صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر

ترجمة: أحمد عبد اللطيف
لا. المرة الأولى كانت في حانة بتقاطع سان مارتين مع بيامونتي. قدّمه لي لوكاس وحين رأيته، نحيفاً يرتدي البني ومبتسماً، بدا لي فارساً كاملاً.
كان هو في بوينوس آيرس منذ عام 52. جاء ليدرس لكنه ترك الدراسة «لأن النقود في هذا البلد، يا عجوز، يجب أن تتشممها في مكان آخر». أنا في الصف الثاني لدراسة العمارة، ولأن ظروفي لم تكن على ما يرام، كان يقول لي: «ارحل، لا تكن أحمق، فهكذا لن تفعل هنا إلا تضييع الوقت. إن قلت لك ارحل، فلأننا خلال عامين سنمتلئ بالذهب». وأنا بقيتُ. لأني أريد أن أقابل نفسي، هل تعرف؟
كان سانتياغو يعيش في غرفة بالقرب من كونستيتوثيون، بشرفة تطل على الميدان. أحياناً كنا نخرج معاً، لتناول كأس، للعب البلياردو أو لنرقص؛ في البداية لم أنتبه، لكنه كان دائماً في وضع المدافع مع النساء. «مع النساء يجب أن تكون حذراً. إنهن أخطر ما في بوينوس آيرس. على المرء أن يكون متماسكاً، آمناً. لأنك لو لم تفعل، حين تود أن تتذكر، سيتركونك في الطريق، في طريق... يجب أن تفهم يا بيبي»، عبارة كان يكررها عليّ دائماً (لأنه كان واحداً من هؤلاء الذين يعيدون ويكررون الأشياء. يحكون ما حكوه عدة مرات، دائماً بنفس الطريقة، كأنهم نسوا أنهم حكوه أو ربما ظنوا أنهم حكوه لآخر. كان يقول لي «يجب أن تفهم أن المسألة ألا يكون أحد فوقك. يأمرك. يأمر في المرء يا بيبي. إن أمرت، إن فعلت ما يحلو لك، إن كنت حراً، فعاجلاً أو آجلاً ستصل إلى ما تريد. إلى حيث تريد. هذا البلد يمنح كل شيء». وكان يكرر ذلك كدرس.
دائماً ما كان يحكي لي أنه حين جاء من ميسيونس كان بائساً. «جئت بما أرتديه وها أنا هنا. ها أنا أمامك»، كان يقول ويعدل ربطة عنقه أو يمرر يده على شعره. «وأنت ماذا تظن؟ أن الأمر كان سهلاً؟... وأنا تفاعلت في الحال. حضراتكم، أبناء بوينوس آيرس، تعتقدون أنفسكم أحياءً جداً لكنكم في العمق مجرد سذّج واتاهم الحظ. مثل هؤلاء الذين فازوا باليانصيب، هل رأيتهم في الجريدة؟ بوجوه الحمقى المبتسمة وورقة اليانصيب والشامبانيا والأصدقاء. ثم يغدون بعد ذلك الأثرياء الجدد ويقودون كل شيء بينما الناس ينصبون عليهم. وهكذا، هل فهمت؟»، كان يقول لي.
كان هو وحيداً في بوينوس آيرس. لم يكن لديه أحد، أو على الأقل أنا لم أعرفه مع أحد وعن العائلة لم يتحدث قط.
كان يحكي: «عندما وصلت. عندما وصلت، كما قلت لك، كنت بائساً. رأساً بائساً. وكنت أخاف من كل شيء، هل تعرف: من المترو، من عبور شارع دياجونال، من السؤال عن الشوارع، من كل شيء. لكني أمسكت بيد بوينوس آيرس. بدأت حمّالاً في شارع كونستيتوثيون بخمسة بيزو للحقيبة وحينئذ اندمجت...» وكان يحكي ذلك كأنه يعلمني، «هل تعرف؟ لأتعلم أنا. لكي أترك مكتب الاستعلامات بوكالة العقارات بالجنوب إس إيه. لكي أترك ذلك، لأنهم كانوا بؤساء، ولكي أرحل مرة واحدة، لنمتلئ بالذهب في عامين. إنه مكسب مضمون يا بيبي...».
