«إذا متُّ اتركوا الشرفة مفتوحة

الطفل يقضم الليمون (من شرفتي أراه)
الحصّاد يقطع رؤوس سنابله
إذا متّ اتركوا الشرفة مفتوحة».
شهر واحد قبيل وفاته، ووسط نصيحة الأصدقاء له بالفرار من الحرب الأهلية الإسبانية نحو منفى في كولومبيا أو المكسيك، اتخذ فريديريكو غارسيا لوركا (١٨٩٨ـ١٩٣٦) قراراً متهوراً بالعودة إلى غرناطة. «أنا شاعر ولا أحد يرغب بقتل الشعراء»، أجاب لوركا صديقه أنخيل ديل ريو، الذي استحثه للحاق به إلى أميركا التي كان قد زارها قبلاً وألف فيها «شاعر في نيويورك» كتحية لوالت ويتمان.


في 14 تموز (يوليو) ١٩٣٦، النهار ذاته الذي اغتيل فيه الزعيم اليميني كالفو سوتيلو لتستغل الطغمة العسكرية الحدث فتقوم بانقلابها المخطط مسبقاً، استقلّ لوركا القطار من محطة آتوخا إلى غرناطة، إلى بيت أهله ومسقط رأسه. من رَصَد لوركا في ذلك الشهر الفاصل بين عودته إلى «هورتا دي سان فيسنتي»، أرض العائلة المزروعة بالقمح والذرة والتبغ والفول والفاكهة، وبين تلك الليلة الظلماء في 19 آب (أغسطس)؟ من هم الرجال الستة الذين سحبوه من مخبئه عند أصدقائه آل روزاليس المنتمين بمعظمهم إلى الكتائب اليمينية؟ إلى أين أخذتهم سيارة البويك الحمراء الكرزية ومن كان بداخلها؟ هل دوافع الإعدام سياسية بحت؟ أم أن الخلافات العائلية أودت بالشاعر في ثأر شخصي؟ هل لميول لوركا المثلية دور في تعجيل إعدامه في غرناطة المحافظة؟ وهل استفزت «بيت برناردا ألبا» شخصاً معيناً في وسط لوركا العائلي القريب؟ أسئلة ملغزة لا تني أجوبتها تتكشف بعد أكثر من ثمانين عاماً على «جريمة الفجر».

بيبي رومانو وأنغيستا
«عسكري بنظرة باردة، رجل يمت للشاعر بقرابة بعيدة، جندي يأكله الندم، وثلاثة رجال آخرون لم ينبسوا طيلة حياتهم ببنت شفة حول ما اقترفته أيديهم في تلك الليلة من أغسطس. وضعت رصاصتين اثنين في رأسه» جملة يتيمة قالها زعيم عصابة الستة التي اقترفت الجريمة. كان وجهه منتفخاً، بجبهة عريضة وقسمات تحمل حقداً بعيداً». يقول ميغيل كاباليرو المؤرخ الأندلسي الذي يكشف كتابه «الساعات الثلاث عشرة الأخيرة من حياة فريديريكو غارسيا لوركا» (٢٠١٤) الكثير من التفاصيل حول تلك الليلة. لم يكن أنطونيو بينافيديس مجهولاً، بل جمعته قرابة بعيدة بالزوجة الأولى لوالد لوركا، وأخرى قريبة بخوسيه بينافيدس، الذي سماه الشاعر «بيبي رومانو»، الشخصية الحاضرة الغائبة التي تطمح إلى الزواج من أنغستيا، الفتاة البكر البشعة لفرناندا آلبا طمعاً بالمال الذي ورثته عن أبيها. بعد أيام قليلة من عودته إلى غرناطة حيث «تتململ البورجوازية الأسوأ في إسبانيا» بحسب تعبيره، قدم لوركا للجمهور قراءة لمسرحيته الجديدة، قصة بيت تعصف به الديانة والأعراف والمال والسلطة. تعرّف بعض الناس على أنفسهم في المسرحية، وسعوا للثأر. فرضية أولى لدوافع القتل تتقاطع مع رواية صديق لوركا المقرب، سلفادور دالي في مذكراته (يوميات عبقري ١٩٦٤)، التي تقدم الدوافع الشخصية على غيرها: «لقد كان شاعراً نقياً بالكامل، الكائن الأبغض للسياسة ممن أعرفهم. لقد كان ضحية التشفي في مسائل شخصية، شخصية جداً ومحلية».

