تكتسب البنية المكانية في رواية «بيت السودان» (دار الآداب) للكاتب العراقي محمد حياوي وظيفة المُحرك لدفة السرد من خلال ثنائية العالم بين محورين. الأولُ يتجسدُ في بيت السودان الذي يُعد ملاذاً للنساء اللواتي يهربن من الأهل ويحتمينَ بالبيت الواقع في الطرف القصي من المدينة حيثُ تقامُ ليالى الجمعات، وحفلات رقص يتوافدُ إليها الكسبة والكادحون كأنهم يجدون في ذلك عزاءً من قساوة الحياة. وما المحور المُقابل سوى عبارة عن كل ما يقع خارج أسوار البيت. ومن المعلوم أنَّ الأمكنة تعبّر عن طبائع أصحابها، وتنعكس في مناخها ظلال سلوكياتهم وطقوسهم.


كما يشكل المكان خلفية للشخصيات الروائية، ويحدّد رؤاها والمديات التي تتحركُ فيها. أمرٌ تراه بوضوح في علاقة ياقوت بالبيت الذي سنّت قوانينه من جانب، ودور بيت السودان في نشأة شخصية علي ومستوياته النفسية من جانب آخر. إذ لا ينفصل البعد المكاني المتمثل بالبيت عن شخصية المربية في ذهنية الطفل اللقيط بحيث يُصبح شخصية إنطوائية ولا مبالية تعجزُ عن التواصل مع الأوساط المختلفة عن بيئة البيت. ولا ينسلُ علي في كل أطواره من عالم ياقوت المرأة الناضجة التي تنضح بفتنة الأُنثى، كما تطارده روح تقية الفتاة التي انتحرت بعدما خاب أملها بحبه وطردتها ياقوت من البيت عندما تنبهت لمحاولاتها لغواية علي. فلا يجوز القيام بما يدنس المكان وفقاً لأوامر صاحبةُ البيت. وهذا الجانب من شخصيتها يُحيلكَ إلى شخصية جبلاوي في رواية «أولاد حارتنا». كما أنَّ العنوان «بيت السودان» يُذكرك بما وُصِف بالبيت الكبير في رواية نجيب محفوظ حيثُ لا يتمتعُ بالإقامة في كنفه إلا من رهن نفسه بإرادة جبلاوي. غير أنَّ مؤلف «خان الشابندر» ينحتُ شخصية ياقوت التي كان الجميع يعشقها ويخاف منها وفقاً لمواصفات إنانا السومرية.
أشرنا في ما سبق إلى أنَّ شخصيات محمد حياوي الوافدة إلى البيت، لجأت إلى هذه البقعة خوفاً من الفضيحة. وبذلك، فتاريخ هؤلاء النسوة خارج مساحة «بيت السودان» يظلُ غائماً ومجهولاً، ما يعني أن الهوية في صيرورة دائمة بفعل تحولات الأمكنة وشبكة العلاقات التي تتباين بتباين البيئة. يُذكر أن الشخصيات التي تتحركُ على مسرحِ الرواية تتفاوتُ أدوارُها. يدفع المؤلف بعدد من شخصياته نحو الواجهة، ويصف تكوينها الاجتماعي على لسان علي الذي يُسند إليه مهمة تقديم الرجال الذين يرتادون «بيت السودان». في المقابل، يتأخر ظهور بعضها الآخر، وهذا ما يخدم البناء الدرامي للعمل. تحتلُ شخصية ياقوت وعلي حيزاً واسعاً من المشهد، إضافة إلى عفاف وهي شخصية فاعلة إلى جانب ما تُمثله من اتجاه فكري معين بحيث تتصرفُ بوحي المبدأ. بخلاف شخصية السيد محسن المعمم الذي تتقلبُ انتماءاته، فإنَّ ابنة زيدان الحوذي تتكفلُ برعاية علي عندما تغيبُ ياقوت. فالأخيرة راقبت تطور العلاقة بين الاثنين. وحين يتوارى الفتى عن أنظارها، تستجوبه حول تفاصيل دقيقة وطبيعة تواصله مع عفاف التي تتصف بالجرأة، وتأنيب صديقها كونه بعيداً من النشاطات السياسية في الوسط الجامعي، وما برحت تسعى لِمَعرفة مشاعره المكتومة تجاهها. ولا تحجب هذه الشخصيات الثلاث الأساسية في دعم