صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر


ترجمة: جولان حاجي

قبيل نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لم أستطع مغادرة باريس لألتقي بالشعراء ريكاردو دومينيك، البرازيلي المقيم في برلين، وموهان رانا، الهندي المقيم في مدينة باث الإنكليزية، وآزيتا قهرمان، الإيرانية المقيمة في مدينة مالمو السويدية. كان الشاعر والمترجم السلوفيني برانيه موزيتيتش قد نظّم ملتقى صغيراً في ريف سيجانا، الأقرب إلى ترييسته الإيطالية، ليتلاقى أربعة شعراء يعيشون في أوروبا ويكتبون بلغاتٍ مختلفة عن لغات البلدان التي يقيمون فيها. كنا سنترجم قصائد بعضنا البعض عبر الإنكليزية، كلٌّ إلى اللغة التي يكتب بها، قبل القراءة المحدّدة في «معرض لوبليانا للكتاب».

كنتُ الغائب، وقد بحّتْ حنجرتي بعدما أخفَتْ فيروسات الخريف صوتي وسدّت أذنيّ. المرض ألغى الرحلة، إذ كيف كنتُ سأركب الطائرة بأذنين ملتهبتين، وكيف سيحضر شاعرٌ لا يستطيع الكلام مؤقتاً من دون ألم، ولا يسمع أحداً بوضوح؟ على الأقل، ترجمتُ هذه القصائد (جولان حاجي)

الابن
(ريكاردو دومينيك)


لطالما رغبتُ في ابنٍ لي،
هذه العلاقةَ التي تدوم
ثمانية عشر عاماً
وتعوّض التكاليف،
لكن ثمة خطرٌ في البيت،
وحتى السراخس قد تموت عطشاً.
ثمة أيضاً مشاكل
تتعلق بالمنطق والماء.
السنة الفائتة
اشتريتُ صبّاراً
لكننا نحتاج شيئاً
يحتاج إلينا أكثر منه بقليل.
هذه السنة طلبتُ من بابا نويل
أن يُهديني ببغاء كاكاتوا
يقدّم لي قدَمه حين أسأله إياها.
يضحك أصدقائي ويقولون إنني قد كبرتُ على ذلك.
لو كنتُ محظوظاً، فسوف أموت وسط قطط كثيرة،
قد أكون كلباً
لكنني في انتظار تلك السنة
عندما يطول العمرُ المتوقَّع لكلبٍ شارد
أكثر من عمري.
لا أحبُّ الفراق ولا الجنازات.
أتحاشى، ما استطعتُ، مواقفَ الباصات.
إنها تفوحُ بالدمع.

الصورة الفوتوغرافية
(موهان رانا)


غابةٌ على جانبيه: ضوءٌ على الدرب في المنتصف.
غابةٌ على جانبيه وضحكٌ مدوٍّ: الدرب صامتٌ في المنتصف.
غابةٌ على جانبيه وصرخات: لا يتململ الدرب في المنتصف.
غابة على جانبيه، تستحمُّ بالأحلام: الدربُ حرٌّ من النوم.

ترتعش الرؤيا في العينين كالسطح العاكس للماء.
وجهٌ انحنى عليه
فأرعبه العالم المترقرق
في تينك العينين المغلقتين النديّتين:
كالبوصلة، الحبُّ في داخلك
يأخذك في دربٍ لم تألَفْه
وتحرّرك الحقيقة.

ابسطْ راحتيك المقبوضتين،
ليس للريح ولا للضوء
الاختباءُ داخلهما.
كلٌّ منهما سجنُ نفسها.

أريد، بغتة، أن أرى وجهك:
وأدهشَ عندئذ.

رسالة
(آزيتا قهرمان)


في الصمت جاءتِ الأحلام
واستحضرتْ ظلَّك أمام السماء
وأنت تحوّلت إلى طائر يحمل جرحاً أكبرَ من ظلّك
وهذا استحضرَ أصابعك الباردةَ الملطَّخة،
تلك الأجنحة المقطوعة والمطويّة موضوعة في ظرف،
وذلك استحضر كم كافحنا
حتى النهاية المريرة.
الصمتُ
الذي تقف فيه سخياً
مثل شجرةٍ تخلع أوراقاً خضراء
يانعة؛ فانوساً يتلألأ بثمرة حمراء كالدم
أنضج بكثير
من الكلمات الحادّة التي قطعتْ ما بيننا، وجوَّفتنا.
في هذا الفراغ،
لا تزال سكينك مسنونة
وقد نحتتْ بعبورِ السنين حفرةً
مليئةً بالظلام.
دفَعَنا الصمتُ الذي واصلناه
لنرتكبَ أسوأ الأحلام،
دثَّرَنا بكلِّ تلك الغيوم السّود،
ولم يمنحك أية مرآةٍ صافية
لتنظرَ فيها وتفهمَ
ان المطرَ أشدُّ لمعاناً من ظلّ غيمتك.

أمطار الربيع الأولى
(آزيتا قهرمان)


يُسْتحسَنُ الإسراع
والانهماكُ بهذا العمل أو ذاك
واستبعادُ الحبّ.
إذ حين يستحكمُ
نعثرُ بالمعاني أينما نظرنا،
نقْنعُ بنظرةِ البجعة،
نتوق لنتعلّمَ لغةَ السحالي،
ونرى مغزى حتى في الصعود المدوّخ لنملة.
وماذا جنينا من كلّ ذلك؟
رياحَ الخريف الأخيرة ليس إلا،
أمطارَ الربيع الأولى.