القاهرة | يسرد الشاعر الفلسطيني محمود درويش ما يستحق الحياةَ على هذه الأرض. يذكر من ضمن ما يذكر «ساعة الشمس في السجن». الشمس أقصى طموحات السجين الذي تواجهه عذابات نفسية وجسدية وروحية يحاول التغلب عليها بالعديد من الوسائل، بينها الفن والكتابة. في محاولة لتوسيع الزنزانة بالخيال، أسس المعتقلون المصريون في الستينيات مسرحاً في سجن الواحات. وفي محاولة لتوسيع الزنزانة، تحول السجن نفسه إلى متحف مفتوح عبر الرسومات التي أنجزها السجناء. بل إنّه في أول أيامه في سجن الواحات عام 1959، حوّل الفنان حسن فؤاد بوابة الزنزانة إلى لوحة تشكيلية، كأنّه يؤكد أن الفن للحياة والنجاة والمقاومة!

«العشاء الأخير» للمصري حسن سليمان (زيت على كانفاس ــ 120.5×198.5 سنتم ــ 1967)

قبل سنوات، كنت أبحث عن وثائق خاصة بسجناء الرأي. اقترح أحد الأصدقاء اسم ألبير اريه المناضل المصري الذي تردد على سجون مصر في عهود مختلفة، بتهمة واحدة هي الانتماء إلى تنظيمات يسارية. عند ألبير وجدنا الكثير: شقته تشبه متحفاً صغيراً، لوحات، عصافير محنطة، ألبومات لصور من داخل السجن بعدما نجح في تهريب كاميرا صغيرة، راديو ترانزستور من بقايا تجربة السجن.. عشرات التماثيل الصغيرة والكبيرة (عمل صبياً لفنانين كبار في مدرسة النحت في السجن). لوحات رسمها كبار الفنانين، ألبوم كامل يضم لوحات رسمت على علب السجائر وأوراق البفرة. كتب قطعت هوامشها ببراعة لأنها حملت يوماً ما بعضاً من رسائل التنظيم السرية. نحن أمام متحف كامل لتاريخ مصر السري. وفوق ذلك حكايات. يرينا لوحات حسن فؤاد التي رسمها بعناية، وبإمكانيات محدودة: ميكركروم؛ أو فحم؛ أو بأقلام مهربة، لوحات للسجناء أنفسهم، وللزهور، ولسيدات يرقصن. كأنه يقاوم النسيان بالفن، يحاول أن يتذكر الخارج عبر استحضار هذه الألوان والوجوه، «حيث ينسى السجين الرائحة والألوان» كما يقول علي الشوباشي في كتابه «مدرسة الثوار: الحياة الثقافية في سجن الواحات».
رغم تصور الأدباء والكُتّاب أن العالم أو الوطن أو المجتمع رمز لسجن كبير، إلا أن ممارسة الحياة بين أربعة جدران تظل تجربة خاصة للمسجونين. بين المساحة المكانية الضيقة والمساحة الزمانية الممتدة، يمكن أن يعاد تشكيل الإنسان.
ربما لهذا يعتبر السجن أحد الموضوعات الأثيرة لدى الكتاب المصريين، باعتباره إحدى التجارب التي خاضها معظمهم. عشرات المذكرات والكتابات، والإبداعات التي تناولت التجربة. ربما كانت البداية عام 1936، حين أصدر محمد شكري الكرداوي كتابه «55 شهراً في مخبئي». كتاب يعتبره النقاد أول مساهمة في أدب السجون. حاول الكرداوي اغتيال السلطان حسين كامل عام 1915، وفشلت المحاولة، وفشل البوليس في القبض عليه، لكنه تنكر في زي شيخ «مبروك» يتنقل بين القرى المصرية، خمس سنوات كاملة حتى صدر قرار بالعفو عن المعتقلين والمطلوبين السياسيين.
مر يوسف إدريس على السجن لأشهر عدة، كي يكتب بعدها قصصاً عدة عن التجربة من بينها «مسحوق الهمس»، حيث يعيش البطل في زنزانة يلاصق جدارها زنزانة للنساء. يحاول أن يتصل بالساكنات فيها عبر دق الجدار بواسطة آنية الطعام المعدنية، فيأتيه الرد على شكل همهمة، تكون بداية لقصة حب مع حبيبة متوهمة، يمنحها اسماً وينحت لها رسماً. لكنه سيفيق من هذا الحلم حين يخبره الحارس أن الزنزانة التي كان يتخاطب معها عبر الدق على الحائط، تقع في سجن الرجال نفسه، وإن الذين يبادلونه الطرق على الجدران، كانوا رجالاً مثله!
