في لحظة «الارتباك الفرنسي» الحالية، والقلق الشّامل، تُختصر كبريات القضايا في سؤال واحد: كيف يُمكن التّعامل مع الإسلام في فرنسا؟ ينتصب الإسلام كجدار عازل بين كتلتين من المثقّفين الفرنسيين، بين مُعارض له ومُدافع عن حضوره! وفي نقطة التّماس بين الجانبين، تبرز أصوات تحاول أن تُغلب العقل على الانفعالات اللحظية، من بينها الفيلسوف ميشال أونفري (1959) الذي يصطدم في كتاب «التّفكير في الإسلام» (غراسيه ــ 2016) بمناظرة شائكة، مع الكاتبة والمختصّة في علم الأديان المقارن أسماء كوّار (1978). يضع رجليه على أرض متحرّكة، في مواجهة أسئلة مستفزّة، حول الإسلام، في الوقت الرّاهن وفي الماضي، يُحاول الإجابة عنها، من دون أن يمسك بفهم صريح للإسلام. هكذا يظهر ميشال أونفري، في آخر كتاب له، كرجل يفكّر «داخل تأثير الواقع» وليس كمفكر يلتزم مسافة أمان من الأحداث الجارية، وبنقد تفكيكي للظّواهر الدّينية.

عقب الاعتداء الإرهابي على صحيفة «شارلي إيبدو» (يناير 2015)، انتقلت بعض وسائل الإعلام الفرنسية، من نشاطها الإخباري، إلى ممارسة ما يشبه «الكرنفالية» في نقدها للإسلام، استجابة لحالة الغضب الشعبي، والخوف الاجتماعي من إمكانية تكرّر العملية ذاتها. في تلك الأجواء التي غلبت عليها بعض الأنانيات، كان ميشال أونفري ضيفاً دائماً على الاستديوهات، يطرح وجهات نظره، ويشتكي، في الوقت نفسه، من سوء فهم له من طرف الإعلاميين، ومن طرف الجمهور. من هنا تأتي أهمية كتابه الأخير للاقتراب بموضوعية من آراء الفيلسوف وأطروحته حول الإسلام في فرنسا. فقد أخذ – على ما يبدو – وقتاً كافياً للردّ على الأسئلة. ردود حملت بعض التّناقضات، وسوء فهم عميق للإسلام، إذ حاول أن يكون «وسطياً» في طرحه، تخلّص من عباءة «الرّاديكالي» في رفضه للأفكار الدّينية، لكنه فشل في تقديم قراءة صائبة للحضور الإسلامي في بلد فولتير.

