كنت في باريس.

أجلس معها إلى مقهى في سان ميشال، ننتظر وصول سامي.
كانت تنزعج كلما طلبتها لسان ميشال، تقول إني لم أتعوّد بعد على المُدن الكبيرة وما زال تفكيري مضبوطاً على الجزائر العاصمة حيث لا مركز إلا في وسط المدينة، وحيث يعيش الناس حياة تحصر خياراتهم في دوائر تزداد ضيقاً وتركيزاً كل يوم، «يُمكن أن نلتقي في أي مكان هنا... هنالك أماكن سهر وشرب، أماكن للقاء، في كل المدينة... لا تحتاج أن تذهب كل مرّة إلى الأماكن الكبيرة والمعروفة حتى تلتقي النّاس»
كنت أفهم كلامها، لكني لم أكن مستعداً لتطبيقه.

تلعب بعلبة السجائر قبل أن تفتحها . سمراء بملامح دقيقة، مثل رسم على ورق، حلق صغير في أنفها وشعرها قصير مثل شعر طفل في الخامسة. بعدما فضّت غلاف السيلوفان الرقيق عن العلبة، فتحتها ونزعت غلاف الألمنيوم وفردته على الطاولة. كوّرت غلاف السيلوفان بين أصابعها حتى صار كرّة صغيرة وهي تغنّي «دوّر دوّر...خرجت من الحمام تفوّر»، ثم وضعته وسط ورقة الألمنيوم تلك ولفّتها بها فاستحالت كرة ألمنيوم صغيرة متماسكة، وفي قلبها السيلوفان، وضعتها على الطاولة وجعلت من أصبعيها النحيفين لاعب كرة قدم صغيراً، وقذفت بالكرة تجاهي.
«ما زال ما يجيش؟»

■ ■ ■


حدثتني عن عملها السابق، قالت بأنها كانت تستيقظ كل يوم وفكرة الاستقالة في رأسها. ليست الاستقالة الإدارية كما نعرفها، بل الانقطاع عن الذهاب مباشرة، مثل الأطفال عندما لا يريدون فعل شيء. قالت لي بأنهم لو أرسلوها للتدريس في هايتي، أو في أي مكان من الأقاليم الفرنسية خلف البحار لكان ذلك أفضل...لكن أن تبقى هنا؟
صاحبها رسّام ضيّع الطريق إلى أوساط الفنانين والمعارض في الدائرة الثامنة، فصار يرسم على الجدران ويشارك في ورشات تنظمها جمعيات المجتمع المدني لأطفال الضواحي. «هو عْروبي كيفي، فاميلتُه أصولها من البدو، وأنا نحتاج شخص يرعى بقطيع أفكاري ومشاعري...هو الراعي تاعي، مش لازم كل مرا يكون ليها راعي، أنا نعطيه أفكاري يرعى بيها». وأطلقت ضحكة قوية. قالت إنّه يرسم نفس الشيء منذ عشر سنوات. لوحات «باية» التي كرهها يوم كان طالباً في مدرسة الفنون الجميلة، صار يستنسخها على جدران البنايات القديمة والمهدمة في باريس، يرسم شخصيات يستوحيها من نساء «باية» اللواتي يشبهن مكنسة سعف تتكئ على جدار، برؤوس مدببة وفساتين واسعة. لكنه يرسم رجالاً أيضاً، يضعون قلنسوات وتنفخ ريح باريس برانيسهم الوبرية، «يرسمهم ويتركهم هناك يقاومون الريح فلا يتحركون سنتمتراً واحداً».
لم تشأ أن تحكي أكثر عنه، سكتت عن الكلام ثم قالت: n’importe quoi.

