«هذا حظ جد من المبناة» هذا مثل جاهلي متفق على نصه، متفق على قصته. ويضرب في براءة الساحة والذمة، وفي حزم المرء في تحديد ما له وما عليه. وقصة المثل فيها قدر لا بأس به من الغرابة:

«زعموا أن رجلاً من عاد، كان لبيباً حازماً، يقال له جد. نزل على رجل من عاد وهو مسافر فبات عنده. ووجد عنده أضيافاً قد أكثروا من الطعام والشراب قبله، وإنما طرقهم جد طروقاً، وبات وهو يريد الدلجة من عندهم بليل، ففرش لهم رب البيت مبناة - والمبناة: النطع - فناموا عنده، فسلح بعض القوم الذين كانوا يشربون، فخاف جد أن يدلج، فيظن رب البيت أنه هو فعل، فقطع حظه من النطع الذي نام عليه، ثم دعا رب المنزل حين أراد أن يدلج وقد طواه فقال: هذا حظ جد من المبناة، فأرسلها مثلاً (الضبي، أمثال العرب)».
وقد شاع ذكر «جد» هذا في الشعر. قال مالك بن نويرة:
ولـما أتيتم ما تمـنى عدوكم/ عدلت فراشي عنكم ووسادي
وكنت كجدٍّ حين قـدّ بسهمه/ حـذار اختلاط حظـه بسواد
وقال خراش بن شمير المحاربي:
كما احتاز جدّ حظه من فراشه/ بمبـراته في أمره إذ يـزاوله
هذا هو جوهر القصة ولا زيادة عليه تقريباً. لذا، فالمثل من هذه الناحية سهل ومضبوط: جدّ رجل من قوم عاد، كان في سفر، فبات ليلة عند أناس، وبات معه قوم كانوا قد سبقوه إلى هؤلاء الناس. أكل القوم وشربوا ثم سلحوا، أي أحدثوا، وهم سكارى نائمون، فتلوثت المبناة، أي فرشة الجلد التي ناموا عليها. فما كان من جدّ، الذي أراد يسير ليلاً، إلا أن نهض وقطع القسم النظيف الذي نام عليه من المبناة بسهمه، وأراه لصاحب المنزل كي يثبت أنه ليس مسؤولاً عما جرى قائلاً: هذا حظّ جدّ من المبناة. وهكذا أبرأ ذمته ومضى. والمثل، كما نرى، من الأمثال التي لها قصة «مسمجة»، كما اعتاد بعض المفسرين أن يقولوا عن مثل هذه القصص. فليس لطيفاً أن تعرض قصة قوم سلحوا في فراشهم.

«الحكمة 1» للفنان المصري رضا عبدالرحمن (أكريليك وزيت على كانفاس ــ 200×140 سنتم ــ 2012)

