-1-

فى السابعة بالضبط من كل صباح، يرن المنبه بصوت أشبه برنين التليفونات العتيقة، يفزعني صوته المزعج، انتفض وأقفز من فوق سريري مرتبكاً. أدرك خلال ثوان قليلة أن يوماً جديداً قد بدأ، وأن الأحلام التي طاردتني حتى انغمست فيها أضحت ماضياً من دون أثر، لا يمكن العودة إليها أو استرجاعها. أخطو نحو جهاز الكومبيوتر وأضغط على زر الفتح قبل أن تتفتح عيني. منذ سنين، قبل انتشار الإنترنت ووجود الفايسبوك، كنت أبدأ أيامي في شكل مختلف. أتجه نحو السفرة، حيث توجد صحف الأيام الفائتة ملقاة على جانب المنضدة. أسحب أياً منها وأقرأ خبراً بائتاً عن هجوم أميركي على العراق أو أفغانستان، عن توقعات لمباراة انتهت بالفعل، شاهدتها وعرفت كذب تلك التوقعات، عن فيلم توم هانكس القادم أو عن أزمة السينما. أقرأ الخبر بكل تفاصيله، أتبعه بآخر وآخر حتى أفيق. بعد نهاية التسعينات، باتت الأخبار متكررة ومتشابهة، وكأنني أقرأ صحف العام الماضي أو الذي قبله، فقررت أن أبدأ أيامي في شكل جديد. صرت أسمع مقطوعات من الموسيقى الكلاسيكية، تبدأ نغماتها متزامنة مع سطوع الشمس، مقطوعات لتشيكوفسكي، باخ، بيتهوفن أو موتزارت. أختار مقطوعات صاخبة ذات موسيقى موترة أو روح احتفالية أو نبرة غاضبة، حتى أفيق من سباتي وأنتقل من عالم الأحلام إلى عالم القسوة. ففي الصباح، تستيقظ في هذه المدينة من حلم سيء لتبدأ حلماً سيئاً آخر كما يقول ايتالو كالفينو. كانت الصحف ومن بعدها الموسيقى بمثابة مرحلة انتقالية بين العالمين، أو الحلمين السيئين.
إلا أنه مع انتشار ما اتُفق على تسميته بوسائل التواصل الاجتماعي، اختلط الواقع بالخيال، الحقيقة بالحلم، وتلاشت الحدود بينهما، أو أصبحت هشة ضعيفة، فبات كل منا قادراً على صنع شخصيته المتخيلة على صفحته، ربما باسم مغاير، اسمه في الأحلام، ومن حقه أن يروي أحلامه كحقائق، يسردها كوقائع، ويتداولها أصدقاؤه في ما بينهم. هكذا يضطرب الخط الفاصل بين الحلم والحقيقة، يتهدم الحائط بينهما أو يصبح شفافاً غير مرئي، فتختلط علينا الحياة، وتتوه الحقائق وسط الأحلام.
إلا أنني في صباح اليوم، وبعد أن ضغطت على الأزرار اللازمة للوصول إلى حسابي على الموقع الأزرق، أخبرتني رسالة جافة قصيرة أنه قد تم حظر حسابي بسبب اختراقي لقوانين الموقع وسياساته.

