كلّنا يعرف المثل الشهير المنسوب لامرئ القيس: «اليوم خمر، وغداً أمر»، فهو علامة في الوعي العربي المثقف.

وقد فهم تاريخياً هكذا: «اليوم استرسالٌ ولهوٌ، وغداً الجد والتشمير» (العسكري، الأمثال)، أي إنه قول للحزم في وقت الحزم. وقول لاكتمال أزمنة الأشياء. فلكل أمر وقت؛ للهو وقت، وللجد وقت. وعلى الأمور أن تتم ما دام حائناً وقتها، إذ لا يمكن العبور من زمن إلى زمن قبل أن يستنفد الزمن القديم وقته، وقبل أن ينضج الزمن الجديد شرطه. وحسب الرواية الشائعة، فإن امرأ القيس نطق بهذا القول حين سمع بمقتل والده حجر: فلما سمع أبناؤه الخبر عند مقتل أبيهم جزعوا كلهم، إلا امرأ القيس، الذي يروى أنه كان في مجلس شرب مع نديم له يلاعبه النرد. وقال له الناعي: يا امرأ القيس: قتل أبوك. فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه عن اللعب. فقال له امرؤ القيس: اضرب. فضرب نديمه النرد، حتى إذا فرغ، قال له امرؤ القيس: ما كنت لأفسد عليك لعبك. ثم التفت إلى الناعي، وسأله عن أمر أبيه، فأخبره الخبر، فقال امرؤ القيس: اليوم خمر وغداً أمر، لا صحو اليوم ولا سكر غداً، فأرسلها مثلاً يضرب لمن كان مشغولاً بشيء وأتاه أمر جلل، فلا يستجيب له حتى يكمل ما في يده.
وثمة صيغة أخرى للمثل لفظها مختلف تماماً، لكنها تحمل المعنى ذاته، إذ يُزعم أن امرأ القيس قال عند سماع خبر مقتل أبيه: «اليوم قِحافٌ، وغدا نِقافٌ» (الجوهري، الصحاح). ويقال لنا إن القحاف هو الشرب، أو الشرب الشديد: «القَحْف والقِحاف: شدة الشُّرْب» (لسان العرب). أما النقاف فهو المضاربة بالسيف على الرؤوس بالسيوف في الحرب. بالتالي، فأمر امرئ القيس مقسوم إلى خمر وأمر، هزل وجد، شرب وحرب.
هكذا فهم قول امرئ القيس، وهكذا رسخ في الوعي.

الدهر يومان
لكنني راغب هنا في أن اقترح فهماً مختلفاً لهذا القول ــ المثل. ويقوم هذا المقترح على أن الفهم السائد منبثق عن تصحيف محدد في كلمة «أمر»، سأتحدث عنه تالياً. ويضيف المقترح أن هذا القول يجب أن يدرج في سياق أسطورة اليومين الشهيرين: يوم السعد ويوم البؤس، أو يوم النعيم ويوم النحس. وهي أسطورة تعمّ الجزيرة العربية كلها، وتنسب بطولتها للعديد من الأبطال الأسطوريين. فهي تنسب لـ: النعمان بن المنذر، أو لوالده المنذر، كما تنسب لعمرو بن هند، ولجذيمة الأبرش، وللمنذر بن امرئ القيس بن النعمان أيضاً. فلكل واحدة من هذه الشخصيات يومان: يوم سعد ويوم نحس. كما أن الشعر العربي كله متورط في هذه الأسطورة تقريباً. فهي على علاقة ما بـ: عبيد الأبرص، والنابغة، وطرفة، والمتلمس، وامرئ القيس كما سنرى. كل واحد من هؤلاء له شأن مع الأسطورة ومع صاحبها، أياً كان اسم هذا الصاحب.
والفارق بين يومي الأسطورة ويومي امرئ القيس يتعلق باللفظ لا بالمعنى. فبدل يوم السعد ويوم البؤس، نحصل عند امرئ القيس على يوم الخمر ويوم الأمر. واختلاف اللفظ هذا أسهم في عزل قول امرئ القيس عن سياقه، سياق أسطورة اليومين، وأدى إلى أن يبدو كقول فريد، ومختلف جذرياً. بذا، فاقتراحنا يساوي بين يومي امرئ القيس واليومين الأسطوريين:
يوم سعد يوم بؤس
يوم نعيم يوم نحس
يوم خمر يوم أمر
يوم قحاف يوم نقاف
وهذا يعني أن يوم النعيم والسعد هو يوم الخمر، وأن يوم النحس والبؤس هو يوم الأمر. بذا، فكلمة «الأمر» يجب أن تكون على علاقة بالنحس والبؤس بشكل ما، مع أن لا أحد فسرها هكذا. وسوف نعود إلى هذه الكلمة تالياً لنكشف ارتباطها بالبؤس والنحس.
