صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر

يعتبر سهراب سپهری (١٩٢٨ــــ١٩٨٠) من أبرز وجوه الشعر الإيراني المعاصر، الى جانب فروغ فرخزاد، وأحمد شاملو، ومهدي إخوان ثالث، وسيمين بهبهاني وغيرهم، ممن داروا في فلك نيما يوشيج، الأب الأول للقصيدة الإيرانية، وطبعوا النصف الأول من القرن الماضي بتجاربهم المميزة وانقلابهم على الرباعيات ومطولات الشعر الوعظي والأشكال الجامدة للشعر الإيراني الكلاسيكي. كان سهراب شاعراً ورساماً في الوقت نفسه، بحيث تسرب الشعر بوضوح الى لوحاته، واحتوت قفزاته الشعرية روحاً حساسة ملونة. ميزته الأساسية هو هذا المسار المتقابل بين عالم الطبيعة وعالم الأفكار، ما سيعيننا على فهم كتابته الصوفية المتوترة حيث فكرة ما تتمثل في صورة شجرة، أو مفهوم فلسفي يأخذ شكل زقاق حجري صغير. شعر سهراب سبهري في رمزيته المكثفة واستعاراته الكثيرة الأشبه بأحلام الأطفال، لم يترجم في مجمله إلى لغة الضاد. هنا ترجمة لبعض مقاطع «خطى الماء»، التي تعتبر جوهرة شعرية مميزة في كنز الصائغ الإيراني الكبير.
ترجمة عن الفارسية:
مريم ميرزاده (شاعرة وروائية إيرانية)

سهراب سپهری
أنا من أهلِ كاشان
أيامي ليست سيئة
لي كسرةُ خبزٍ، بعضُ ذكاءٍ، ذوقٌ بحجم طرفِ إبرة
لي أمٌّ، أحلى من ورق الشجر.
وأصدقاء، أحلى من مياهٍ تجري.
وربٌّ على مقربة:
بين هذا المنثور، أسفلَ الصنوبرة العالية
فوق وعي الماء، فوق قانونِ النبات.

قبلتي جوريةٌ.
سجّادتي نافورةٌ، تربتي نور.
سهلٌ هي سجادتي.
أنا أتوضّأُ بنبضِ النوافذ.
في صلاتي، يجري القمر، والطيفُ يجري.
صلاتي من خلالِها يُرى الحجر:
كلّ ذرّاتِ صلاتي تبلورت
أنا أًصلي،
حينما يؤذّنُ الريح، فوق مئذنةِ السرو.
أنا أصلّي، بعد «تكبيرة إحرامِ» العشب،
بعد «قد قامت» الموج.
كعبتي شفاهُ الماء
كعبتي أسفلَ أشجار السنط.
كعبتي مثلُ النسيم، ترحلُ غابةً غابة، ترحلُ مدينةً مدينة...
«حجرُ الأسودِ» نورُ حديقتي

أنا من أهلِ كاشان.
مهنتي الرسمُ:
تارةً أصنعُ باللونِ قفصاً، أبيعُه لكم
ليحيا قلبُ وحدتِكم
مع أغنية الشقائقِ المحبوسةِ فيه.
كم خيالي، كم خيالي... أعرف.
ستارتي بلا روح.
أعرف جيداً، حوضُ لوحتي لا سمكَ فيه.

أنا من أهل كاشان.
لعلّ نسَبي يصل
إلى عشبةٍ في الهند، إلى آنيةٍ فخاريةٍ من رمادِ القزّ.
لعلّ نسَبي، يصل إلى عاهرةٍ في مدينةِ بخارى.
أبي خلفَ مجيءِ السنونواتِ الثاني، خلفَ ثلجَين.
أبي خلفَ رقدتَينِ تحت القمر.
أبي ماتَ خلفَ الأزمنة.
عندما ماتَ أبي، كانت السماءُ زرقاء.
أمي قفزت من نومها لا تعرف، شقيقتي صارت حسناء.
عندما ماتَ أبي، كل رجال الشرطة كانوا شعراء.
سألني الرجل البقّال: كم كيلوغراماً من الشمام تريد؟
وسألتُه: كم سعر أوقيةٍ من قلبٍ سعيد؟

أبي كان يرسم.
كان يصنع القيثار أيضاً، يعزف القيثار أيضاً.
وكان خطُّه جميلاً.

