التقيت بفالح عبد الجبار في بغداد لدى حضوري محاضرة ألقاها في الحزب الشيوعي العراقي في مقره الكائن في شارع أبي نواس صيف 2003. تعددت اللقاءات بعد ذلك في ورش ومؤتمرات علمية عقدت في بغداد وعواصم عربية متعددة، ظهر فيها فالح عبد الجبار عالم الاجتماع العراقي بتوجهات ماركسية بوضوح. بيد أنّ الماركسية لدى فالح عبد الجبار لم تكن انتماءً سياسياً أو التزاماً أيديولوجياً، بل استخداماً للأطر النظرية والمنهجية العلمية التي تعطي مجالاً أوسع للإحاطة بالإرهاصات الاجتماعية والمشاكل المستجدة في المجتمع. يذكر أنّ الإرث العلمي والمعرفي الماركسي حظي باهتمام كبير على المستوى الأكاديمي دولياً منذ سبعينيات القرن الماضي نتيجة فشل التيارات والتوجهات النظرية الوصفية والوضعية التقليدية السائدة في مجال علم الاجتماع في تحليل الواقع ورصد المشاكل البنيوية التي عصفت بالمجتمعات الإنسانية من قبيل التفاوت الطبقي والصراع الجندري والتعصب والتمييز والعنصرية والحروب والنزاعات العرقية والدينية والمذهبية وما يماثلها. وهكذا قدم عبد الجبار نفسه إلى المجتمع العراقي عالماً مميزاً بصبغة مميزة.
قدم نفسه باعتباره إضافة نوعية ومتقدمة عن العالم الأبرز علي الوردي


اهتم بالدراسة المنهجية والتوثيق، مما أعطاه فرصة لأنْ يقدم نفسه باعتباره إضافة نوعية متقدمة ومختلفة عن عالم الاجتماع العراقي الأبرز علي الوردي الذي عرف بغزارة الإنتاج واهتمامه بالشأن العراقي والتاريخ الاجتماعي للعراق. لذلك، يمكن القول إنّه بينما يمكن أن يوصّف علي الوردي باعتباره عالم اجتماع عراقياً تحررياً حداثوياً ديموقراطياً مدنياً، فقد ظهر فالح عبد الجبار بعلامة مختلفة استمدها من اهتمامه وولعه بعلم الاجتماع الماركسي. إلا إنّ فالح عبد الجبار لم يكن ماركسياً متشدداً، بل كان عالماً مرناً عبّر ودعا إلى الانفتاح على مختلف التوجهات النظرية من أجل بث الحياة في طبيعة العمل وعدم السماح لأي توجه نظري معين بأنْ يسير به إلى نهاية مسدودة ومعلومة مسبقاً.
من جانب آخر، يصعب وضع أفكاره في إطار محدد. فقد تميز باهتمامات متنوعة شملت الدولة والمجتمع المدني والجديد في مجال التنظير والمنهجية الاجتماعية. لم يكتف بالبحوث والدراسات والمحاضرات التي كان يلقيها في مراكز بحث وهيئات أكاديمية وثقافية وسياسية عراقية وعربية ودولية، وإنّما كان ناشطاً ومتعاوناً ومشاركاً في نشاطات عراقية مهمة. عمل في اللجنة التي اختارها التيار الصدري لتشكيل حكومة التكنوقراط التي أريد من خلالها إيجاد حل لمشاكل الفساد المالي والإداري التي عصفت بالبلاد عام 2016. كما وافق على المشاركة في مؤتمر النخب الوطنية التمهيدي لمؤتمر بغداد للمصالحة الوطنية الذي دعت إليه وزارة الخارجية العراقية، بالتعاون مع مكتب المصالحة الوطنية التابع لمجلس رئاسة الوزراء للفترة من 11-12 كانون الأول (ديسمبر) 2017. وكان عنوان ورقته إلى المؤتمر «دولة بلا أمة – أمة بلا دولة: مقترحات للخروج من الأزمة الدائرية نحو المصالحة الشاملة». إلى جانب هذا الحضور الرسمي المؤثر الذي جاء بدعوات موجهة إليه، شارك عبد الجبار في حركة الاحتجاج العراقية كلما وجد إلى ذلك سبيلاً.
شاءت الأقدار المحتومة التي لا سبيل إلى مقاومتها، أنْ تحمل أخبار أساتذة محترمين ومربين أفاضل قضوا في قاعات الدرس والمحاضرة وعلى مرأى من طلبتهم. اختار الموت أنْ يخطف فالح عبد الجبار وهو على الهواء في حديث له عن الهم العراقي الذي شغله وانشغل به طوال عمره الذي ناهز الثانية والسبعين. اختار طريق البحث والدراسة العلمية في «مركز البحوث والدراسات العراقية» في بيروت والقنوات الإعلامية التي تنافست لاستضافته ومحاورته. لا شيء يمكن أنْ يقال بشأن رحيله المبكر والمفاجئ الذي سجل صدمة كبيرة لطلبته وأصدقائه ومتابعيه ليس فقط في القاعات الأكاديمية المغلقة، وإنّما في مختلف الأماكن والقنوات ومراكز الدراسة والبحث العلمي. رحم الله الفقيد وعهداً على مواصلة الطريق التي بدأها تعبيراً عن الوفاء لما جاد به من فكر وعلم ونظر.

* أستاذة علم الاجتماع في جامعة بغداد- كلية الآداب