ولعل قصة عبيد بن الأبرص مع يومي النعمان هي الأفضل لعرض أسطورة اليومين، إضافة إلى أنها الأشهر والأمتع. وهي قصة تتطور عبر الأمثال، مشكلةً كتلة من الأمثال العنقودية. وتقول لنا القصة إن: «المنذر بن ماء السماء، أو النعمان، على خلاف بينهم، كان قسّم دهره يومين: يوم نعيم ويوم بؤس. فكان كل من لقيه في يوم النعيم أجزل صلته، ومن لقيه يوم البؤس قتله. فبينما هو في أيام بؤسه، إذ طلع عليه عبيد بن الأبرص. فقال له الملك: ألا كان الذبح لغيرك؟ فقال عبيد: أتتك بحائنٍ رجلاه. قال الملك: أو أجلٌ بلغ أناه. ثم قال له: أنشدني يا عبيد، فقد كان يعجبنا شعرك. فقال عبيد: حال الجريض، دون القريض، وبلغ الحزام الطبيين. قال: أنشدني: أقفر من أهله ملحوب/ فالقطبيات فالذنوب... فقال عبيد: أقفر من أهله عـبـيد/ فاليوم لا يبدي ولا يعيد... فقال له الملك: لا بد من الموت، ولو لقيني أبي في هذا اليوم لم أجد بداً من أن أذبحه» (اليوسي، زهر الأكم). ثم ذبحه.
إذن، فعالم المنذر مقسوم إلى يومين: يوم نعيم ويوم بؤس. ويوم البؤس هو يوم القتل والذبح. وقد أتى عبيد إلى المنذر، أو النعمان، في يوم البؤس، فقتل. ويبدو أن الثيمة المركزية في الأسطورة أن يأتي الذبيح برجليه إلى موته:«أتتك بحائن رجلاه». عليه، فاليوم الثاني بين اليومين هو دوماً يوم القتل والذبح. «وسمى أحد اليومين يوم البؤس وهو اليوم الذي يَقتل فيه ما ظهر له من إنسان وغيره، وسمى الآخر يوم النعيم يُحسن فيه إلى كل مَنْ يلقى من الناس» (ياقوت الحموي، معجم البلدان). وثمة نسخة للقصة يكون جذيمة الأبرش، نديم الفرقدين، بطلها.
أما «مضرط الحجارة» الشهير، أي عمرو بن هند بن المنذر، فكان له يوماه أيضاً: «زعموا أنه كان له يوم بؤس ويوم نعيم، فيوم يركب في صيده يقتل أول من لقي، ويوم يقف الناس ببابه فإن اشتهى حديث رجل أذن له، فكان هذا دهره» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب). وقد علِق طرفة بن العبد، مثله مثل عبيد الأبرص، مع هذين اليومين. لكن بطل قصته كان قابوس بن مضرط الحجارة. وقد أشار طرفة إلى هذين اليومين في شعره: لنا يوم وللكروان يوم/ تطير البائسات ولا نطير/ فأما يومهن فيوم سوء/ يطاردهن بالحدب الصقور. يوم الكِروان هو يوم البائسات، ويومهن يوم سوء. أما اليوم الآخر فهو الشراب والمنادمة. لكن الأبيات لا تحدثنا مباشرة عن مصير طرفة. بيد أن يومه كان يوم السوء في ما يبدو، إذ نعلم أنه ذهب برجليه إلى عامل النعمان على البحرين (أتتك بحائن رجلاه). أما خاله المتلمس، فلم يذهب برجليه فنجا. ومصير طرفة والمتلمس، يشبه مصير سعد وسعيد في المثل: «أنج سعد، فقد هلك سعيد». سعيد هو طرفة، أي هو يوم البؤس، وسعد هو المتلمس، أي يوم السعد والنعيم.