حديقتُنا كانت على أطرافِ ظلّ الحكمة.
حديقتُنا مكانُ انعقادِ الإحساسِ والنبات.
حديقتُنا نقطةُ التقاء النظرة والقفص والمرآة.
ربما كانت حديقتُنا قوساً من دائرة السعادة الخضراء.
كنتُ أمضغُ في ذاك اليوم فاكهةَ اللهِ الغضّة في النوم.
أشربُ ماءً يخلو من الفلسفة.
أقطفُ توتاً يخلو من العلم.
ما إن تنفطر رمانةٌ، كانت تستحيلُ يدَاً لسيلِ الرغبة.
ما إن يغني الطائر، يحترق الصدرُ من فرحِ السماع.
تارةً تُلصِقُ الوحدة وجهَها على زجاج النافذة.
يُقبِلُ الشوق، يلفّ ذراعيه حول عنق الحسّ.
كان يلعبُ الفكر.
كانت الحياةُ شيئاً، مثل انهمار العيد، مثل جمّيزةٍ، تملأها الزرازير.
الحياة آنذاك، كانت صفّاً من نورٍ ودُمى.
حضناً من حريّة.
الحياةُ آنذاك، كانت حوضاً من موسيقى.

الطفلُ ابتعدَ على رؤوسِ أصابعه شيئاً فشيئاً في زقاقِ اليعاسيب.
جمعتُ أمتعتي، رحلتُ من مدينة الأوهامِ خفيفاً.
مليئاً قلبي من غربة اليعسوب.

أنا لبّيتُ دعوةَ الدنيا:
رحلتُ إلى سهلِ الحزن
إلى حديقة العرفان
إلى شرفة العلم المضيئة.
وصعدتُ سلالمَ المذهب.
حتى انتهاء زقاقِ الشك.
حتى نسيمِ الاستغناءِ البارد.
رحلتُ إلى ليل الحبّ النديّ.
للقاءِ من هو في الطرف الآخر من العشق، رحلت.
رحلت، رحلت حتى المرأة.
حتى مصباح اللذة
حتى صمتِ الرغبة.
حتى صوت الوحدةِ الغزير.

كم رأيتُ أشياءَ على الأرض:
رأيتُ طفلاً يشتمُّ القمر
قفصاً بلا باب، رأيت، يرفرف الضياءُ جناحيه فيه.
سلّماً، يتسلقه العشقُ إلى سطح الملكوت.
أنا رأيتُ امرأةً، تطحنُ النورَ على الحجارة.
في الظهر على سفرتِهم خبزٌ، خضارٌ، قدَحُ ندى، وعاء محبةٍ ساخن.
أنا رأيتُ متسوّلاً، يقصدُ الأبوابَ يطلبُ أغنيةً لقبَّرة.
عاملاً يصلّي على قشرةِ شمّام.
رأيتُ خروفاً يأكلُ طائرةً ورقيّة.
أنا رأيتُ حماراً، یفهمُ العلف.
في مرعى الـ«النصيحة» رأيتُ بقرةً مكتفية.
رأيتُ شاعراً أثناء الخطاب، يقول للزنبقة: «حضرتك»

أنا رأيتُ كتاباً، كلماتُه كلها من جنس البلّور.
رأيتُ ورقةً، من جنس الربيع.
رأيتُ متحفاً بعيداً عن الخضرة،
مسجداً بعيداً عن الماء.
على سريرِ فقيهٍ مكتئب، رأيتُ إبريقاً يفيضُ بالسؤال.

أنا رأيتُ قطاراً، يقلُّ نوراً.
أنا رأيتُ قطاراً، يقلُّ فقهاً، وكم مشى بصعوبة!
أنا رأيتُ قطاراً يقلّ سياسةً، وكم مضى خالياً.
أنا رأيتُ قطاراً، يقلُّ بذور الزنبق وشدوَ الكناري.
وطائرةً، في أوجِ آلاف الأقدام هناك
يظهر التراب من خلال نوافذها:
عُرفَ هدهد
رقعَ جناحاتِ فراشة
صورةَ ضفدعٍ في حوض
وعبورَ ذبابةٍ من زقاقِ الوحدة.
رغبةَ عصفورٍ واضحة، حينَ يهبطُ من شجرة البلّوط فوق الأرض.
وبلوغَ الشمس.
واحتضانَ الدميةِ الحلوَ لوجه الصبح.

سلالمَ تصل حتى مشتلِ الشهوة.
سلالمَ تصلُ حتى سردابِ الخمر.
سلالمَ، إلى قانونِ فسادِ الجوري
وإلى الإدراك الرقمي للحياة،
سلالمَ حتى سطح الإشراق،
سلالمَ تصلُ حتى منصّةِ التجلّي.