لكننا نعتقد أن السماجة مجرد غطاء، أو مجرد لعبة تخفي المعنى الأصلي للمثل. فالمثل يصوغ أسطورته الدينية على شكل لغز لغوي. لغز يلعب على المعاني المختلفة للكلمات المركزية في القصة. وإن لم ندرك اللغز، فسوف يفوتنا المعنى، لنعلق عند المستوى الظاهري للقصة الأسطورية، أي عند معنى الإحداث على الفراش. ولفهم هذا اللغز، يجب الإشارة إلى أن «جد» إله عربي قديم، ورد ذكره في نقوش كثيرة جداً في الجزيرة العربية بصيغ عدة: «وكان جد الجد صنماً معروفاً عند عدد من الشعوب السامية»، و«استعمل الصفويون «جد عوض» اسماً لإله، كما استعملوا اسماء آخر قريباً منه هو «جد ضيف» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام). كذلك، ورد اسم «جد نعر» في نقوش أخرى. ونحن نعتقد أن المثل يتحدث عن هذا الإله، ويمثله كرجل.
وسر قصة المثل يكمن في اللعب على المعاني المختلفة لكلمتي: «سلح» و«مبناة». وهذا اللعب ينصب لك مصيدة. فإذا أخذت المعنى الأقرب للكلمات، فسوف تفترض أن المثل قصة سمجة. أما إذا انتبهت إلى المعاني الأخرى، فسوف تصل إلى المغزى الميثولوجي للحكاية، وهو المعنى المقصود في كل حال.
وجذر «سلح» في العربية يعطي معاني عدة أهمها: البراز، ثم ماء المطر. فالبراز، أو البراز السائل على وجه الخصوص، هو السّلْح. أما ماء المطر فهو السَّلَح. ونظن أن ماء المطر هو المقصود في المثل. ونقيض ماء السلح هو ماء العِدّ، أي الماء الدائم، ماء الآبار والعيون، أي الماء السفلي: «السلح بالتحريك: ماء السماء في الغدران... يقال: ماء العِد وماء السّلح» (تاج العروس). بذا، فحين يقول المثل: سلح القوم، فنحن مع تعبير ملغز يريد أن يقول: أمطروا، أي أمطرتهم السماء. عليه، فحين سلح القوم، أي حين حل الشتاء، قطع جد حصته من المبناة وأدلج، أي غادر وسافر. ذلك أن الشتاء والمطر ليس وقت جد. وقته هو ماء العد، ماء الفيضان، أي الماء السفلي الصيفي- الخريفي. بذا فلم يكن بإمكانه أن يبقى ما دام فصله قد انتهى. لقد حل فصل الشتاء النقيض، فقطع جد قطعته من الجلد ومضى. عليه، فمركز اللغز يكمن في كلمة سلح. وإذا لم تفطن لهذا، فستكون أمام قصة يخرأ الناس فيها في ملابسهم، ويلوثون النطع الذي ينامون عليه. أما في ما يخص «المبناة»، فهي النطع الجلدي، لكنها أيضاً قبة الأدم، أي خيمة من جلد تصنع على شكل قبة: «المَبْناة قبة من أَدم» (لسان العرب). وهناك دلائل على أن بعض معابد الجزيرة العربية كانت في الأصل تقام على شكل قبة من أدم. إذ ينقل لنا ياقوت أن كعبة نجران كانت قبة من أدم: «وذكر هشام بن الكلبي أنها كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد كان إذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت أو مسترفد أرفد وكان لعظمها عندهم يسمونها كعبة نجران، وكانت على نهر بنجران» (معجم البلدان). قبة الأدم هنا تمثيل أرضي للقبة السماوية، في ما يبدو.
بناء عليه، فثمة في المثل لعب واضح أيضاً على كلمة «مبناة». فظاهر القصة يوحي أننا نتحدث عن النطع كفراش للنوم، وأن جد قطع القسم غير الملوث الذي يخصه من هذا النطع. لكن القصد الفعلي هو الحديث عن القبة السماوية. فقد أوضح جد حظه من القبة السماوية، أي قطع قطعته الخاصة من القبة السماوية. وهذه القطعة هي القطعة المرتبطة بماء العد، أي الماء السفلي، لا ماء السلح. والماء السفلي مرتبط بالصيف والخريف وبرج الجوزاء، حيث يتدفق الماء السفلي، وتفيض الأنهار. أما قطعة الآخرين الذين سلحوا، فهي القطعة الشمالية، أي قطة بنات نعش. فبنات نعش هي الشتاء والمطر. وخذ هذا التعبير الأدبي الذي يربط بين السلح وبنات نعش: «وأنت يا فاسق ستضرب ضربة حتى أرى ضوء بنات نعش في سلحك، ثم قدم فضربت عنقه». (البلاذري، الأنساب). ويا لها من جملة كاشفة: «حتى رأيت ضوء الثريا في سلحه». أي حتى سلح سلحة كبيرة كأن مطر الثريا فيها.
ولا يستبعد المرء أن يكون هذا المثل منتزعاً في الأصل البعيد من طقس محدد، يتم عند الانقلاب الشتوي، ويقوم فيه كاهن الإله جد، أي أوزيريس الفيضي، بتحديد حصته من قبة جلد، تمثل القبة السماوية، عبر تحديدها بالسكين أو السهم أو غيرهما، قائلاً: «هذا حظ جد من المبناة». أي هذا حظ جد من القبة السماوية وفصولها. فلكل واحد من وجهي الكون- الإله حصته، ولا يجب أن يخلطا ببعضهما. وحين يحل موعد غياب جد الفيضي، ربما كان عليه، أو على كاهنه الذي يأخذ اسمه، أن يلف قطعته الخاصة من القبة ويرحل. وهذا يعني أن المثل كان في الأصل جملة طقسية يقولها في أغلب الظن كاهن إلهي مقدس، ثم سار مثلاً في ما بعد.
في كل حال، فإن «جد» هو اسم عمود أوزيريس. لذا يسمى النيل في قمة فيضه في أكتوبر باسم «جد الخريف».
* شاعر فلسطيني