفتوحة حتى السماء، لم أمت يوماً مصلوباً، احالات ميتافيزيقية ودينية في عناوين قصائدك، هل يضغط الدين جمالياً ولغوياً ومعرفياً على كل نص معرفي ولغوي؟
- عندي تعلق بالدين بالمعنى الثقافي والإبداعي والرمزي أحياناً لا بالمعنى الإيماني الصرف. لقد نشأت في بيئة متعددة الطوائف والأديان. وكنت وأترابي لا يعرف واحدنا دين الآخر ولم نكن نسأل عن ذلك. كنا صحباً فقط بيننا المسيحي والسني والشيعي والأرمني وغير ذلك. لذلك تمكنت من التعرف إلى الجوانب الإبداعية عند كل دين. حياة السيد المسيح حياة ساحرة بقصصها وعوالمها وحكمها ودروسها. ونصوص القرآن الكريم أروع خزانة لغوية إبداعية في الكون. وحين تبادرني هذه الحالة أو تلك الاستدارة، فإنني أحاول بكل حب أن أضعها في السياق الإبداعي الشعري.

لو كان لك أن تختار زاوية رحلت من بيروت التي عرفتها قبل سفرك، وذكرى، ماذا ستكون؟
- منطقة الجناح المعروفة بالأوزاعي. هذه المنطقة قبل الحرب كانت أجمل شاطئ في لبنان على الإطلاق. كانت ملعبي الصيفي الدائم. الشاطئ لم أكن أعرفه إلا هناك. حتى أنني كنت أسبح في الشتاء. يكفي أن تكون الشمس ساطعة.
لا أقول هذا لأوجه تهمة إلى ساكنيها اليوم من فقراء لبنان على الإطلاق. لا بل أعتبر أنهم بسكناهم في هذه المنطقة حموها من غابات الباطون المسلح التي طغت على بيروت وأفقدتها روحها... حتى أنهم آخذون بمصادرة الرملة البيضاء. اليوم صدقت نبوءة غادة السمان «لا بحر في بيروت».
أقول، وأخالف كل ما يشاع حول هذا الموضوع، إن شاطئ الأوزاعي اليوم هو الشاطئ الإنساني الوحيد في لبنان لأن تماسيح المال لم يتمكنوا من وضع يدهم عليه. ويحق للفقراء أن يسكنوا قرب البحر وإن كانت مساكنهم غير فخمة.