سيارة البويك الحمراء والعكازة
بعد تحقيق دام أكثر من سنوات ثلاث، يؤكد كاباليرو كشفه للمرة الأولى للهوية الكاملة لخلية الإعدام التي حشرت لوركا في سيارة بويك حمراء ـ كرزية اللون مع مصارعَي ثيران هما فرانسيسكو ميلغار وخوان كابيزاس لمطالبتهما «بالمزيد من العدالة الاجتماعية وانتمائهما للرابطة العمالية الوطنية»، إضافة إلى معلِّم مدرسة يدعى ديوسكورو غاليندو «لتبشيره بالعلمانية». قطعت بهم كيلومترات قليلة في الريف المسمى «غرانادينا» وأنزلتهم في واد بين قريتي الفكار وفزنار. عند الرابعة فجراً تقريباً، تحت ضوء قمر موشى بالسحب، صفَّ الشاويش ماريانو آخينخو مورينو «ذو الأعصاب الباردة والمناسبة للإعدامات» رجاله في وضعية التسديد. مسلّحين ببنادق من طراز «موزر» وبمسدسات «آسترا»، تم وعد الرجال بعلاوة قيمتها ٥٠٠ بيزيتا وبترقية وظيفية. حين تساقطت الأجساد الأربعة على الأرض، قامت مجموعة الإعدام ذاتها برميهم في حفرة سحيقة، تم حفرها للبحث عن الينابيع الجوفية. «فوق الجثث، قام أحد أعضاء الخلية برمي العكازة التي كان يستخدمها معلم المدرسة». يقول كالابريو استناداً إلى رواية نقلها أحد الجناة لشاهد عيان. يجزم كاباليرو أن بينافيدس كان الوحيد الذي يضغط على الزناد بلذة لا توصف. انتمى بينافيدس إلى «السرية السوداء»، إحدى أقسى الميليشيات اليمينية في غرناطة والتي كانت مؤلفة من عتاة المجرمين. أما الأعضاء الخمسة الباقون في الخلية، فيرجح المؤرخ بأنهم كانوا يتبعون لهرمية عسكرية وينفّذون الأوامر. «سأفقد عقلي من تبعات هذا الأمر»، هذا ما صرح به خوان خيمينيز كاسكاليس، العسكري وبطل الرماية في الأعياد الشعبية، وهو الوحيد من خلية الستة الذي باح بندمه على الملأ.

مصادر كاباليرو
على رغم السجال الكبير الذي أثاره لوركا في النصف الأول من القرن الماضي داخل إسبانيا وخارجها، فإنها المرة الأولى التي نكتشف فيها الهوية الكاملة للقَتَلة. كيف يمكننا تفسير كل تلك المدة الطويلة لبقاء هذه الهوية طي الكتمان؟ بالنسبة لميغيل كاباليرو الذي نبش أحشاء وثائق الولادة وأرشيف الشرطة والجيش و «الحرس الشعبي» من أجل التحقيق، ليست مهمة المؤرخ باليسيرة: «لم يقم أحد على الإطلاق حتى الآن بتحقيق تاريخي علمي حول القضية. كان يتم الاستناد في الغالب إلى شهادات شفهية. لكن في هذه القصة بالذات، فإن أقل الناس معرفة كانوا أكثرهم ثرثرة». الوثيقة الحاسمة التي اعتمد عليها كاباليرو، كانت كتاباً مهملاً معنوناً «الأيام الأخيرة لغارسيا لوركا» مليئاً بالشهادات، كتبه عضو في الكتائب الفاشية الفرانكية اسمه إدواردو مولينا فاخاردو، الذي قاده إلى خلية الستة. «لقد تم تجاهل ما كتبه، يقول كاباليرو، لأنه كان منتمياً إلى اليمين المتطرف. ولكن لأن من يعرفون ما حصل بدقة في تلك الليلة من عام ١٩٣٦ كانوا مثله في الكتائب، فإن ما جمعه من شهادات هي الأقرب للحقيقة».

الشاعر المكتمل والعاشق المعذب
كان لوركا يفكر قبل وفاته بالسفر إلى المكسيك لملاقاة مارغاريتا زيرغو، شريكته في المسرح. أراد الرحيل مع خوان راميريز دو لوكاس، الفتى الذي كان يطمح ليكون ممثلاً ووقع لوركا في غرامه. خوان الذي لم يبلغ سن الرشد حينها، ذهب إلى آلباثيتي ليأخذ إذناً بالسفر من والديه. من المزرعة في غرناطة، كان لوركا يهاتف خوان ويكتب له: «إني أفكر بك، بين السطور سترى كل الإعجاب الذي أكنه لك وكل الرقة التي يختزنها قلبي». توجب الانتظار حتى موت خوان عام ٢٠١٠ عن ٩٣ عاماً ليماط اللثام عن هذه القصة، وليقال بأن لوركا قد توجّه إلى «غلام آلباثيتي الأشقر» بالقصائد الحميمة الـ11 التي تأخرت طباعتها لعام ١٩٨٠ تحت عنوان «سوناتات الحب المظلم». خوان نفسه الذي تخصص بعدها في النقد الأدبي، نفى هذه الفرضية بالمطلق، ليقول إن ملهم لوركا في هذه السوناتات هو شخص آخر أشار إليه برمز RRR. لم يكن هذا الأخير سوى رافاييل رودريغيز رابون، الذي تقاسم معه لوركا في أواخر حياته علاقة مشحونة بالغيرة والعواصف، وقد كان مديراً لفرقة الباراكا، المسرح الذي أشرف عليه لوركا بتكليف من الجمهورية ليجوب المدن والأرياف الإسبانية ويلعب كلاسيكيات العصر الذهبي بطريقة شعبية. لم تغب علاقات لوركا المثلية عن مرصد البيئة المحافظة في غرناطة: «لقد أطلقوا رصاصتين على دبر ذلك اللوطي». جملة صرح بها صديق أحد الرماة في كتاب فاخاردو.

