لدينا بيت شعر ساخر شهير جداً، يقول:

«كأنهم والماء من حولهم
قوم جلوس حولهم ماء»
وهو في ما يُفترض بيت من قصيدة لعلي بن سودون الجركسي اليشبغاوي القاهري من القرن الرابع عشر الميلادي. والأبيات أدناه تشكل الجزء الأكبر من هذه القصيدة:
«كأننا والماء مِن حولِنا
قوم جلوس حولهم ماء
الأرض أرض والسماء سماء
والماء ماء والهواء هواء
والماء قِيل بأنه يروي الظما
واللحم والخبز السمينِ غِذاء
ويقال أن الناس تنطِق مِثلنا
أما الخِراف فقولها مأماء
كل الرجالِ على العمومِ مذكر
أما النِساء فكلهن نِساء»
البيت الأول من القصيدة هو الذي اشتهر. وقد وصفه بعضهم بأنه «أسخف بيت شعر قالته العرب». وحسب البهاء العاملي في الكشكول، فإن ابن الوردي قال تعليقاً على بيت سودون:
«وشاعر أوقَد الطبعُ الذكاءَ له
فكاد يحرقه من فرطِ إذكاءِ
أقام يُجهد أياماً قريحته
وشبّه الماء بعد الجهد بالماء.»
وقد تحول الشطر الأخير لابن الوردي، الذي هو تعليق على قول سودون «والماء ماء» إلى مثل يردده الجميع الآن. فنحن نقول: شبّه الماء بعد الجهد بالماء، دون أن نتذكر صاحب هذا القول.
والحقيقة أن بيت سودون بعيد أبعد ما يكون عن السخافة، وأن القصيدة كلها أيضاً بعيدة عن السخافة. بذا يمكن القول إن حكم ابن الوردي على الشاعر والبيت لم يكن حكماً عميقاً. فالشاعر لم يحرق ذكاءه من فرط الإذكاء، بل قدم مداخلة ذكية ساخرة عميقة. بل لعلني أقول إنّ بيته يحمل طاقة نقدية عميقة في ما يخص البلاغة، وفي ما يخص التشبيه على وجه الخصوص، الذي هو جوهر الشعر عند العرب، بشكل ما. ويمكن وصفه بأنه سخرية مرة من البلاغة العربية التقليدية التي وصلت إلى لحظة موتها في وقته. لقد كان ابن سودون ينعي هذه البلاغة، وينعي التشبيه على وجه الخصوص.

بات الهروب من التشبيه ورميه وراء الظهر وسيلة البعض للوصول إلى الشعر


والتشبيه يقوم، كما نعلم، على العثور على وجه شبه ما بين شيئين أو حالين مختلفين، بحيث يجري الربط بينهما عبر هذا الوجه من الشبه. وإذ يتم ربطهما، تتخلق صورة تتركب من الاثنين، أو تقع بينهما، ولا ترغمهما على التمازج التام. أي إنها صورة متموجة مترجرجة تُلغي الثبات وتدفع بالاحتمال إلى الواجهة.
غير أن التشبيه، إذا أوصل إلى منتهاه، يصبح قوة ثبات لا قوة خلخلة واحتمال. إذ يدفع البحث عن اكتمال التشبيه، عبر الحصول على وجه شبه تام، إلى جعل الشيئين المختلفين كما لو أنهما شيء واحد. وهذا ما يقود إلى المرآة. فليس هناك ما هو أكثر شبهاً للشيء من صورته في المرآة. عليه فالمرآة، أو الصورة الفوتوغرافية، هي أكمل تشبيه ممكن. لكن الوصول إلى المرآة يجعل التشبيه بلا ضرورة مطلقاً.
وهذا هو حال التشبيه في بيت سودون الذي نتحدث عنه. فهو تشبيه مرآوي تماماً. فالناس الذين يجلسون ومن حولهم ماء يشبهون أناساً يجلسون والماء من حولهم. أي يشبهون صورتهم في مرآة. وكذلك الحال مع التشبيهين: «الماء ماء، والهواء هواء». دقة التشبيه هنا تصل إلى حدها الأقصى، أي تصل إلى الغاية المنشودة، بحيث يبتلع وجه الشبه، المشبه والمشبه به. لكن وصول التشبيه إلى غايته يعلن بطلانه التام. فهو يجعل من الشيئين شيئاً واحداً. أي يلغي الحاجة إلى وجود التشبيه من أساسها. فالحاجة إلى التشبيه تفترض وجود شيئين غير متجانسين أصلاً.
ولعل ما حصل للشعر العربي والبلاغة العربية من خمود وتيبس في عصور الانحطاط، إنما يرجع إلى وصول التشبيه (والاستعارة كذلك، فهي تشبيه حُذف أحد طرفيه) إلى غايته. وكان طريق التشبيه إلى هذه الغاية قد بدأ باكراً، ومنذ ابن المعتز على الأقل، لكنه اكتمل حين رأينا تشبيهات- استعارات مثل تشبيهات الوأواء الدمشقي المتتابعة:
فأمطرتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ
ورداً وعضّتْ على العنّابِ بالبرد
فالدمع لؤلؤ، والعين نرجسة، والخدّ وردٌ، والأصابع عناب، والأسنان برد.
أو في البيت الذي يقول:
لهُ خالٌ على صفحـات خدٍ كنقطة عنبرٍ في صحن مرمر
رغم أن غناء ناظم الغزالي جمّل هذا البيت، وجعله يبدو حلواً، فالغناء يغطّي عورات الشعر دوماً.
هنا يندفع التشبيه باحثاً عن صورته في المرآة لكي يشبهها غير عابئ بأي شيء آخر. وحين يصل إلى مرآته، نكون قد اقتربنا حثيثاً من الوصول إلى البيت الذي نتحدث عنه:
كأنهم والماء من حولهم
قومٌ جلوس حولهم ماء
التشبيه هنا، أو الاستعارة حسب أرسطو، هنا ليست «بحثاً عن سر التجانس في الأشياء غير المتجانسة»، بل إلغاء عدم التجانس بين الأشياء، أي جعلها تبدو بلا اختلافات. وهذا هو ما قاله سودون في بيته. فالماء كالماء، والهواء كالهواء، والرجل الواقف في المرآة مثل الرجل الواقف قدامها.
من أجل كل هذا بدا كأن التجديد في الشعر العربي كان إما هروباً من التشبيه ككل، أو هروباً من وجه الشبه على الأقل، بحيث تكون العلاقة بين المشبه والمشبه به، أي وجه الشبه، ضعيفة جداً، أو يكونان بلا علاقة، وبحيث يصبح على القارئ أو السامع أن يتخيل، بعناء شديد، علاقة ما أو وجه شبه ما على ما يشتهي هو، كما في «الريح شجرة» أو «لسماء حَجَلٌ»، وما إلى ذلك.
أكثر من ذلك فقد بات الهروب من التشبيه ورميه وراء الظهر وسيلة البعض للوصول إلى الشعر، بحيث يكون الخطاب الشعري خطاباً بلا تشابيه ولا استعارات ولا محسِّنات بديعية، وذلك خوفاً من أن يصبح الشعر كله قوماً جلوساً حولهم ماء.
* شاعر فلسطيني