أمي هناك...
كانت تغسلُ الفناجين بخواطر الشطّ.
كانت المدينة ظاهرة:
نموَ الإسمنت الهندسي، الحديد، الحجر.
سقف مئات الحافلات الخالي من الحمام
بائعاً للوردِ يعرضُ وروده بثمنٍ بخس.
بين شجرتَي ياسمين، يربطُ شاعرٌ أرجوحتَه.
ولدٌ يرمي جدارَ المدرسة، بالحجارة.
طفلٌ يبصقُ نواةَ المشمش، فوق سجّادة أبيه الشاحبة.
ومعزاةٌ تشربُ الماء، من «قزوينِ» الخارطة الجغرافية.

كانَ حبلُ غسيل: حمّالةُ صدرٍ، ولهى.
عجلةَ عربةٍ، في حسرة تعبِ الحصان،
حصاناً، في حسرةِ نومِ السائق،
رجلاً سائقاً، في حسرة الموت.

كان الحب، كان الموج،
كان الثلج، كانَ صديق.
كانت الكلمة.
كان الماء، صورُ الأشياءِ في الماء.
مظلةُ الخلايا الباردة، في دَفقِ الدم.
الناحية الرطبة من الحياة.
شرق حزنِ الصنف البشري.
فصل التشرد في زقاق المرأة.
رائحة الوحدة في زقاق الفصل.

في يد الصيف، كانت مروحة يدوية.
سفرُ البذرة إلى الزهرة.
سفرُ اللبلابِ من هذي الدار، إلى تلك الدار.
سفر القمر إلى الحوض.
فورةُ زهرة الحسرة من التراب.
سقوطُ الكرمة الشابّة عن الجدار.
انهمارُ الندى على جسر النوم.
قفزةُ البهجةِ عن خندق الموت.
عبور الحدث من خلف الكلام.

أنا قريبٌ من بدايةِ الأرض.
أقيسُ نبضَ الزهور.
على معرفةٍ أنا، بقدَرِ الماءِ الرطب، وعادةِ الشجرة الخضراء.
روحي جاريةٌ في الاتجاه الجديد للأشياء.
روحي صغيرة.
روحي أحياناً لفرطِ الشوق، تُصابُ بالسعال.
روحي لا تعمل:
تحصي قطراتِ المطر، شقوقَ الطَّوب.
روحي أحياناً، حقيقيّةٌ مثل حجرِ عثرة.

أنا لم أرَ صنوبرتَينِ في عداء.
أنا لم أرَ صفصافةً، تبيعُ ظلَّها للأرض.
بالمجان، يمنحُ الدردارُ غصنَهُ للغراب.
حیثما كانت الأوراق، شغفي ينكسر.
شجيرةُ الخشخاشِ، غسلتني في مجری الوجود.

كجناحِ حشرةٍ، أعرفُ وزنَ السحَر.
مثلَ مزهريةٍ، أصغي لموسيقى النموّ.
مثلَ سلةٍ تملأها الفاكهة، عندي حُمَّى شوق الوصول.
مثلَ حانةٍ أنا، على حاشيةِ الخمول.
مثلَ مبنى على تخومِ ساحل، يُقلقُني المدّ العالي الأبدي.
شمسٌ بقدرِ ما تشاء، وصالٌ بقدرِ ما تشاء، تكاثرٌ بقدر ما تشاء.

أنا تسعدُني تفاحة.
أو أن أشتمَّ شجيرة بابونج.
أنا لي مع المرآة، تعلّقُ قناعةٍ طاهر.
أنا لا أضحكُ إذا فقعَ البالون.
ولا أضحكُ إذا شقَّت فلسفةٌ وجهَ القمر.
أنا أعرفُ صوتَ ريشِ السمّان.
ألوانَ بطونِ الحُبارى، أثرَ أقدامِ الماعز.
أعرفُ تماماً أينَ ينمو الراوند،
متى يُقبِلُ الزرزور، متى يشدو الحجل، متى يموتُ الصقر،
ما القمرُ في حلمِ الصحراء،
الموتَ في جذعِ الرغبة،
وتوتَ اللذّة، تحت أسنانِ الاحتضان.

