فتنتني في شبابي، كما فتنت غيري، أبيات المتنبي التي شبه فيها الحمى، حمّاه، بامرأة غزِلةٍ عاشقة تأتيه ليلاً، ثم تغادر باكية عند الصبح:

وزائرتي كـأن بها حيـاء
فليس تزور إلا في الظـلام
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظـامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها
فتوسعـه بأنـواع السقـام
إذا مـا فـارقتني غسّلتني
كأنا عاكـفين على حـرام
كان الصبح يطردها فتجري
مدامعها بأربعـة سجـام

ويبدو أن المتنبي ذاته فتن بفكرة المرأة - الحمى، فهو يكررها في بيت آخر أقل مستوى من الأبيات أعلاه:
شجـاع كأن الحـرب عـاشـقة له
إذا زارها فدّته بالخيل والرجل
يجري استبدال الحرب بالحمى هنا. الحرب هي التي تصبح العاشقة الغزلة لا الحمى. لكن الفكرة ذاتها.
وقد فتنني في الأبيات أعلاه ما ظننت أنه خيال جامح مكّن المتنبي من أن يعثر على هذه الاستعارة البديعة الغريبة، التي لم يسبق إليها كما اعتقدت. ولم أكن أدري وقتها أن هذه الأبيات لم تبن على خيال جامح، بل على تقليد قديم معروف، وأن كل ما فعله المتنبي إنما هو صياغة هذا التقليد المعروف بلغة وإيقاع متماسكين، لا غير. فالحمى كامرأة غزلة عاشقة معتقد جاهلي قديم، استمر حتى ما بعد الإسلام: «العرب تقول: أَغزل من الحمى؛ يريدون أَنها معتادة للعليل متكررة عليه، فكأَنها عاشقة له، متغزلة به» (لسان العرب).
والحق أنه يجب حذف أداة التشبيه (فكأنها) من النص حتى يصح الكلام. ذلك أن القدماء لم يكونوا يشبهون الحمى بالمرأة العاشقة، بل كانوا يعتقدون بالفعل أن الحمى امرأة. ومن الواضح أن بعض الشعراء أيضاً كانوا يؤمنون بهذا المعتقد حين يحثوننا عن الحمى العاشقة:
حُمّاك جمّاشة، حُمّاك عاشـقة
لو لم تكن هكذا ما قبّلت فاكـا


الحمى كامرأة عاشقة معتقد
قديم جداً. بذا فحين دخلت مخدع المتنبي، عاشقةً معانقةً لم تكن
هذه أول مغامرة لها

أما التجميش فهو الملاعبة والقرص: «الجَمْش: المُغَازَلة... بقَرص ولعب، وقد جمَّشه وهو يجمّشها أَي يُقَرِّصها ويلاعبها» (لسان العرب). وأما قبلة الحمى العاشقة على الفم، فهي بثرة الحمى التي تطلع على الشفة: «قبلة الحمى: هي ما يثور بشفة المحموم من البثور» (الثعالبي، ثمار القلوب). يضيف اليازجي: «ويقال قبّلته الحمى، وبشفتيه قبلة الحمى، وهي بثر يخرج بشفة المحموم» (اليازجي، نجعة الرائد). وهذه البثرة هي ما نسميها اليوم بـ (الحِمَة).
الحمى إذن امرأة عاشقة منذ القدم. وهي تطبع قبلتها على شفة المعشوق على شكل بثرة. والحق أن هناك حديثاً ينسب إلى الرسول يؤكد أن الحمى تظهر على شكل امرأة. إذ لما قدم وصحبه المدينة: «استوبأها، وحمَّ أصحابه [أصابتهم الحمّى]، فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وصحّحها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حُمّاها إلى الجحفة. ثم نعس عليه السلام في بعض أسفاره، واستيقظ فأيقظ أصحابه، وقال: مرّت بي الحمى في صورة امرأة ثائرة الرأس منطلقة إلى الجحفة» (ياقوت، معجم البلدان).
وهكذا، فبعد دعاء الرسول على حمى المدينة، عبرت هذه على شكل امرأة منفوشة الشعر في طريقها إلى منطقة الجحفة، أي باتجاه الشمال نحو ينبع. عليه، فالحديث النبوي يؤكد أن الحمى تأخذ صورة امرأة، أو أن الحمى امرأة في الحقيقة. لم يكن الرسول يتحدث على سبيل المجاز، بل على سبيل الحقيقة في تصويره للحمى على أنها امرأة. كان يتحدث عن تقليد يؤمن به، ويؤمن به أصحابه، يقول أن الحمى امرأة. وهكذا عكس ما يعتقده الزبيدي واللغويون الآخرون معه: «قَبَّلَتْه الحُمّى، وبشَفَتَيْهِ قُبْلَةُ الحُمّى، وهو مَجاز» (الزبيدي، تاج العروس). هذه الأقوال لم تكن مجازاً في الأصل. لاحقاً، فقد تحولت إلى مجاز. وعند العامة بقايا من هذا المعتقد حتى وقتنا الحالي في ما يبدو. فهم يرون أن نوبات الصرع وانتفاضاته التشنجية علامة على زواج المصروع من جنية. فهذه التشنجات تتبدى لهم شبيهة بتشنجات الوصال الجنسي.
بناء عليه، ليسمح لنا المتنبي أن نعيد تقييم أبياته، وأن نوضح أنه كان فيها يتبع تقليداً ولا يأتي بجديد. صحيح أنها أبيات متماسكة ممتعة، لكنها ليست نتاج خيال محلق جامح، بل نتاج إعادة صياغة لمعتقد ميثولوجي كان معروفاً تماماً عند العامة.