الحقيقة أني لا أستطيع أن أقول الكثير. لقد حكى لي أنه حين وصل راح ليعيش في شارع «لابوكا» مع رجل من «سانتا في» يعزف البيانو. وعندما سقط بيرون اعتقلوه تقريباً وهناك تعرف إلى الفرنسي، «الذي يعيش الآن في أوروبا، يعيش مثل دوق، مثل دوق، هل تعرف لماذا؟ لأنه رجل حي ويعرف من أين تؤكل الكتف. لأنه في أوروبا ولأنه سيد».
وأنا في العمق دوماً ما أعجبني سانتياغو سانتوس. إنه من هؤلاء الرجال الذين يعرفون جيداً ماذا يريدون. دائماً جاهز ومشغول بشيء. صارم ومحدد. لذلك، فما حدث بالأمس يبدو أكذوبة. إنه مثل حلم. لا أعرف كيف حدث. لا أعرف. كان يقول لي: «أنت أحمق جداً، تصدق أشياءً كثيرة. يبدو أنك فخور بنفسك، بكل هذه الجولات التي قمت بها. جولات مرفه. على من ستفوز بهذه الطريقة؟ هنا مثل الملاكمة، هل رأيت الملاكمة؟ أن تغطي وجهك وتضرب، أن تغطي وجهك وتضرب. كل ما عدا ذلك باليه. وأنت، هل تعرف كيف يبدو راقص باليه بجانب ملاكم؟».
راقص باليه بجانب ملاكم... كان مثل رجل لا يمكن هزيمته، هل تعرف؟ إنه أحد هؤلاء الرجال المحددين، الذين يفوزون، دائماً يفوزون... «ارحل»، قال لي عندما سقطتُ في مادة التحليل. «ارحل، لا تكن أحمق فقد نجحت المسألة مع البرازيليين. أنت تعرف أننا نتحرك بالمجوهرات. إهداء حصري. وخلال عام نتنزه في أوروبا». إهداء خاص، هل تعرف؟ نصف بلد متورط. إنها مسألة كبيرة جداً حد أن المرء لا يعرف هل هي عملية شرعية أم لا، بكل هؤلاء المتورطين فيها. حضرتك تروح إلى البنك وتقول: «من طرف خيراردو»، ومع السلامة، يرتجف حتى المدير. إنها نفس عملية العملة الأجنبية، لكنها أكثر أمناً... لذلك رحلتُ... إهداء حصري، ماذا أعرف أنا. فالمرء يصيبه الدوار عند رؤية نقود مهولة...
ومشينا في هذه المسألة، فحسب. على الأقل بالنسبة لي. بعد ذلك، بالأمس بالذات، كل شيء انهار...
لقد قلت له إنه يقتله أن يكون لي خطيبة. بالنسبة له، كان ذلك آخر ما يتبقى لديّ من راقص الباليه. «في النهاية تخسر بسبب النساء، أنت لست حراً. بالإضافة لذلك لن تشعر أبداً بالسكينة». لكن ذلك محض فيلم فرنسي عن التانغو، كنت أقول له. هذا يحدث مع النساء السيئات، نساء شارع ديسثيبولو. أما خطيبتي، يا عجوز، فتعيش في أدروجيه، وأبوها طبيب. وهي تدرس علم النفس. إنها ليست إحدى قحاب التانغو. نحن في عام 1962... وبالنسبة لي، فـآنا، خطيبتي، كانت نوعاً من الجسر، هل تعرف؟ أمان. الأمان في أني في أي لحظة عندما أريد أستطيع أن أرحل. لقد بدأت الدراسة من جديد، ثم أتزوج ومع السلامة. كانت مثل البرهنة على الاختلاف، كانت بقيتي. كأني لم أكن قد لعبت كل شيء. والآن فحسب أنتبه، انظر، كانت مثل اللعب مع الفخ، على ثقة بالفوز. «أنت تصب الماء للخلف يا بيبي. لن تصل أبداً إلى شيء»، كان يقول لي. وأنا كنت أزور بيت خطيبتي كل أحد كأني أعود إلى النظام، كأني أخرج من السينما، ماذا أعرف أنا.