الخروف أم الحرب؟
وإذا كان الامر كذلك، أي إذا كنا دوماً مع يوم خمر وبهجة ويوم قتل ويوم ذبح، فلماذا جرى تخفيف الصيغة عند امرئ القيس من البؤس إلى «الأمر»، أي الجد؟ أو لماذا استبدل القتل بالحرب إذا كان «الأمر» يعني الحرب؟ لماذا جرى تجنب الذبح المحتوم في اليوم الثاني، يوم البؤس؟ فالحرب قضية احتمالات. وقد تنتهي بالهزيمة والقتل أو بالانتصار والنجاة، بينما النماذج الأخرى التي بين أيدينا تتحدث عن يوم للموت والقتل لا مفر منه؟
نظن أن هذا ناتج من قراءة خاطئة ومصحّفة لكلمة «أمر» في جملة امرئ القيس، إذ يبدو أن علينا قراءتها على أنها «إمَرّ»، بكسر الهمزة، وفتح الميم، وتشديد الراء، أي إن المثل هكذا في الأصل: اليومَ خمرٌ وغدا إِمَرّ. والإمَرّ هو الخروف أو الجدي: «الإِمَّرُ: الصغير من الحملان أَوْلادِ الضأْنِ، والأُنثى إِمَّرَةٌ. وقيل: هما الصغيران من أَولادِ المعز.. والإِمَّرُ الخروف» (لسان العرب). وإذا صحت هذه القراءة، فإن اللغز يحل، ويصبح القول متماسكاً. فامرؤ القيس يتحدث في القسم الثاني من قوله عن الخروف، أي عن الأضحية، عن القتل، ويوم البؤس والنحس. بالتالي، فهناك يوم للخمر والطرب واللهو والنعيم، ويوم آخر للبؤس والنحس، يكون فيه المرء ذبيحاً قتيلاً كالخروف- الإمرّ. وبهذا يتوافق قول امرئ القيس مع السياق العام لأسطورة يومي النعيم والبؤس.
يؤيد فرضنا أن مضرط الحجارة أرسل مرة خروفاً وحمّله سكيناً وزناداً، أي حمله أداة ذبحه، وأداة حرقه كأضحية، وذهب الكبش إلى حتفه برجليه. وفي هذا الكبش يقول المثل: كالكبش يحمل شفرة وزناداً: «سمّن عمرو بن هند الملك كبشاً وعلق في عنقه شفرة وزناداً ثم سرحه لينظر هل يجترئ أحد على ذبحه» (الزمخشري، المستقصى في أمثال العرب). وفي نهاية القصة، يذبحه أحد ما فيذبح به. بذا يتضح أن الكبش يساوي في الواقع الرجل الذبيح.
إذا صح هذا، نصل إلى أنه يصعب جداً ربط القول بمقتل والد امرئ القيس. فقول امرئ القيس قول عمومي، ذو طابع كوني، يقال في قصص تكرر الأسطورة، أسطورة اليومين المتعاكسين، وليس قولاً يتعلق بحادثة مقتل الأب كما تقول القصة. بذا، يمكن افتراض أن قصة مقتل والد امرئ القيس موضوعة، وأنها وضعت بناءً على القراءة المصحفة.
وإذا ما كان قول امرئ القيس يتحدث فعلاً عن إمَرّ، أي خروف، فهذا يعني أن قوله يأخذ شكل شطر بيت شعري. فهو موزون تماماً: «اليوم خمرٌ وغدا إمَرُّ». وهذا ما يتوافق مع الوضع. فالشاعر يزن كلامه.
وثمة بيت شعري يلعب فيه صاحبه على قول امرئ القيس يدعم استخلاصنا:
اليوم خمر، ويبدو في غد خبر
والدهر ما بين إنعام وإبئاس
وهكذا فالخمر يساوي الإنعام، أي يوم النعيم، والخبر، أي الأمر، يساوي الإيئاس، أي يوم اليأس والبؤس.
لكن عليّ أن أقول في النهاية، إن هذا التصحيح لقول امرئ القيس لن يؤدي إلى تغيير معنى المثل. سيظل المثل يملك المعنى ذاته، كما أنه سيظل يضرب في الوضع ذاته. لكنه سيؤدي إلى أن ندرك أن سوء الفهم يمكن له أيضاً أن ينتج أكثف المعاني، وأشدها أصالة، في ثقافة ما.
* شاعر فلسطيني