■ ■ ■


كانت قد جاءت إلى باريس في العشرين من عمرها لتحضّر شهادة في اللغة الفرنسية عن الأدب المغاربي.
كانت سعيدة لأنّها في باريس، ولأنها ستشتغل على عمل مالك حدّاد. كانت تعتبره شاعرها الأهم. «صحيح أنّه كتب أربع روايات... لكنه كان شاعراً، جمل وفقرات قصيرة، تدوير الكلام وتكثيفه في كل صفحة...لا يترك السرد ينفلت منه، لا يُنهي الفقرة قبل أن يربط آخر كلمة فيها بأول كلمة...».
تضع صورته على شاشة تلفونها. تملك كل كتبه، وكل الطبعات التي صدرت فيها، الروايات والدواوين، طبعات قديمة من كتاب الجيب، أوراقها صفراء لكنها متينة.
أخرجت كتبه من حقيبتها وقالت لي: «شوف كم هي جميلة... صغيرة ونحيفة مثل ألواح الشوكولا». ثم أعادتها إلى الحافظة البلاستيكية التي تحميها من الفوضى داخل الحقيبة، ثم تُكمل: «كل هذا كتبه في أربع سنين فقط... شعر ورواية ثم نصّه الطويل «الأصفار تدور حول نفسها» وين حكى عن العربية، ثم توقف عن الكتابة». تصمت وتسرح نظرتها فوق كتفي، في الأفق حيث يعيد الحالمون تشكيل الأشياء ويترقبون وصولها.
لم تُكمل دراستها، ملّت من الأكاديميا والقلم الأحمر لأستاذها الذي كان يشطب نصف عملها، ويحاول توجيه البحث في ناحية أخرى... تحوّلت للتعليم، صارت تدرّس اللغة لتلاميذ الثانوية، وهي الآن تعدّ كتاباً عن الجزائريين المنفيين خلال القرن التاسع عشر.
بدأ الأمر بفكرة غير واقعية اخترعتها لتطلب منحة تفرّغ للكتابة، وعندما وقعت المفاجأة: تمّ قبولها، اضطرت لأن تمضي في مشروعها، لكن المشكلة أنّها لا تفعل أكثر من تدوين الملاحظات ومحاولة جمع ما يقع تحت يدها من أرشيف، غالباً أشياءٌ تجدها عن باعة الخردوات، لا تكلّف نفسها أن تذهب للمكتبات العامة والسجلات الإدارية.
ما شجعها أيضاً على العمل هو قصة عائلتها. تقول إن أحد أجداد والدتها كان شاعراً عند الأمير عبد القادر، وفارساً أيضاً، جُرح في آخر معركة وهرب قبل أن تنتهي، ليعلم لاحقاً أن الأمير انتصر. تشبّث بفرسه وقطَع الحمادة الغربية كاملة حتى مُستقرّ قبيلته في سهل المتيجة شمالاً، على البحر مباشرة. تقول إن أصل القبيلة عرب رحّالة صعدوا من الجنوب نحو الشمال، تخلوا عن نوماديتهم أمام البحر، هربوا من الصحراء. ذلك البحر من دون ماء. صاروا قبيلة صيادين، استبدلوا اللحم المقدّد في كسكسهم بالسمك، وتوقفوا عن قراءة النجوم في السماء، وصاروا يحاولون فهم تقلّبات البحر. لم يعِش طويلاً بعدها، تقول، ألّف قصائده الأشهر في تلك السنوات وسلّمهم الكلمة ومات.
«عُمرك سمعتْ بالسي عزيز بن شيخ الحداد؟» هكذا تسألني وهي تقلّب أوراق دفترها الصغير، كل الذين يعيشون في الخارج يملكون هذه الدفاتر الجلدية الصغيرة الجميلة، نحن هنا لا نملك ترف شرائها ولا إيجادها حتى. «نفاوه مع جماعة المقراني في السبعينات، سبعينات القرن 1، لكاليدونيا الجديدة، كان في مكان اسمه جزر الصنوبر وعرف يهرب فوق البواخر الصغار حتى لنيوزلندا ومن بعد سيدني... ومن سيدني ركب البحر حتى للحجاز، في الحجاز ضاع أثره...هناك من يقول إنّه عاد مع قوافل الحجاج إلى الجزائر».
كانت تُخرج لي حكايات مماثلة كل ساعة، تتوقف عن الأكل وتبدأ في الحديث، أو تتأخر في مشيتها ثم تنطلق من جديد وتشرع في سرد قصة جديدة عن الابن البِكر للأمير، محيي الدين (نفس اسم جده). تقول- الذي هرب من دمشق وركب البحر نحو مالطا ومن هناك إلى طرابلس ليصل إلى تونس عبر البر... ثم تتوقف عن السرد، تُخرج كل هؤلاء الرجال من القرن التاسع عشر، ترميهم في آخر الدنيا ثم تجعلهم يركبون بواخر وتُدخلهم مدناً لم يعرفوها من قبل، تضيّعهم في الصحراء وتستعيدهم في ظلال نخيل الزوايا الصوفية متنكرين في يرنوس رثٍ، أو في وسط الحجيج في مكة. كانت تملك حكايات كثيرة، لكنها كانت تكتب القليل. كانت قد فكّرت في عنوان حتى، عنوان طويل... «مثل تلك العناوين الصغيرة التي كنا نكتبها بقلمٍ أخضر في كرّاس التاريخ، تبدأ بصيغة للجمع وتنتهي بتاريخ ما».
«شوف الملاحظة هذه: عندما تخرج من قرن بعدما ضيّعت المكان، لا تدخل في القرن الذي يليه بالضرورة، قد يضيع الزمان منك أيضاً، يمكن أن تخرج في قرون سحيقة كما يمكن أن تخرج المستقبل، تصوّر.. أنهم يخرجون الآن بهيئتهم العجيبة، عالقون في الزمن، تنشق عنهم الجدران، مثل الرجال الذين يرسمهم وليد هنا في باريس». توقفت عن الكلام للحظة ثم قالت: «في الجزائر عندما كان يرسمهم على الجدران، كانوا يبقون لأيام ثم يختفون، لكن هنا يظلّون على حالهم حتى يتهدّم الجدار أو يعاد طلاؤه. لذلك لا أريد البقاء هنا ولا العودة للبلاد، نحب نروح للجنوب ونعيش قدام البحر، عالأقل نشوف السُفن والشمس ونسَرّح الرجال هذو من راسي».
* كاتب من الجزائر