باريس | أي لوثة أصابت مثقفي فرنسا؟ في موطن إميل زولا، وجان بول سارتر، الذي لقّن العالم مفهوم «سلطة المثقف»، بوصفها صِمّام أمان أخلاقي في مواجهة كل أشكال الظلم والاستبداد والتفرقة العنصرية؟ لم تعد القضايا والإشكاليات المجتمعية، التي تؤرق الناس وتشغل الرأي العام، تجند رجال ونساء الفكر والثقافة والفن، ليقفوا جميعاً، على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم، في صف واحد: هو صف الضحايا والمسحوقين والمستضعفين، أياً كانت أصولهم ودياناتهم وألوان بشرتهم.

خلافاً للتقليد الثقافي الباريسي العتيد، الذي صقلته النضالات الطليعية والتجارب الثورية، على مدى قرون، منذ ثورة 1789 إلى انتفاضة أيار/ مايو 1968، لم يعد لدى مثقفي اليوم في فرنسا القدر ذاته من التجرد والتعالي عن المصالح الضيقة والحسابات النفعية العابرة، من أجل تغليب الموقف الأخلاقي على أي انتماءات أو ميول فكرية أو حزبية أو دينية.

بالأرقام

أشارات إحصائيات أعدتها اللجنة الوزارية لمحاربة العنصرية ومعاداة السامية إلى أن أعمال العنف الناجمة عن الإسلاموفوبيا تزايدت في فرنسا بمقدار ثلاثة أضعاف، منذ هجمات باريس الإرهابية في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، إذ ارتفعت أعداد الاعتداءات التي تستهدف المسلمين بمقدار 223 في المئة، بمعدل 429 اعتداء سنوياً. بينما سجلت الاعتداءات العنصرية بشكل عام زيادة مقدارها 17,6 في المئة، لتصل إلى 797 اعتداء سنوياً. أما العنف ذو الطابع المعادي للسامية، فقد سجل، خلال الفترة ذاتها، تراجعاً طفيفاً بمقدار 1,8 في المئة. لكن الاعتداءات المعادية للسامية تبقى الأكثر عدداً في فرنسا، بما معدله 806 هجمات سنوياً.