-2-

تعرفت إلى ريهام منذ أسابيع قليلة، في شكل افتراضي، أرسلت لها طلب صداقة، ربما لا تكون كلمة «صداقة» مناسبة إلا أنها كلمة أنيقة تصلح كغطاء لذلك التعارف غير البريء، ويبدو أن ما أنشره على صفحتي من قصص وحكايات – أغلبها غير حقيقي – قد لاقى إعجابها، فقبلت الطلب. ظللتُ أتابعها لأيام، أترقب خطاها، فتعرفت على اهتماماتها، مطربيها المفضلين، موقفها السياسي، حبها لباسم يوسف، وكرهها للمسلسلات التركية، وأخذت أكوّن عنها صورة أوضح يوماً تلو الآخر، حتى تحينت اللحظة التي تصورتها مناسبة لمحادثتها. تبادلنا بعض الجمل بترقب وحذر، وتكرر الأمر لأسبوع أو اثنين.
بالأمس قررت أنني في اليوم التالي سأطلب منها رقم هاتفها. وبعد أيام سأسألها أن نلتقي، نشرب القهوة في مكان لا يقدم قهوة جيدة، ولكنه يوفر مناخاً هادئاً مناسباً للقاء أول مع فتاة جميلة ذات جسد مثير ومتناسق. بعد شهر سأدعوها إلى السينما، سأقبّلها قبل كلمة النهاية، وفي الشارع سأعترف لها بحبي وسط جموع المارة، بينما يسير الناس على جانبينا بخطوات واسعة من دون أن ينتبهوا لوجودنا. تخيلتها في فستان الزفاف، تخيلت جسدها العاري على السرير، سمعت تأوهاتها، وأحسست ملمس نهديها، ورأيتنا على الشاطئ في شهر العسل، وتأملت بطنها المكورة أمامها، ولاعبت خالد ومن بعده سلمى في مهديهما. إلا أن رسالة الفايسبوك صباح اليوم عطلت كل شيء.
-3-

لم أعلم ما الأمر الذي أغضب مني المؤسسة العالمية، إدارة الكون الجديد، ما الذي نشرتُه مخالفاً لسياسات الفايسبوك.
لم أعرض صوراً عارية، لم أدع للعنف أو التمييز العنصري، لم أزعج المنتجين والناشرين وأصحاب المال الوفير بنشر روابط لأفلام أو روايات مقرصنة، لم أسب أو أقذف أياً من مواطني الفايسبوك، لم أرسل لأصدقائي الفيروسات، لم أدعُ إلى ثورة ضد قيادات الموقع ونظامه، لم أنشر طاقة سلبية، ولم أدعُ إلى التفاؤل، لم أخدع الناس بأمل كاذب أو أخبار وردية، ولم أواجههم بحقيقة واقعنا البائس، لم أفعل أياً من ذلك.
أرسلت العديد من الإيميلات إلى طاقم الدعم الفني الخاص بالموقع، ولم أتلق إلا رسائل جافة أخرى، وهو ما زادني غضباً وأجج عصبيتي، على رغم وعدهم بالبحث في أمري خلال أسبوع.
في نهاية اليوم، سجلت بريداً الكترونياً جديداً كي أنشئ صفحة بديلة على الموقع الأزرق، أعيد بناء عالمي المنهار. اخترت لنفسي صورة جديدة، تخفي شعيراتي البيضاء المتناثرة، مختلفة عن صوري في الحساب السابق، ودفعت بتاريخ ميلادي عامين إلى الأمام، كتبت اسمي ثلاثياً في هذه المرة، لم أشر إلى دراستي للطب واكتفيت بكلمة «قاص» في خانة المهنة. جلست لساعتين أختار كل التفاصيل، أدقق فيها، أدشن كياني من جديد، ثم نظرت إلى الصفحة بعدما أضفت إليها صوراً لألبير كامو وألبير قصيري وسعاد حسني ومارادونا، وقلت «هذا أنا»، ثم صمت للحظة وقلت «هذا ما أحب أن أكونه».
-4-

كنت أنتظرها أثناء مكوثي أمام شاشة الفايسبوك، قد تظهر في أي وقت بين قائمة الأسماء الطويلة. تبرز صورتها وهي ترتدي جيبتها القصيرة وبلوزتها المزركشة. سأصبر لدقيقة أو بضع دقائق. قد تتحدث هي أولاً، سأظل فاتحاً لشباك محادثتها متتبعاً تطوره، متمنياً أن يتحول إلى وضع الكتابة.
سأبحث عن أغنية مناسبة، قد تكون لفيروز إن كنا في الصباح أو لعمرو دياب في منتصف اليوم ومحمد فوزي ليلاً، وربما نكتفي بقطعة موسيقية رائقة ومجهولة النسب.
قبل أن نبدأ محادثتنا، أقلب بين صورها بحثاً عن صورتها بالبلوزة البيضاء الهفهافة اللامعة فى ضوء الشمس، أتأملها وأتساءل، هل تفعل مثلي؟ هل تفتح الشباك وتترقب هي الأخرى؟ تروق لي تسمية صندوق المراسلة هذا بالشباك، فهو فعلاً أقرب ما يكون إلى ذلك، شباك يملك صاحبه فتحه وغلقه بوجه الزعابيب، لكنه لا يستطيع منع الرياح من الاصطدام به ليل نهار.
ولكنى الآن لم أعد قادراً على تتبع حركتها كما اعتدت أن أفعل، هل تفتح شباكها الآن؟ أم أن شباكها مشغول مع شخص آخر؟ وماذا يقولون؟ هل تستند إلى طرف شباكها ويتدلى جسدها الصغير من فوق سوره؟ وهل تنظر إليه بعينيها البنيتين؟ هل هما بنيتان فعلاً؟
-5-