قوام الرواية، الأضواء عن غيرها. فإنَّ ضُمد، حارس الآثار في منطقة أور الغنية بالقطع الثمينة حيث ترقد رفات الملوك السومريين، يُبدّل هدوء البيت وحالته السكونية إلى أجواء مشحونة بالترقب والتوتر بتَكُهناته المُعْتَمِدة على قراءة الرُقم السومرية. وبينما احتفلَ بتراخي سلطة النظام وحملات إزالة آثار الحزب المُتنفِذ عقب كارثة الحرب، أسر ضُمَد للراوي بأنَّ الجيش سيعود إلى المدينة وأخبره بنزول العماليق في أور. ويُضيفُ الدكتور رياض بدوره مزيداً من التشويق إلى سلسلة السرد حين يسردُ قصة حبه للراقصة منيرة. إذ هام بها وتبعها في المدن التي حلت فيها قبل أن تغادر العراق من ميناء البصرة عائدة إلى الاسكندرية. وهنا لا يمكن تجاهل شخصية نانسي التي تَقع أسيرة بيد المُناهضين للاحتلال. وما تنطقُ به هذه المُجندة الأميركية يكشفُ وقوعها في شرك الخطاب السياسي التجهيلي، وتدخّلها لإطلاق سراح عفاف يُمَثِلُ وجهاً إنسانياً مُتضامناً مع الرافضين للاحتلال. يُذكر أنَّ رؤية مشروع الاحتلال من وجهة نظر الطرف المُحتل لم تعالجْ إلا قليلاً في الأعمال السردية، وما يلفتُ النظر في هذا السياق أنَّ مقاربة محمد حياوي لهذا الموضوع جاءت من خلال الصوت الأُنثوي المهيمن على الرواية.
استحضار شخصيات أنثوية ذات بعد أسطوري مثل أنخيدوانا


العلاقة الإشكالية القائمة بين الشخصيتين الأساسيتين ياقوت وعلي تشحن جسد النص على امتداد الرواية بالتوتر، وتُضمرُ إشارات إلى الحب المُحرم. إذ تنقلب العاطفة الجياشة إلى ورطة بالنسبة للجانبين. وعليه، فإنَّ روايات متعددة حول أصل الفتى المغاير بلون بشرته البيضاء عن النساء الغامقات، تثيرُ أسئلةً عن دور شخصية تبدو متأزمةً وتعاني العطب بعيداً عن سيدة «بيت السودان». فالأخيرة أيضاً تفتقدُ إلى صيغة لتوصيف العلاقة مع علي. تنهره عندما يصارحها برغبته في التواصل الحسي. كما لا تريد أن يعقد علاقة جسدية مع الإناث الأخريات. لذا، لا مُفاجأة في اعتراف علي أمام صديقته بأنَّه معطوب من دون ياقوت. وهذه الحالة قريبة مما تمرُ به شخصية كامل في رواية «السراب» لنجيب محفوظ. يذكر أنَّ المؤلف يتناولُ هذه الثيمة الحساسة من دون تدنّي اللغة إلى مستويات مُبتذلة ومتهتكة على رغم الإسهاب في وصف الجسد. فضلاً عن ذلك، فإنَّ محمد حياوي يُمررُ عبارات مُكثفة على لسان شخصياته. ما تقوله ياقوت عن وقع الحب لدى الأُنثى، يسمو إلى مرتبة كلام من نذر نفسه للعشق: «أعرف أرواح النساء عندما يتعلقن برجل ما يبقى عالقاً في شغاف أرواحهنَّ حتى بعد أن يَمُتنَ». يستحضرُ الكاتبُ في تضاعيف السرد شخصيات أنثوية ذات بعد أسطوري مثل أنخيدوانا التي تعد مثالاً لأدوار المرأة المتعددة في التاريخ، الشاعرة، ابنة الملك، الكاهنة. ضف إلى ذلك ما يوحي بوجود تناسخ للأرواح وتقاليد الكهنة السومريين في الملبس. أما بالنسبة للمستوى الزمني، فإنه تم تحديده عبر الإشارة إلى الحرب الخليج الأولى والاحتلال الأميركي للعراق. إذ يحترق بيت السودان إبان مد التدين الزائف. ما يجب الإشارة إليه أن السرد يتميزُ بانسيابية ورشاقة في التنقل بين فقرات الرواية من دون حشو وإسراف في الوصف.