أما تجربة الستينيات المصرية، فيمكن اعتبارها ابنة السجن. بدأ معظم رموز هذا الجيل الكتابة في السجن. في 1959، قُبض على صنع الله إبراهيم، وعبد الحكيم قاسم، كمال القلش، ورؤوف مسعد. بعد تنقلات بين سجون مختلفة، اجتمع الأربعة في سجن واحد خمس سنوات، لم يكونوا قبلها قد مارسوا الكتابة. بعد خروجهم، اختاروا الكتابة بديلاً من العمل السياسي المباشر، واختاروا أيضاً السفر في رحلات منفى طالت عند بعضهم، وكانت عابرة عند بعضهم الآخر. تجربة السجن اعتبرها صنع الله «أخطر واهم تجربة في حياتي. عايشتُ القهر والموت، ورأيتُ بعضَ الوجوه النادرة للإنسان، وتعلَّمتُ الكثير عن عالمه الداخلي وحيواتِه المتنوِّعَة، ومارستُ الاستِبطان والتأمُّل، وقرأت في مجالات متباينة، وفيه أيضاً قررت أن أكون كاتباً». في السجن، كان صنع الله في «كلابش» واحد مع شهدي عطية الشافعي. تعرضا للتعذيب، ومات شهدي. كانت الصدمة الأولى في حياة صنع الله الذي اكتشف مع هذه التجربة أن «الكتابة» قد تكون شكلاً من أشكال التعبير: «بدأت أشعر أني سأكون أكثر حرية لو كتبت (...) وكان في ذهني أن أحكي لحظة بلحظة عندما مات شهدي عطية وبدأت أفكر أن ممارسة الكتابة هي الشيء الذي يمكن أن أركز عليه». بعد الافراج عنه، كتب روايته الأولى «تلك الرائحة» التي تصدرها مقتطف لجيمس جويس «أنا ابن هذا المجتمع وابن هذه الحياة وسأعبر عن نفسي كما أنا». أثارت الرواية ضجة ليس فقط سياسية وفنية، بل عائلية أيضاً. وبعد سنوات، كتب حكاية سجين آخر في روايته «شرف».
أما عبد الحكيم قاسم، فاعتبر السجن «تجربة فادحة». وصف «جدران السجن» في كتابه «قدر الغرف المقبضة»: «المؤكد أن الزنزانة شيء مختلف، ليس ذلك لأنها أكثر قذارة أو أقل أناقة، بل لأن الرعب الكامن في جدرانها وشباكها وبابها شيء لا يحتمله قلب إنسان. إن الذل والإهانة في هذا المكان، كائنان يحولان الإنسان إلى شيء مهيض يمكن سحقه في أي لحظة، بدون أن يكون في وسعه الفرار أو المناورة أو الدفاع عن نفسه». داخل السجن، تفجرت الطاقات الإبداعية لرؤوف مسعد، فأخرج عمله المسرحي الأول داخل السجن ومن ثم توالت أعماله من بينها «بيضة النعام» التي تحدثت عن تجربة السجن. أما كمال القلش، فكتب في السجن قصته الأولى التي فازت بالجائزة الأولى في مسابقة للقصة القصيرة نظمها المساجين في معتقل الواحات الصحراوي، وكان بين أعضاء لجنة التحكيم نقاد من وزن محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس. وكانت الجائزة الثانية من نصيب صنع الله إبراهيم. بعد عامين من الافراج عن هؤلاء، كان المعتقل على موعد مع أسماء أخرى، جمال الغيطاني، صلاح عيسى، سيد حجاب، عبد الرحمن الأبنودي، محمد العزبي، سيد خميس وآخرين. كانوا جميعاً قد بدأوا الكتابة، حتى إن قصص الغيطاني الأولى تحدثت عن تجربة الاعتقال ولم يكن قد اعتقل بعد. كانت الخطوة الأولى في السجن أن يفقد الشخص اسمه، يصبح مجرد رقم. كان الغيطاني يحمل رقم 34، والأبنودي 21. ثم تبدأ بعد ذلك وجبة التعذيب التي وصفها الغيطاني بدقة في روايتيه «الزيني بركات»، و«التجليات».
لم يجرب نجيب محفوظ أو فتحي غانم السجن، لكنهما تحمسا للكتابة عن هذه التجربة إيماناً منهما أن الروائي صوت من لا صوت له. كتب محفوظ «الكرنك» عن فساد أجهزة الأمن المصرية وتلفيقها القضايا، كما كتب فتحي غانم «حكاية تو» عن اغتيال شهدي عطية الشافعي.
مصر الآن، تمتلئ سجونها بالمعتقلين، يمتلك بعضهم قدرة على كتابة تجربته، ويحكي البعض لآخرين قادرين على منح صوت لمن لا يملكون القدرة على الكتابة. لكن حكاية السجن في هذه المرحلة لم تكتب إلا عابراً، كما فعل أحمد خير الدين في «من الشباك». وحده الديكتاتور قادر أن يدخل التاريخ من باب الفضيحة. يخلده الكتاب والأدباء دائماً في كتاباتهم كوحش يلتهم حيواتهم!