وبالأمس راح معي إلى أدروجيه. كان ذلك بالغصب قليلاً، أتعرف؟ كأنه قد قرره مسبقاً: أن أجد نفسي بالصدفة في كونستيتوثيون، «كنت أتنزه، أتعرف»، و«برغبة في أن أمشي ساقيّ قليلاً بالجنوب، وأن أتشمس يا بيبي».
وصلنا قبل الغداء، في الحادية عشرة والنصف تقريباً. خطيبتي تعيش على بعد ثلاثة بلوكات من المحطة. في واحد من هذه البلوكات الخماسية الكبيرة والمربعة، بحديقة وحاجز حديدي. وحضرتك ألا تعرف أدروجيه؟... حسناً، وصلنا في الحادية عشرة والنصف، وقدمت لهم سانتياغو كزميل في الكلية. وجلسنا لنتغدى أفضل ما يكون: الأب في طرف المائدة، الأم في الطرف الآخر، آنا بجانبي، وسانتياغو أمامي. كان أمامي. ببدلته الرمادية الفاتحة وقميصه السماوي. وما إن بدأنا نأكل حتى انتبهت أن شيئاً يحدث له. أنه كان مختلفاً. على الأقل لم يكن نفس الرجل. أو أنه لم يكن الرجل الذي أحب أن يكونه.
عندما بدأ في الكلام وأنا نظرت إليه، نظر إليّ كأنه يقول لي: «لا تكن أحمق، يا بيبي، هذا العالم هو عالم الملاكمين». كان يتحدث كأنه يتلو، كأنه يلقي درساً جاء لإلقائه. وفي وسط عبارة لـ دون أنخل، بدأ يقول:
- هكذا لم يخبركم ميجيل بأنه ترك الدراسة؟
كان هذا أول ما سمعته. نظرت إليه ليغمز لي بعين أو يبتسم لي. ليقول إنها مجرد مزحة. لكن لا، واصل، من دون أن ينظر إليّ، كأني غير موجود، وقال إني «سيئ جداً لأنه لم يقل لكم. وربما لم يخبركم كذلك بأنه ترك عمله. لكن كيف ذلك يا ميجيل». هذا ما قاله، هل لاحظت؟ «لكن كيف يا ميجيل؟». كان لديه شيء من الندبة فوق أذنه، نوع من الكرة الصغيرة المدورة والبيضاء. نظرت إليه مبتسماً، كأنها مزحة، وفي الحالة كان سيقول: «أنا أمزح مع ميجيليتو لأنه حدث مع مسألة الادخار من أجل الأثاث، اليوم الآخر...». نظرتُ إليه مبتسماً، كنت متأكداً من أنها مجرد مزحة. ذلك يحدث للمرء، أرأيت؟ عندما يقول شخص واحداً من تلك الأشياء التي من المستحيل قولها، يفكر المرء: «إنه يفتك بي. يتصنع المرح، ألم أقل لك إنه رجل مهرج». عندما نظرت إليه، مبتسماً، كان جاداً. جاداً، مثل آنا التي كانت تنظر إليّ، مثل دونيا لويسا. مثل دون أنخل الذي سأله: «ماذا تقول يا رجل؟ ماذا تقول؟» سأله، هل انتبهت؟ الشيء الوحيد الذي اضطررت لقوله كان: «لا، لا تمزح، لأنه في اليوم الآخر في الكلية حدث أن...». أو أي شيء. لكن لا. قال له: «كنت أسأل إن كان ميجيل قد أخبركم بأنه ترك الدراسة وأنه الآن يفعل شيئاً آخر». وكلهم كانوا ينظرون إليه، هل تعرف؟ وهو كان يبدو مضغوطاً. «من ناحية أخرى في العمل الذي نعمله ليس ضرورياً الدراسة. ماذا تفيد الدراسة في بلد مثل هذا؟ قل لي، بصراحة، هل فادك في شيء أن تكون طبيباً؟ نحن من ثلاث سنوات نتجول في أوروبا ونعيش الحياة العظيمة. نتاجر في المصوغات، يا سيد. في قطع حصرية..».