* من هي المرأة- الحمى؟
والسؤال الآن هو: من هي هذه المرأة التي تأخذ الحمى شكلها؟
والجواب: أغلب الظن أنها على علاقة بـ «الشعرى العبور اليمانية»، الإلهة - النجمة، وقرينة النجم «سهيل اليماني»، التي ورد ذكرها في سورة النجم في القرآن: «وإنه هو رب الشعرى». والشعرى هذه عديل إيزيس المصرية. وظهور هذا النجمة في أواخر حزيران من كل عام، أي في عز الحر، هو إيذان ببدء فيضان النيل من جهة، وبظهور الحميات والأوبئة من جهة ثانية: «الشعرى اليمانية التي هي علة الحميات» (عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام). يضيف الرازي: «أن استنشاق الهواء الحار يسخن القلب ويورث حميات ولذلك يحمى [تصيبهم الحمى] الناس عند طلوع الشعرى العبور» (الرازي، الحاوي في الطب). ولأن الشعرى مرتبطة بالكلاب، أو قل لأنها هي ذاتها كلب - فهي تسمى: كلب الجوزاء-، فإن الأسطورة تربط بين الكلاب والحمى. لذا فالكلب في المنام يعني الحمى: «الكلب يدل على الحمى بسبب الكوكب الذي يسمى الكلب، وهو الشعرى اليمانية، التي هي علة الحميات» (تعطير الأنام).
إذن، فالشعرى اليمانية مرتبطة بالحميات. إنها باعثة الحميات من كل نوع. والحميات أمراض سيالة، تجعل المرء يسيل عرقاً. وهذا راجع إلى أن تأثير الشعرى يتعلق بالسيولة. فهي التي يؤشر طلوعها على بدء الفترة الفيضة الكونية. وحين تأخذ موقعها في أواخر حزيران جنوب برج الجوزاء، بعد سبعين يوماً من الغياب، يبدأ فيضان الأنهار، وعلى الأخص نهر النيل، وتبدأ معه الحميات. وبرج الجوزاء في القسم الجنوبي من السماء. بذا فأمراض هذا القسم سيالة. أما شمال السماء، الذي ترمز له بنات نعش، فأمراضه جافة بيضاء، مثل البرص والجذام.
ولأن الحمى- الشعرى كائن سماوي فإن الرسول طلب، في أحد الأحاديث المنسوبة إليه، من أصحابه أن لا يسبّوا الحمى. ففي حديث عن أبي هريرة «أن الحمى ذكرت عند النبي فسبّها رجل، فقال النبي: لا تسبها، فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد» (سنن ابن ماجه). صحيح أن الحمى مؤذية، لكنها قادمة من كائن سماوي، لذا فأذاها مثاب عليه.
والشعرى العبور في ظننا عديل للعزى، أي الحد الأوسط في الثالوث المكي: (اللات والعزى ومناة). إنها بشكل ما هي العزى ذاتها. بذا يفترض أن العزى هي الأخرى على علاقة بالحميات. ولأنها كذلك، أي لأنها على علاقة بالحمى، فإن الصورة التي تأخذها شبيهة بصورة امرأة الحمى. فحين أرسل النبي خالداً بن الوليد لكي يهدم معبد العزى، ويقطع شجرات السمر الثلاث التي فيه، وجد العزى في الشجرة الثالثة على شكل امرأة منفوشة الشعر: «فإذا هو بحبشية نافشةٍ شعرها، واضعةٍ يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها» (ابن الكلبي، الأصنام). وكما نرى فتعبير «نافشة الشعر» يساوي تماماً تعبير «ثائرة الرأس» الذي ورد في الحديث النبوي عن الحمى. وهذا يعني أن العزى هي امرأة الحمى أيضاً.
والخلاصة أن الحمى كامرأة عاشقة معتقد قديم جداً. بذا فحين دخلت مخدع المتنبي عاشقة معانقة لم تكن هذه أول مغامرة لها. فقد دخلت مخادع كثيرين قبله.
* شاعر فلسطيني