الفرضية السياسية: المقابلة الأخيرة
«أنا أغني إسبانيا وأشعر بها في عظامي، لكنني أنتمي للكون بأسره وأخ لكل الناس. أمقت الإنسان الذي تستولي عليه فكرة قومية ويذهب إليها معصوب العينين. بالتأكيد لا أؤمن بالحدود السياسية». هذا ما قاله لوركا في حديثه الأخير لصحيفة EL SOL في حزيران (يونيو) ١٩٣٦. فرضية ثالثة تطرح نفسها بقوة إذن هي «قتل لوركا الشيوعي». على رغم أن كاباليرو يلاقي دالي في فرضيته حول ترجيح الأسباب الشخصية والعائلية في الجريمة، إلا أن التُهَم التي ألصقت بالثلاثة الذين رافقوا لوركا في البويك الحمراء تعزز الفرضية السياسية، إضافة إلى ما كتبه كالابيرو نفسه حول إيواء عائلة لوركا لمهندس معماري شيوعي ومساعدته في الهرب للانضمام للجمهوريين في ذلك الصيف الملتهب الذي عاثت فيه «السرية السوداء» فساداً في غرناطة. مما ضاعف النقمة على لوركا وعائلته والمزرعة التي تمت مداهمتها ثلاث مرات بداية آب (أغسطس). احتمى لوركا في منزل لويس روزاليس، الصديق والكاتب المنتمي للكتائب، في الطابق الثالث حيث أمّن له روزاليس بيانو بخشب فاخر. في اليوم ذاته الذي تم فيه اغتيال أحد الزعماء اليمينيين، اقتيد لوركا إلى «المحكمة المدنية». لم تنفع تدخلات روزاليس ومانويل دو فالا، المؤلف الموسيقي في الجوقة القومية في منع اقتياد لوركا إلى واد خارج غرناطة لتصفية الحساب الأخير.

أرض جافة مطمئنة تحت الليل العظيم
هذا البيت للوركا يبدو كأنه يصف البقعة التي تم دفنه فيها مع رفاقه الثلاثة. الوادي تغيرت معالمه بين القريتين بفعل حماقة ارتكبها أحد المخاتير بجرفه مساحةً واسعةً بحجة تشييد ملعب لكرة القدم بعد فترة قليلة من زوال حكم فرانكو، إضافة إلى أن الفرانكيين كانوا قد أقاموا فيه مركزاً للتدريب العسكري حينها وحلبة لقيادة الدراجات النارية. بعثات ثلاث باشرت التنقيب عام ٢٠٠٧، و٢٠٠٩ وآخرها عام ٢٠١٤ قادها كاباليرو بنفسه لم تعثر على أي رفات أو مؤشر يمكن أن يقود لأديب إسبانيا الأعظم بعد ثربانتيس، وسط انقسام بين أهالي الضحايا من مؤيد للبحث كأحفاد الرفاق الثلاثة واعتراض حفيدة لوركا والأمينة على إرثه لورا غارثيا لوركا التي تؤمن بأن مصير هذه التنقيبات سيؤول إلى ثرثرة إعلامية غير مجدية. في وادي فزنار، بين أشجار الوادي الذي تم فيه إعدام أكثر من ٤٠٠ مناهض للفاشية إضافة إلى لوركا ورفاقه، تنتصب لوحة صغيرة من الغرانيت: «كلهم كانوا لوركا».
القَتَلة بالأسماء:
ماريانو أخانخو مورينو، آمر الخلية.
أنطونيو بينافيديس، نسيب زوجة والد لوركا الأولى، كان يضغط على الزناد بلذة لا توصف.
خوان خيمينيس كاسكاليس، بطل الرماية في الأعياد الشعبية، الوحيد الذي أظهر بعض الندم على الجريمة.
فرناندو كوريا كاراسكو، رامٍ ماهر فقد أباه في الحرب مع الجمهوريين.
سالفادور فارو ليفا: جندي يتيم الأبوين، من ناحية قادش.
أنطونيو هرنانديز مارتان، قضى أيامه الأخيرة في لعب الورق في مقهى في غرناطة، من دون أن يعترف بأي دور في «جريمة الفجر».

المراجع:
«الساعات الثلاث عشرة الأخيرة من حياة فريديريكو غارسيا لوركا» (٢٠١٤)، ميغيل كاباليرو، منشورات إنديجين، مونبولييه، فرنسا.