كان يتحدث ويتحدث.
وكان يقول لي «اخرس يا بيبي، ماذا بك؟ ألا تريد أن تعرف خطيبتك شيئاً عن حياتك «اخرس يا بيبي»، «اخرس يا بيبي» ولا أعرف ماذا كان يحدث لي. الشيء الوحيد الذي كنت أفعله هو قول: «دعني أشرح لك، يا دون أنخل، دعني أشرح لك». هكذا ولا شيء آخر، لو انتبهت. أثناء ذلك، كان يتكلم ويتكلم. يتكلم عن مسألة شاليه فلوريس، عن مسألة الأدوية... كان شيئاً غريباً جداً. غريباً، أتعرف؟ كأنه فجأة بات قادراً على قول أي شيء. أن يضغط برقة على يديّ امرأة قبيحة جداً ويقول لها: «الحقيقة، يا لصعوبة الحياة مع هذا الوجه..». شيء هكذا غريب. مثل مشاهدة فيلم قديم. هذه الدراما الصامتة لبدايات القرن، الحافلة بالإيماءات، حيث يتألم الجميع ويشاهدهم الواحد الآن فتثير ضحكه... كأن ذلك لم يحدث لي... ولا أعرف ماذا قلتُ. ما أتذكره أن أحداً لم يسمعني وأنه كان يستولي عليّ أو لا أعرف ماذا. «اخرس يا بيبي، دعني أكمل». ثم حكى لهم أني كنت أروح لأدروجيه وهكذا كل أحد أتشمس وآكل أفضل طعام؛ وأني «جبان قليلاً، لكني رجل طيب، رجل طيب».. وعن كل شيء تحدث. عن كل ما راق له. حد أنه تحدث أيضاً عن يوم جاء من ميسيونس وعن أن «أهل بوينوس آيرس مجموعة من المعاتيه لكنهم محظوظون، صدقني»، وأن «المسألة مسألة أوامر، يا دون أنخل، مسألة أوامر».
أنا لا أتذكر شيئاً تقريباً، كل شيء يبدو بعيداً جداً، يبدو كغمامة. وأشعر بمعدة مقلوبة وأتذكر أني كنت أشعر بمعدتي مقلوبة كلما نظرت لطبق الرافيولي الذي كان يبرد ويبرد على تلك المائدة، فيما يلتزم الجميع الخرس ويتكلم هو وحده. يبدو حلماً. شيء من الصعب تفسيره... كأنه كوميكس. مثل نكتة طويلة، هل تعرف النكات الطويلة؟ حين يشرع شخص فجأة في حكي حكايات نزقة ويشعر المرء أنه على وشك الضحك. المرء يشعر بالحزن، لكن ثمة رغبة همجية تهاجمه ليضحك. في البداية يقطب المرء جبينه ويحاول مداراة ضحكته، بالمنديل أو بأي شيء، ثم يضحك ويضحك. والجميع ينظر إليه والمرء يضحك ومع الوقت تعلو ضحكته وتعلو...
هكذا، هل فهمتني يا عزيزي المحقق؟

* ريكاردو بيجليا (الأرجنتين 1941- 2017) قاص وروائي وناقد وأكاديمي أرجنتيني، يعتبر أحد أهم الأسماء السردية والنقدية في الأرجنتين منذ الثلث الأخير في القرن الماضي، وكان أكبر سارد في أميركا اللاتينية قبل رحيله بسنوات. له العديد من الأعمال المهمة من بينها «أبيض ليلي»، «تنفس صناعي»، «المدينة الغائبة»، ومجموعة «الغزو»، بالإضافة إلى كتابه النقدي التنظيري «القارئ الأخير».