الحياةُ عرفٌ لطيف.
للحياةِ أجنحةٌ بوسعِ الموت،
لها تحليقٌ بحجمِ الحب.
ليست الحياةُ شيئاً، ننساهُ أنا وأنت على رفوفِ الاعتياد.
الحياةُ إرادةُ يدٍ للقطاف.
الحياةُ تينٌ غضٌ أسود، في فم الصيف الجاف.
الحياة، بُعدُ شجرةٍ في عينِ حشرة.
الحیاةُ تجربةُ فراشة الليل، في الظلام.
الحياةُ إحساسٌ غريب، لطيرٍ مهاجر.
الحياةُ صفّارةُ قطارٍ، تنتشرُ في حلمِ جسر.
الحياةُ رؤيةُ حديقةٍ، من نافذة موصدةٍ لطائرة.
خبرُ ذهابِ صاروخٍ إلى الفضاء،
لمسُ وحدةِ «القمر»،
فكرةُ شمّ وردةٍ، في كوكبٍ آخر.

الحياةُ غسلُ طبَق.
الحياةُ عثورٌ على عملة معدنية، في جدولِ الشارع.
الحياةُ «جذرٌ» للمرآة.
الحياةُ «تربيعٌ» أبديّ للورد،
الحياةُ «ضربُ» الحياةِ بدقاتِ قلبِنا،
الحياةُ «هندسةُ» الأنفاس، البسيطة الثابتة.
أينما كنتُ، أكون،
السماءُ لي.
ماذا يهمُّ بعد
إذا، في يومٍ، نمَت
طفيليّاتُ الغربة؟

أنا لا أعرف
لمَ يقولون: الحصانُ حيوانٌ نبيل، الحمامُ جميل؟
ولمَ ليس في قفصِ أيّ أحد، نسرٌ؟
ماذا ينقصُ البرسیمَ عن الخُزامى الحمراء؟
ينبغي غسلُ العيون، الرؤية بطريقة أخرى.
ینبغي غسلُ الكلمات.
على الكلمة أن تكونَ هي الريح، على الكلمة أن تكونَ هي الغيث.

ینبغي إغلاقُ المظلات،
السيرُ تحت المطر.
اصطحابُ الفكر، الذكرى، إلى المطر.
المشيُ مع كل سكانِ المدينة، في المطر.
لقاءُ الصديق، تحت المطر.
البحثُ عن الحبّ، تحت المطر.
النومُ مع المرأة، تحت المطر.
اللعبُ تحت المطر.
كتابةُ شيءٍ تحت المطر، قولُ شيء، غرسُ زنبقة.
الحياةُ انتعاشٌ متوالٍ،
الحياةُ سباحةٌ في حوض «الآن» الصغير.

فلنخلع ثيابنا:
الماءُ على بُعدِ خطوة.

فلنذُقِ النور.
فلنَزِن ليلَ قريةٍ، حلمَ غزال.
فندرك دفءَ عشّ اللقلق.
ولا ندوسُ على قانونِ العشب.
فلنحلَّ في الكرمِ عقدة الاستطعام.
ونُطلق أفواهَنا إذا طلع القمر.
فلا نقولُ بأنّ الليلَ سيئ.
ولا نقولُ بأنّ اليراعةَ لا علمَ لها بإبصارِ الحديقة.

فلنرفع الستار:
لنتركِ الهواءَ يلامسِ الإحساس.
نتركِ البلوغ، يمرّ من تحت أيّ شجيرةٍ يختارها.
نتركِ الغريزةَ تذهب للعب.
تخلع حذاءَها، وتقفز من فوق رؤوسِ الورد، في إثرِ الفصول.
فلنتركِ الوحدةَ تغني.
تكتب شيئاً.
تخرج إلى الشارع.

لنكن بسطاء.
بسطاءَ في قسم الحسابات المصرفية، أو تحت شجرة.

ليس مهمتَنا كشفُ «لغز» الجوري،
ربما مهمتنا
أن نعومَ في «سحر» الورد الأحمر.
ننظّم رحلةً خلف الحكمة.
نغسل أيدينا في حضرةِ الورق، ثم نجلس إلى المائدة.
في الصباح، عندما تطلع الشمس، نولَد.
نطلق عنان العواطف.
نرشّ إدراك الفضاء، اللون، الصوت، النافذة، الورد، بالماء.
نضع السماءَ بين هجاءَي «الوجود».
نملأ الرئةَ ثم نفرغُها، أبديةً.
نرفع وزرَ الحكمةِ عن ظهر السنونو.
نستعید من الغيمِ الأسماء،
من الدلب، من البعوض، من الصيف.
على قدم الغيث الرطبة، نصعد إلى ذروة الحب.
نفتح الأبوابَ في وجه البشر والنور والنبات والحشرات.
ربما هذه مهمتنا
أن نركضَ خلال الزنابق والعصر
خلف أغنية الحقيقة.