قَدم عتيق رحيمي (١٩٦٢) لاجئاً إلى فرنسا من بلد «كل يقاتل فيه ليكون غازياً، وحين يقتل يتحول إلى شهيد»: حكايات «الملا سعيد مصطفى» تبدو كيدٍ تمتد من الغيب لحفيده الغارق في رعب المقتلة الأفغانية في «ألف منزل للحلم والرعب» (٢٠٠٢)، والمرأة الثكلى في «حجر الصبر» (٢٠٠٨) تروي حياتها ومآسي بلد ومجتمع بأسره على كرات السبحة قرب جسد زوجها المعلق بين الموت والحياة، وقتل «رسول» للمرابية والقوادة نانا عليا في «ملعون دوستويفسكي» (2011) على طريقة راسكولونيكوف في رائعة دوستويفسكي «الجريمة والعقاب»… في كل هذه الأعمال، لا ينفك الروائي الأفغاني يرصد ذنوب المتصارعين في السياسة على الأرض الأفغانية، والتصدعات النفسية التي تواجهها شخصياته بفعل الغزو الأجنبي والتقاليد البالية والصراعات بين أبناء الوطن الواحد. خارج أعماله الروائية العظيمة ونشاطه كمخرج سينمائي وكاتب سيناريو، كتب رحيمي نصاً مباشراً لموقع «سان ـ مالو» الفرنسي (٢٠١٣) حول علاقة الأدب بالسياسة والسلطة في مناسبة سنة الأدب العالمية. النص الذي يترجم للعربية للمرة الأولى، تتبدى فيه قدرة رحيمي على الرؤية الواضحة لدور الأدب في الحياة وعلاقته الجدلية مع السياسة وما يفرضه من معادلة عظيمة تضع سلطة الكلمات مقابل كلمات السلطة.

هل يجب على الأدب أن يختلط بالسياسة؟ لنسأل أنفسنا مجدداً، كما لو كانت المرة الأولى. فلنسأل لأن السؤال هو رغبة الفكر، كما يقول موريس بلانشو، الذي يضيف: لكن الإجابة هي شقاؤه! ولكي لا نصم بالحزن هذا السؤال الذي لم يختف قط من فوق صفحات التاريخ الأدبي، أحب أن أفتتح مقالتي بقصة. هذا الأمر يتعلق بثقافة موطني الأصلي: رواية القصص لكي لا نجيب على سؤال ما. (بلانشو لن يشقى لو صار أفغانياً!)
في مؤلف أساسي للحضارة الناطقة بالفارسية، «تذكرة الأولياء»، المكتوب في القرن الثامن، يروي الشاعر الكبير فريد الدين العطار أن أحد السالكين سأل أستاذه عمّا يحدد قدرة الإنسان الحكيم. «الكلمة، أجاب الأستاذ، الكلمة!»، مشيراً إلى الجبل الذي يعيش في سفحه متنسّكاً، وأضاف: «حين يأمر الحكيم هذا الجبل بأن يتحرك، فإنه يتحرك». في اللحظة ذاتها، بدأ الجبل بالانهيار. وبّخه الأستاذ قائلاً: «لم آمرك بالحركة! كنت أضرب مثلاً فقط».
