ليس القفز فوق حواجز النوع الأدبيّ غريباً إلا في أذهان النقّاد والصحافيّين المهووسين بالتصنيف، بحيث تبدو كل تجربة جديدة لشاعر اختار كتابة السرد أو سارد يكتب الشعر بمثابة فرصة لإلقاء الأسئلة المكرورة المعتادة. كأنّما الكتابة فندق بغرف محجوزة سلفاً، لا يمكن للنّزلاء التنقّل بينها أو تغييرها إلا بإذن. وبذا يقضي الكاتب شطراً كبيراً من وقته في «تبرير» الخطيئة التي اقترفها بدلاً من إشغال نفسه بالتحضير للتجربة التالية. ياسر عبد اللطيف أحد أولئك الخاطئين الذين قرروا المضيّ في العصيان، ولم يعد يلق بالاً إلى محاولة تبرير نفسه، بل يتعمّق أكثر فأكثر في كل تجربة جديدة بحيث يصبح عصياً على التصنيف كلياً، فهو كتب الرواية والقصة والشعر والسيناريو التسجيليّ ويترجم ويفسبك ويسخر ويغضب كلما تلقّى السؤال الأزليّ عن سر تنقّله بين غرف الفندق ذاك.

بدأ ياسر كتابة القصة القصيرة، لكنّه نشر الشعر أولاً، ثم الرواية، ثم تذكَّر القصة القصيرة، ثم أدرك أنّ القصة القصيرة بالذات تتسع لتجريب تعجز عنه الأنواع الأخرى، فنشر «في الإقامة والترحال» (2014)، ولكنّه أضاف عنواناً فرعياً «قصص وحكايات» في محاولة إزالة الالتباس عن ماهيّة كتابه ربما، لكنّه زاد الالتباس أكثر. وهذا الالتباس أكثر ما يميّز كتابة ياسر عبد اللطيف، إذ تتملّص نصوصه حتى من أعتى قرائه المخلصين للوهلة الأولى، بحيث يضيفونها إلى صورتهم التي رسموها عنه، ولكن لا تتّضح كتاباته إلا في القراءات التالية. ولعل هذا الأمر ينطبق على الشعر أكثر من السرد، إذ ربط معظم قراء مجموعتَيْ عبد اللطيف السابقتين «ناس وأحجار» (1995)، و«جولة ليلية» (2009) قصائده بنصوصه السرديّة، فأخفقوا في إدراك خيط التمايز الرفيع الذي يفصل شعر ياسر عن سرده. هل كان هذا هو السبب الذي دفعه إلى إعادة طباعة مجموعتيه السابقتين في ديوان واحد جديد «قصائد العطلة الطويلة» («الكتب خان» ـ القاهرة)؟ هل كان يريد الإيماء على نحو خفيٍّ بأنّ هذه القصائد تحتاج إلى قراءة جديدة؟ نعم ولا.

يؤسس لذاكرة أخرى تبدأ مع بداية القصيدة ولا تنتهي بانتهائها

نعم، لأنّ القصائد لم تجد قارئها بعد لأنها وقعت في أسر حلبة نزاع الأجيال الذي اجتاح مصر (وحتى سوريا ولبنان) في التسعينيات وما بعدها، فلم تُقرأ القصائد إلا كمانيفستو الشعراء الجدد ضد القديم. وربما حان الوقت الآن لإعادة طرح القصائد والرهان على قراءتها بعيون جديدة، مع أنّني لا أظنّ أنّ الذائقة قد تغيّرت بدرجةٍ كبيرة عما كانت عليه في التسعينيات. ولا، لأنّ ثمة جديداً في الديوان، وهو القسم الأخير الذي حمل عنواناً جميلاً لا يعبّر عن قصائده وحسب، بل عن الديوان كله، إن لم نقل عن تجربة عبد اللطيف بأسرها: «قصائد حائرة طائرة». وهي القصائد التي لم تُنشر في المجموعتين السابقتين أو كتاب آخر. وبوسع قارئها إدراك سبب إقصائها السابق عن المجموعتين، إذ هي لا تشبه القصائد الأخرى، بل تبدو أكثر تجريبيّة وعناداً؛ عناد من يريد تغيير معادلة الشعر السائدة كلها. لا غنائيّة فيها على الإطلاق، بل هي أقرب إلى ... إلى ماذا؟ لا، لن أملأ الفراغ بكلمة النقّاد الأثيرة: النثريّة، التي يلصقونها بالشعر الجديد كله. ففي معادلة الشعر السائدة، وفق هؤلاء النقّاد، لو حذفنا الوزن لن يبقى إلا النثر! تبدو هذه القصائد بالذات أقرب إلى كتاب «في الإقامة والترحال» حيث لا القصص قصص ولا الحكايات حكايات، برغم العنوان الفرعيّ الخادع. الفارق هنا هو أنّ العنوان ليس خادعاً بل هو أفضل ما يمكن أن نصف به تلك القصائد: حائرة طائرة.
تبدو قصائد ياسر عبد اللطيف قريبةً من عالمه السرديّ في القراءة الأولى المتأثّرة بما سبقها من أعماله، لكنّ القراءة الهادئة ستنسف هذه الفكرة كلياً. فقصائده ليست موازيةً لنصوصه السرديّة بقدر ما هي مكمِّلة لها. سرده مكتوب بانضباط ودقة صارمتين، بينما قصائده مكتوبة بحريّة وتجريب أكبر. إن كان سرده محكوماً بالتذكّر، فشعره مؤطّر بالنسيان. يكتب ياسر السرد كي يمسك بزوايا الذاكرة التي كادت تُهجَر، بينما يكتب شعره كي يؤسس لذاكرة أخرى تبدأ مع بداية القصيدة ولا تنتهي بانتهائها. لا نجد السرديّة أو المشهديّة التي يصرّ قراء عبد اللطيف ونقّاده على وصف تجربته الشعرية بها، بل نجد حفراً لغوياً مدهشاً يكاد ينسف التجربة السرديّة حيث تكون المشهديّة هي الجوهر. النصوص هنا مكتوبة بإزميل يحطّم كل أَثَر للشعر والسرد على السواء، ولا يترك إلا اللغة، إلا جوهر الذاكرة الجديدة. وقصائد ياسر عبد اللطيف تبدأ باللغة وتنتهي فيها. ليست تلك اللغة المعجميّة التي تترهّل فيها القصيدة، بل اللغة التي تعيد للمفردات معانيها المنسيّة، وموسيقاها التي كاد يخنقها الوزن والمعجميّة وحتى النثريّة مؤخراً.
إن كان بعض كتّاب السرد يكتبون سردهم وفق شروط الشعر، ومعظم الشعراء الجدد يكتبون شعرهم وفق شروط السرد، فإنّ «قصائد العطلة الطويلة» تكتب اللغة وفق شرطها الأسمى: الموسيقى. لا نعلم لمَ اختار ياسر عبد اللطيف هذه الطريق الوعرة التي يُساء فهم القصيدة فيها على الدوام، أكانت في التسعينيات أو اليوم أو حتى في المستقبل القريب الذي لا يُنبئ بذائقة جديدة، لكننا نعلم بأنّ التجربة الشعريّة التي امتدت على مساحة ثلاثة وعشرين عاماً، ولم تكن حصيلتها أكثر من مئة وعشرين صفحة، سيقُدَّر لها إيجاد قارئها الذي يترقّبها من دون إساءة فهمها، أو إلصاقها بما لا يشبهها.