الخطوة التالية هي البحث عن الأصدقاء، ولمّ شملهم من جديد. كان لي ثلاثة آلاف صديق افتراضي في صفحتي المغلقة. أما فى الحياة فلا يمكنني أن أعد ثلاثة أصدقاء حقيقيين. رحلة البحث عن ثلاثة آلاف رجل وفتاة، منهم المئات ممن لا يربطني بهم أي شيء على الإطلاق، هو أمر شبه مستحيل، لكنني سأبحث عن المعارف الحقيقيين، زملاء العمل، أصدقاء الطفولة، صحبة المقهى، الحسناوات اللواتي لا أنساهن، الفتاة ذات الجسد الملفوف، والسمراء المكتنزة، وأبحث في صفحة كل منهم عن المزيد من الأصدقاء. وهكذا أشيّد حياتي من جديد، سأكون قادراً هذه المرة على أن أستبعد كل من منعني الحياء من حذفهم في الماضي، وكذلك ستستبعد ذاكرتي كل من لا يروق لها.
صفحتي بيضاء الآن كمولود جديد وأستطيع أن أخطها بما أشاء.
كانت ريهام أول من بحثت عن اسمها فى تلك المرة، سيكون إغلاق حسابي السابق وعودتي لحياتها بصورة جديدة مادة خصبة للحكي والحديث حتى أكمل خطتي المُعطلة.
-6-

مر أسبوع، لم يرد الموقع على رسائلي وشكواي، إلا أنني فقدت الأمل ولم أعاود المراسلة، ولم أصل إلا إلى أربعمائة من الأصدقاء. تاه الباقون من دون سبيل للوصول إليهم، كما أن ريهام لم تقبل طلب الإضافة. لا أعرف السبب، ألا يروق لها حسابي الجديد؟ ألا تعتقد أنني الشخص نفسه الذي حدثته من قبل؟ ألا تحب صورتي التي أبدو فيها أصغر سناً؟ هل تفضل شعري الأبيض؟ أم أنها أرادت التخلص مني منذ البداية وما أن واتتها الفرصة حتى تحينتها؟
أرسلت رسالة غاضبة إلى إدارة الموقع لما أفسدوه في حياتي بسبب خطأ غير مفهوم قام به موظف أحمق. بعثتها وانتظرت رداً على قدر ما بثثته من غضب في رسالتي الأخيرة. عدت للبحث عن أصدقائي القدامى في أثناء انتظاري. صادفت حساباً لفتاة شقراء بشعر ذهبي وبشرة لامعة، ترتدي فستاناً يكشف عن ساقيها ويبرز كتفيها المرمريين. لم تكن في قائمة أصدقائي الحالية أو السابقة، وللغرابة وافقت على طلب صداقتي فوراً. نسيت أمر رسالتي الغاضبة، انشغلت بأمر الشقراء، تخيلتها معي في السينما، تخيلت القبلة في نهاية الفيلم، فستان الفرح، جسدها العاري على السرير، ثم خالد وسلمى.
ظللت أتقلب في صفحتها حتى صباح اليوم التالي، ومع شروق الشمس، وصلتني رسالة جافة أخرى تخبرني بأسف الموقع لما حدث، إلا أن حسابى السابق قد أُغلق إلى الأبد، عليّ أن أعامله كميت دُفن وواراه التراب، وأبحث لنفسي عن حياة جديدة، مع تحيات إدارة الموقع والموظف المسؤول.

* قاص مصري