فقد سيطرت على المشهد الثقافي الفرنسي نخبة من «الرجعيين الجدد»، الذين بات شغلهم الشاغل استغلال وتوظيف أي قضية أو ظاهرة أو إشكالية من شأنها أن تشغل الرأي العام أو تثير اهتمامه، من أجل تلميع صورتهم والترويج لأطروحاتهم الفكرية المغرقة في الفردانية والتعالي والعداء لكل ما هو مغاير أو مناوئ لنظرية «التفوق الحضاري» لـ «الرجل الأبيض» الغربي.
في الرابع من نيسان (أبريل) الماضي، ضجّ الرأي العام الفرنسي بجريمة بشعة تمثلت في اغتيال عجوز يهودية في الخامسة والثمانين، تدعى ميراي كنول، على يد شاب فرنسي من أصول عربية تعرض لغسيل دماغ من قبل جماعة إسلاموية متطرفة، واعترف في التحقيق أنه قام بالاعتداء على تلك العجوز، ورميها من نافذة شقتها في الطابق الخامس من عمارة شعبية في الدائرة الثالثة عشر من باريس، فقط لكونها يهودية، ولأن اليهود، كما تم تلقينه، هم «أعداء الله»!
شكلت تلك الجريمة، التي جسّدت رهاب عداء السامية في أبشع صوره وأكثرها دموية، صدمة كبيرة للمجتمع الفرنسي. سارعت جمعيات من مختلف المشارب والتوجهات، بما فيها جمعيات ثقافية ودينية تمثل الجاليات المسلمة في فرنسا، إلى تنظيم «مسيرة بيضاء» عارمة تنديداً بمثل هذه الأعمال الجبانة. لكن النخب الثقافية شذت عن ذلك الإجماع. بدل اتخاذ موقف أخلاقي بشجب تلك الجريمة، على غرار أي اعتداء ذي طابع عنصري أو عرقي، سعى كل فريق لاستغلالها من أجل ضرب خصومه، مما حوّل القضية إلى مطية لتراشق التهم، عبر العرائض والبيانات المضادة، بين «الرجعيين الجدد» و«مثقفي اليسار»، وبين «العلمانيين» وأنصار «التعايش الطائفي».
عِوض تثمين حالة الإجماع التي حققتها «المسيرة البيضاء» ضد جريمة اغتيال ميراي كنول، وقد سار خلالها عشرات آلاف الفرنسيين، من مختلف الأصول والأعراق والديانات، جنباً إلى جنب، تنديداً بالجرائم العنصرية والمعادية للسامية، تفتقت عبقرية «الرجعيين الجدد»، الذين بسطوا هيمنتهم على المشهد الثقافي والإعلامي الفرنسي، عن عريضة غريبة تعبق بالمكارثية والإسلاموفوبيا أطلقوا عليها تسمية «بيان ضد عداء السامية الجديد».
بعد ديباجة سعت لتدثر بعباءة القيم الجمهورية، من منطلق أن «محاربة عداء السامية ليست قضية اليهود وحدهم بل هي قضية الجميع»، سرعان ما انساق البيان منذ فقرته الثانية نحو منزلقات المكارثية والإسلاموفوبيا، من خلال التشهير باليسار الراديكالي المعادي للصهيونية، والتحريض ضد الجاليات المسلمة الفرنسية.
لم يتردد البيان، الذي حمل تواقيع 300 شخصية ثقافية وفنية وسياسية، في مقدمها أقطاب تيار «الرجعيين الجدد» (باسكال بروكنير، برنار هنري ليفي، ألان فينكلكروت، فيليب فال…)، في وصف الاعتداءات ذات الطابع المعادي للسامية التي تشهدها فرنسا بأنها «تطهير عرقي يجري على نار هادئة»، واضعاً على قدم المساواة «عداء السامية التقليدي ذي النزعة اليمينية المتطرفة» وما أسماه «عداء السامية الجديد الذي برز لدى قطاع من اليسار الراديكالي الذي يتخفى وراء معاداة الصهيونية من أجل إظهار قتلة اليهود على أنهم ضحايا»!
ثم لم تلبث هذه النبرة المكارثية أن أفسحت في المجال لشطط الإسلاموفوبيا، من خلال محاولة إسقاط مسؤولية جريمة اغتيال ميراي كنول على عموم المسلمين في فرنسا، ليخلص البيان إلى القول أن «عداء السامية ذا النزعة المسلمة هو أكبر تهديد يلقي بثقله على الإسلام في القرن الحادي والعشرين»!
لتحرير الإسلام من هذا «الثقل»، استعان البيان بعدد من الأئمة والمثقفين المسلمين المعروفين بمداهنتهم للأوساط الصهيونية الفرنسية (الإمام حسن شلغومي، المقرئ محمد علي قاسم، الروائيان بوعلام صنصال ووليد الحسيني…)، ليطالب المرجعيات الدينية المسلمة بـ «إبطال العمل بالسور القرآنية التي تنادي بقتل ومعاقبة اليهود والمسيحيين وغير المؤمنين، حتى لا يعود بإمكان أي مؤمن أن يستند إلى نص مقدس لارتكاب جريمة»!
من خلال هذا المنزلق التعميمي، تعمد البيان إسقاط مسؤولية جريمة فردية، ارتكبها شاب متطرف محدود الثقافة الدينية، على عموم المسلمين، وعلى النصوص القرآنية بحد ذاتها، من خلال قرن الإيمان بالعنف. أمر وجدت فيه الجمعيات ذات التوجهات الإسلاموية الفرنسية، فرصةً سانحة للتنصل من المساءلة عن مسؤوليتها الأخلاقية في الزج بقطاعات واسعة من أبناء الجاليات المسلمة ـــ الذين يتطلعون لإعادة اكتشاف هويتهم الدينية ـــ في براثن التطرّف، وتأليبهم ضد البيئة الاجتماعية الفرنسية التي ولدوا وتربوا في كنفها.
ارتفعت أصوات العديد من الشخصيات الدينية، وبالأخص تلك المنضوية في «جمعية مسلمي فرنسا»، وهي التسمية الجديدة لـ «اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا»، التابع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، للاحتجاج بأن موقّعي البيان ضد عداء السامية الجديد ينادون بـ «تحريف القرآن وحذف بعض سوره». كلام يفتقد الدقة، لأن البيان لم يطالب بحذف سُوَر من القرآن، بل اقترح إعمال مشرط الاجتهاد فيها، من قبل المرجعيات الدينية المسلمة، لإبطال العمل بها، على غرار نصوص قرآنية أخرى لم يعد معمولاً بها، كتلك التي تبيح العبودية مثلاً.
لا يخفى على أحد، بالطبع، أن هذا المطلب ليس سوى كلمة حق يراد بها باطل، إذ لا يهدف «الرجعيون الجدد» الفرنسيون للإسهام في إصلاح الفكر الديني الإسلامي، بل للترويج بأن القرآن يحرض على العنف وعداء السامية. ولا يخلو رد فعل الجمعيات الإخوانية بدورها من سوء النية، من خلال تعمد تحويل النقاش إلى جدل بين «غلاة العلمانيين» وأنصار «التعايش السلمي بين الطوائف والأديان».
في خضم هذا التراشق، بادرت مجموعة من الشخصيات الثقافية، على رأسها المؤرخ بنجامين ستورا، وعالم الاقتصاد توما بيكيتي، والفيلسوف إيتيان باليبار، إلى نشر نص جماعي في صحيفة «لوموند» شجبوا فيه «البيان ضد عداء السامية الجديد»، معتبرين أنه «يشكل نداء إلى العنف وتحريضاً على حرب أهلية لا تريد الإفصاح عن اسمها في شكل صريح». وأعاب موقعو النص على البيان «تجاهله الكامل لعداء السامية ذي الخلفية اليمينية المتطرفة، وتعمده خلط المفاهيم بهدف زرع اللبس بين السلفية كأيديولوجيا سياسية ودينية، وبين الإسلام الذي يراد تصويره في عمومه كديانة تنادي بالعنف، والربط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، للإيحاء بأن أي احتجاج على السياسات الاستيطانية والعنصرية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين يندرج ضمن رغبة مبيتة في تدمير اليهود».
من جهتها، فتحت صحيفة «ميديا بارت» صفحاتها لبيان مضاد، بعنوان «ضد العنصرية ومعاداة السامية و… الإسلاموفوبيا»، حمل تواقيع نخبة بارزة من الشخصيات العلمانية واليسارية، من ألان كريفين إلى لوران ليفي، مروراً بأوليفييه بوزانسنو وصوفي بن سعيد، وميراي فانون مانديز فرانس.

