يرتبط موضوع «تشريح الاستعمار الجديد في كِيْنْيَا - الإمبريالية البريطانية وجومو كِنيَاتَا» (The Anatomy of Neo-Colonialism in Kenya: British Imperialism and Kenyatta, 1963-1978. Palgrave Macmillan, 2017.) بمسألة ما بعد العهد الاستعماري في البلاد التي كانت خاضعة للاستعمار الغربي، وما إذا كانت ستنال استقلالها الحقيقي أم أنها ستغرق في عهد ما بعد الاستعمار، أي في الاستعمار الجديد، حيث لا مخرج لها منه إلا بثورة جديدة! تمثل كينيا مثالاً مهماً مرتبطاً بذلك التطور، ذلك أن رئيسها الأول (1964-1975) جومو كينياتا يعدّ أحد أعمدة البلاد، على ما يُقال. وفق الرواية الرسمية والاستعمارية، هو الذي قاد ثورة الماو ماو ضد الاستعمار البريطاني، وبفضل قيادته (الحكيمة!) نالت بلاده الاستقلال عام 1964، وتمكنت من تحقيق تطور اقتصادي في القارة الإفريقية. لكن الصورة التي يرسمها الكاتب والأستاذ في كلية الدراسات الأميركية السوداء ورئيسها، وأستاذ مادة التاريخ في «جامعة دلوير الأميركية» بي بي مالوبا تختلف عن تلك السائدة في وسائل الإعلام/ التضليل. تكمن أهمية هذا المؤلف للقارئ العربي في أنه يعكس تطورات في كينيا تشبه ما يحدث في بعض بلاد العرب والأعراب. فالعديد منها تحولت من معاداة الإمبريالية والاستعمار أثناء حروب التحرير إلى قواعد اقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية متقدمة لها. وهذا ما حدث تماماً في كينيا، دوماً وفق ما يرد في المؤلف.

لعل بعضنا يتذكر كيف أدار الرئيس الكيني ظهره للقوى العالمية التي ساعدت ثورة الماو ماو الفلاحية على الاستعمار البريطاني، ومنها ما قدمته له الجمهورية العربية المتحدة، إضافة إلى الدول الشيوعية من الاتحاد السوفياتي والصين وغيرهما، وربط مستقبل بلاده بالاستعمار البريطاني وبكيان العدو الصهيوني حيث أسرع إلى إقامة علاقات معه فور إعلان الاستقلال. من المعروف أن حرب التحرر في كينيا المعروفة باسم ثورة الماو ماو، أضعفت إلى حد كبير قبضة الاستعمار البريطاني عليها وأجبرتها على الخضوع والاعتراف بحقها في الاستقلال بعدما كانت تخطط لتحويلها إلى مستعمرة استيطانية مثلما فعلت في فلسطين وروديسيا الجنوبية (زمبابوي) وجنوب إفريقيا. علينا تذكر أن المؤلف يعالج أوضاعاً في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، أي في مرحلة الصراع الفكري بين المعسكرين، الاستعماري الغربي وحلفاؤه من جهة، والمعسكر الشيوعي وحلفاؤه في دول عدم الانحياز من جهة أخرى.
درس رئيس كينيا اللاحق جومو كينياتا في الاتحاد السوفياتي مطلع خمسينيات القرن الماضي، قبل أن ينتقل للدراسة في بريطانيا. في تلك الفترة، كانت الاستخبارات البريطانية تعده من الشيوعيين الخطرين. علماً أن القيادة الكينية اليسارية الراديكالية لم تكن بقيادة القومية المحافظة برئاسة كينياتا، بل كانت بقيادة أُغنغا أُدنغا، الذي كان أحد أعمدة الرأسمالية النامية في بلاده، والمقرّب، في الوقت نفسه، من الفئات الشعبية المحرومة.
أُغنغا أُدنغا كان من حصل على المساعدات المباشرة من الصين والاتحاد السوفياتي والجمهورية العربية المتحدة وغيرها، وكان يسلمها إلى جومو كينياتا لتوزيعها على الأتباع المشاركين في الانتفاضات ضد الاستعمار البريطاني، لكنه عمد إلى الاتصال بالصين وبقية الداعمين طالباً منهم تسليم المساعدات له مباشرة!
يقول الكاتب إنه كان على الكينيين التعامل مع مسائل حيوية متصلة بمستقبل البلاد ومنها مثلاً العلاقة بين النخب والجماهير. من تلك المسائل: هل القيادات القومية بحاجة للحصول على الشرعية الشعبية شرطاً لحكم البلاد؟ وهل على القيادات القومية تحديد سياسات البلاد الوطنية بناءً على وعودهم الانتخابية قبل الاستقلال؟ إضافة إلى ذلك، كيف يتم تعريف الشرعية السياسية والاحتفاظ بها؟
أي متابع لحركات التحرر في إفريقيا أو في غيرها، يرى أن شعبية أي حركة استقلالية تتناسب طردياً مع توجهاتها المعادية للاستعمار وللغرب الاستعماري، في المراحل الأولى على الأقل، دوماً بحسب الكاتب، وهو ما أكده العديد من البحاثة الغربيين ذكرهم الكاتب في مؤلفه.
لكن خلال عملية التحرر والاستقلال، كان ثمة رأي يدعي أن النخب المتعلمة هي من يجب أن يقود البلاد، لا الجماهير والفلاحين والعمال والتجار ولا النخب الأخرى. وفق ذلك الرأي، فإن قيادة البلاد حديثة الاستقلال يجب أن تمنح للنخب المتعلمة لأنها هي التي تملك المعارف العلمية والمهارات لقيادة البلاد نحو مستقبل زاهر، وإقامة دولة حديثة حداثية، أي تحديث وفق أوروبا!

فهم كيفية تحول نخب معادية للاستعمار إلى خادمة له


يسأل الكاتب ويتساءل: لكن إن كان ذلك صحيحاً، فكيف يمكن شرح عدم الوصول إلى تلك الحداثة والتحديث بعد مرور نصف قرن على حركة «الحرية» (UHURU) في كينيا وغيرها من الدول الإفريقية؟! انطلاقاً من عدم صحة ذلك الرأي عملياً وتطبيقياً، أليس ضرورياً ومشروعاً إعادة النظر في تلك الآراء التي قادت كثيراً من البلاد التي كانت مستعمرات، إلى مزيد من التبعية ومزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؟
يتساءل الكاتب مستنكراً: هل المعرفة الأكاديمية الغربية كافية!؟ وهل معرفة الغرب ومؤسساته تترجم فوراً إلى تقدم في أفريقيا!؟ وهل حلَّ وقت يحق للمرء فيه التحدث عن «لعنة الغرب» في أفريقيا!
يحلّل الكاتب تطورات بلاده عبر متابعة نمو زعامة جومو كينياتا وتحليل طبيعتها وآثارها في البلاد، بدءاً من عام الاستقلال حتى وفاته، لافتاً النظر إلى الاضطرابات السياسية المندلعة حالياً في تلك البلاد، وعمليات القمع السياسي واغتيال المعارضين في الماضي وصولاً إلى اضطرار النخب الحاكمة، الفاسدة، إلى طرح دستور جديد لكينيا، يأخذ في الاعتبار حقائق الوضع الإثني والاجتماعي فيها.
إنها دراسة مهمة ومعمقة تفيدنا في فهم التحولات التي تعصف ببلاد مستعمرة بعد استقلالها، وكيفية تحول نخب معادية للاستعمار وللرأسمالية إلى خدم لها.