في القراءة الأولى، ترتبط هذه القصة الصغيرة بتأكيد حلم الإنسانية منذ فجر التاريخ: خلق، تغيير، تحريك، تدمير، إعادة بناء العالم بواسطة الكلمات، وبالكلمات فقط. من فينا لا يحلم بأن يقول يوماً للنور «كن»، فيرى النور حاضراً أمامه؟ «كل إنسان هو إله حين يحلم» يقول هولدرلين. مع ذلك، أبعد من هذه الرحلة الصوفية والخيالية، ثمة أمر في هذه القصة يستوقفني حول العلاقة بين السلطة والكلمة عند الحكماء والمثقفين ورجال الأدب. في مؤلّفه «كيفية فعل الأشياء بالكلمات»، يميز الفيلسوف الإنكليزي جون لانغشاو أوستين تحت عنوان «النطق التنفيذي» مجموعة من الجُمل التي لا يمكن اختصارها بكونها تتابعاً بسيطاً من الكلمات للتعبير عن حالة أو موقف؛ بل إنها بحدّ ذاتها تساوي الفعل الذي تشير إليه. هذه الجمل، لو قيلت مرة، فإن بمقدورها قلب حياة إنسان، أو مجموعة. لنضرب مثلاً: «إني أعلنكما زوجاً وزوجة»، أو «إني أُعلن الحرب» من قِبَل رئيس دولة، الذي بمجرد تلفظه بهذه العبارة الصغيرة يمكن أن يجر شعبه إلى الجنون والمآسي العظيمة. يقول المؤمنون بأن الكون خُلق بواسطة كلمة الرب البسيطة. حتى لو لم نؤمن بهذه المقولة، فإننا نلاحظ كيف أن الكلام المنسوب للرب يؤثر على البشر، وكيف يمكن أن يقودهم في دروب الحكمة بالمقدار نفسه الذي يرميهم في جنون الهجمات الانتحارية. كما وصفه أوستين، حتى يصل «النطق التنفيذي» لخواتيمه السعيدة، يجب أن تتوافر له مجموعة من الظروف، إذ لا يمكن لأيّ كان أن يجعل من شخصين زوجاً وزوجة. بداية وبشكل خاص، لا بد للشخص الذي يجمع العروسين من أن يتمتع بشرعية ما، بسلطة ما، ومن ثم يجب أن يتوافر في الثنائي شرط مؤهِّل مسبق للرباط والتزاوج. ومن أجل تحريك الجبل، لا بد من بلوغ مرحلة ما من الحكمة. من أجل الصراخ «إني أتّهم»، يجب أن يكون المرء اميل زولا أولاً، وليكون زولا، يجب أن يكون قد كتب «نانا» و«جيرمينال»، و«الوحش البشري». «إنه لمن الجميل أن يكون المرء كاتباً كبيراً، يقول فلوبير، وأن يضع الناس في مقلاة عباراته، ويجعلهم يقفزون فيها مثل حبات الكستناء. سيتوفر لنا بالتأكيد مقدار عظيم من الاعتداد الجنوني حين نشعر بأننا نجثم على صدر الإنسانية بثقل أفكارنا، لكن من أجل ذلك لا بد أن يكون لدينا شيء لنقوله».

ضع فَمَك فوق فمي/ لكن اترك لساني طليقاً/ ليقول إني أحبك


بامتلاكه شيئاً معيّناً يقوله، هل يغير الكاتب شيئاً ما في هذا العالم؟ نعم، كان سارتر ليجيب. فبالنسبة إليه، قول الأشياء يعني إرادة تغييرها. أن نحكي أو أن نكتب يعني أن نغيّر العالم.
العقول المستنيرة ستتساءل إذن: لو كان للكُتَّاب قوة الكلام هذه، لماذا يتشظى العالم في ألف قطعة بهذا الشكل؟ لماذا هذا القدر من الطغيان؟ من الحروب، من المظالم؟ أين نحن من بعد «جيرمينال» و«الحرب والسلم» و«وداعاً للسلاح» و«الطاعون»؟ ماذا يفعل الأدب؟ سؤال جديد سيحكم على الأدب بالريبة. (...) حتى سارتر، المنافح الأكبر عن الأدب الملتزم يقع في اليأس حين يقول: «قبالة ولد يحتضر، «الغثيان» لا يزِنُ مثقال ذرَّة». أو أيضاً هذا النحيب من هولدرلين: «ماذا ينفع الشعراء في زمن المأساة؟». يسمي الشاعر الأشياء بأسمائها، يحدد، يذكرنا بشرط حياتنا الذي هو «زمن المأساة»؛ كذلك صرخة شمس التبريزي هذه، أستاذ الرومي، في القرن الثامن:
«لسنا بقادرين على الكلام/ لو كان بإمكاننا أن نصغي/ يجب قول كل شيء/ والاستماع لكل شيء/ لكن/ ها إن آذاننا مختومة/ وكذلك شفاهنا وقلوبنا». هذه الصرخة تدوي من قرون عشرة لتفضح الحظر المستمر والقاسي الذي يواجَه به الكتاب في كل بقعة تتواجه فيها الكلمة مع الطغيان. في هذه البقاع، ليست المعضلة «أن نكون أو لا نكون»، لكن « أن نقول أو لا نقول». بهذا المنطق، كل فعل سيكون سياسياً بامتياز، حتى الصمت. حتى الكذب. أثناء الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، أتذكر مقولة طريفة قادمة من بولونيا، كانت تسري بين الأدباء: «إن أردت أن تحيا فلا تفكر، وإن فكرت، فلا تَبُح، وإن بُحت لا تكتب، وإن كتب فلا تُوقِّع، وإن وقّعت فلا تتفاجَأ!». هذه المقولة لا تزال سارية في أرضي الأم، حتى في النظام الذي قام محل طالبان للأسف. إن المشكلة هي في مكان آخر، في قلب كل واحد منا، في القلوب «المختومة». في جنوب أفغانستان، يوجد تقليد شعري عند نساء البشتون، نسميه «اللانداي». إنه نوع من القصائد القصيرة، مجهولة المؤلف (ة)، التي تقول الكثير حول حياة أولئك النسوة: «ضع فَمَك فوق فمي/ لكن اترك لساني طليقاً/ ليقول إني أحبك». تخيلوا مصير هذه المرأة لو أنها مهرت القصيدة بتوقيعها. إن النص الأدبي بوصفه شروط الحياة الإنسانية بهذه الطريقة، أو بتظهيره للرغبة أو الحلم الإنسانيين، فإنه سيصبح صرخة لا محالة، أو نوعاً من الإنذار. إنه «يعطي بنيةً ما للصرخة» كما يقول دولوز، صرخة إن لم توقظ العقول النائمة، فإنها لا شك ستزعجها في سباتها.
«نحن نعيش في عالم هو بحد ذاته كوكب لانعدام التجربة» يصرح كونديرا، «انعدام التجربة بصفتها ميزة للشرط الإنساني. نحن نولد مرة واحدة، ولذلك لا يمكننا أبداً أن نستأنف حياة ثانية في تجارب حياتنا الأولى» ولأن العالم هو كوكب انعدام التجربة، يأخذ الأدب معناه الأقصى. إنه يسمح لنا، في المقام الأول، بإظهار التجربة الإنسانية المستمرة... أن نستوعب حيوات الآخرين، ممن عاشوا قبلنا، أو أولئك الذين يعيشون معنا اليوم، لكن في مكان آخر، لنخلق نقطة للارتكاز، أو رغبة بالتماثل، بحسب عبارة رينيه جيرار. نحيا إذن، نفكر، بمشاركة أو استناداً إلى تجارب الآخرين، كما يعيش الآخرون بمشاركة أدبنا كتجربة وجودية، عاطفية، سياسية، ميتافيزيقية أو استناداً إليه. بهذا المعنى، التجربة لا تتحدد فقط بما عشناه، في الماضي، وهي أيضاً ليست «الدراسة»، أو التجربة العلمية التي تهدف عبر معطيات المعرفة إلى برهنة فعلٍ ما موجّه نحو المستقبل. التجربة ستكون محكّاً لوجودنا في الزمان والمكان. إنها فعل التأمل في ما نعيشه. أن نحيا العالم كما يحيا العالم فينا. إنها تجربة داخلية كما يقول جورج باتاي، وتجربة أصيلة بحسب بلانشو: «احتكاك مع الكائن، تجديد النفس بهذا الاحتكاك، امتحان يبقى مستعصياً على التحديد».
الكتابة هي تجربة مع اللغة، تجربة تسمح لي برؤية العالم في داخلي، حيث أحاول أن أفككه من أجل التقاطه، ومن ثم إعادة بنائه وفقاً لرغبتي.
إذن، هل يجب أن نتشكك بعدها بالبعد السياسي للأدب؟
جوابي هو: نعم! يجب الحذر لأن السياسة، كما يقول بول فاليري، تتشكل في إرادة السيطرة والاحتفاظ بالسلطة، وهي تستوجب بالتالي فعلاً من خلق الوهم أو الإرهاب للعقل، وهو فعل ملازم لكل سلطة. ينتهي العقل السياسي بأن يضخ في الشارع وفي الأسواق عملة ثقافية مزورة، ويروج لمفاهيم تاريخية خاطئة، ويبني طرائق مغلوطة في التفكير. في المحصلة، إنه يبيح لنفسه كل ما يلزم للاحتفاظ بسلطته.
ومن ثم، جوابي هو: لا! لأن الأدب هو معركة ضد كل الأنظمة السياسية. إنه سلطة الكلمات التي تقابل كلمات السلطة.