لا يهدف «الرجعيون الجدد» للإسهام في إصلاح الفكر الديني الإسلامي، بل للترويج بأن القرآن يحرض على العنف وعداء السامية


بعد التأكيد على ضرورة «التنديد بعداء السامية، ومحاربة أي عمل إجرامي أو اعتداء من هذا الصنف، على غرار كل أشكال العنصرية الأخرى من دون استثناء»، حملت هذه العريضة المضادة بشدة على «البيان ضد عداء السامية الجديد»، معتبرة أن «المغالطات التي تضمنها، تصب في تغذية عداء السامية الذي يزعم (البيان) محاربتها». وشددت العريضة المضادة على أن «أعمال العنف ذات الطابع المعادي للسامية التي استعادت نشاطها حالياً، على رغم بشاعتها التي لا تطاق، لا يمكن مقارنتها بالمحرقة أو وصفها بالتطهير العرقي».
وأضافت العريضة أن «اتهام اليسار المعادي للصهيونية، الذي كان على الدوام في طليعة كل المعارك ضد العنصرية، بأنه يمثل شكلاً جديداً من عداء السامية، لا يعدو أن يكون أكذوبة فاضحة»، مشددة على أن «وصم من ينتقدون الاستيطان الإسرائيلي وحكومته ذات النزعة اليمينية المتطرفة بأنهم معادون للسامية يشكل تلفيقاً لا يجوز السكوت عنه».
واعتبرت العريضة أنه «في الوقت الذي تتزايد الاعتداءات ضد الفرنسيين ذوي الأصول المغاربية والأفريقية وضد الروم (الغجر)، ويشهد النقاش السياسي العام تنامياً للخطابات التي تُمارس التفرقة بحق المهاجرين أو اللاجئين، وتحرراً للإنسان في التعبير عن الأفكار العنصرية ومعاداة الأجانب والإسلاموفوبيا، من دون أي عقدة، من الضروري التعبير عن رفضنا لمفهوم المسؤولية الجماعية، سواء تعلق الأمر بشعب أو جالية أو طائفة دينية، والتذكير بأن الضحايا الأول لداعش وزبانيته هم في المصاف الأول من شعوب الدول العربية والأفريقية والمسلمة».
وختمت العريضة بإدانة صريحة للبيان ضد عداء السامية الجديد، بوصفه نصاً «يرى في كل مسلم أصولياً محتملاً، ويحرض ضده النقمة الشعبية، مشترطاً منه الولاء الثقافي (للغرب)، والتنصل من معتقداته الدينية».
* العبارة مستعارة من توصيف المفكر الفرنسي ايمانويل تود