استعادة آيات تبرّر العنف بشكل مفصول عن السّياقات التّاريخية

ميشال أونفري تعوّد في السّنوات الأخيرة، إثارة الإشكاليات، والسّير عكس الآراء السّائدة، فهو من ذلك النّوع من المفكّرين القلائل الذين يحيلون كل «سؤال» على «أسئلة» فرعية أخرى، كما لو أنه في ماراثون جدلي، في سباق مع نفسه لإثارة كلّ القضايا التي من شأنها أن تستفز المتابع، وترفع – بالتّالي – من اسمه في «بورصة» النّقاشات الإعلامية، لكنه في كتاب «التّفكير في الإسلام» ظهر بشكل مختلف. بدا غير متماسك في ردّه على أسئلة تتعلّق بالإسلام، غير مستوعب للحركية التّاريخية لهذا الدّين.
من البداية، يخبرنا ميشال أونفري بمسلماته، بأنه «يؤمن بحركية التّاريخ، وأن القوانين البشرية لا بدّ أن توضع على سكّة اللحظة التّاريخية التي نعيش فيها». يمنح القارئ انطباعاً بأن له قراءة تاريخية للإسلام، بحكم أن النصّ الدّيني ليس «ثابتاً»، بل هو دستور يحتمل التّأويل، بحسب المرحلة التي نتعامل فيها معه، تماماً كما كان يدعو إليه محمد أركون (1928-2010). لكن سرعان ما يسقط أونفري في تناقض مع نفسه، ويشرع في استعادة آيات من القرآن، وأحاديث نبوية مفصولة عن السّياقات التّاريخية التي وُجدت من أجلها. يستعيد عدداً من الآيات التي تبرّر العنف، بشكل مستقلّ عن الحالة التي تعبّر عليها. يقدّم قراءة «ماضوية» للدّين، كما لو أن الشّروط والوقائع التي تبرّر العنف، ما زالت مستمرة في الزّمن. في هذه النّقطة بالذّات، وبالرغم من حساسيتها، سيتقاطع ميشال أونفري مع «الخطاب الأصولي»، الذي يؤول النصّ الدّيني كما كُتب حرفياً، من دون نقد تاريخي له. من المعلوم أن أونفري لا يتقن العربية، وقراءته للقرآن وللسّيرة المحمدية ليست سوى قراءة لترجمات، متقاطعاً في ذلك مع المناهضين لحضور الإسلام في الفضاء العام في فرنسا.
تقول الدّكتورة أسماء كوّار، التي حرّرت الكتاب ﻟ«الأخبار»: «أونفري ليست له معرفة معمّقة بالدين الإسلامي في أصوله ومقاصده. أعتقد أن رؤيته للإسلام تقنية أكثر منها رؤية فلسفية للدّين. هي نابعة من محاولة التجرّد من أي تأثير ديني أو عقائدي. لكن أثناء مناظرتي له، وقفت على حقيقة لم تثر في الكتاب بشكل مستفيض لاعتبارات تحريرية، وهي أن ميشال لم يفهم النص القرآني إلا من خلال ما قرأه من ترجمات وبشكل سطحي جداً».
صاحب «نحت الذّات» الذي يدعو القارئ إلى عدم الإصغاء إلى التحليلات «الانفعالية» وتجنّب الأصوات «التي تجعل من الإسلام بيزنس»، مشيراً – في ذلك – اسمياً إلى خصميه إيريك زمور وميشال ويلباك، يحاول مغازلة مسلمي فرنسا بكلمات ناعمة، من دون أن يصيب الهدف، ويواصل ردّه على أسئلة الحوار، بتقديم أطروحات جديدة حول لائكية الجمهورية: «لا بدّ من أن نُعيد التّفكير في اللائكية، مع الأخذ في الاعتبار المكوّن الإسلامي»، وهو طرح «طوباوي»، على الأقل في المرحلة الرّاهنة. الإسلام الذي صار «فرنسياً»، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وتكرّس خصوصاً مع تشييد مسجد باريس (1926)، لا يمكن أن يبقى في الظّل بحسب أونفري، بل يجب أن يدخل في حسابات السّاسة. هؤلاء السّاسة، من يساريين ويمينيين من دون استثناء، يحمّلهم مسؤولية سوء فهم الإسلام، ويتهمهم «بالإسهام في إشاعة الإسلاموفوبيا». بتصريح كهذا، يبرّئ ميشال أونفري مثقفي اليمين من الإسلاموفوبيا، ويجعل من خطاباتهم الشوفينية، والعدائية انعكاساً فقط ﻟ «إسلاموفوبيا رسمية». فمن منظوره، اللعب على وتري الإسلام والإسلافوموبيا، يدخل في لعبة الإغراءات السّياسية، وهو وسيلة لبعض المرشحين، لكسب وعاء انتخابي أكبر، وكسب نقاط أعلى في عمليات سبر الآراء الموسمية. «ردود أونفري جاءت انتقاماً من خصومه. لكن، في الوقت عينه، بقدر ما غازل المسلمين في بعض النواحي، هاجمهم بلؤم في جوانب مهمّة، وهي التشكيك في مقاصد عقائدية تمسّ الإسلام والمسلمين» تضيف أسماء كوّار.
هل هذا النّقاش المتناقض حول الإسلام ينبئ بأشياء مستقبلية أخرى في فرنسا؟ يظهر ميشال أونفري راديكالياً في ردّه. «إنها بداية نهاية الحضارة» في فرنسا، وفي أوروبا إجمالاً. هو يرى أن «سؤال الإسلام» ليس سوى جبل جليد يخفي تصدّعات في الدّاخل. فرنسا الحالية لم تعد قادرة على تلبية رغبات شبابها من «حلم» و«مغامرة»، بل صارت هيكلاً متصدعاً. هذه الفرضية ليست جديدة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثّانية، برزت أصوات تتحدّث عن بداية نهاية الحضارة الغربية، هذا الطّرح ستُقاس صدقيته في العقود القادمة وليس الآن، لكن الشّيء الأكيد أن ميشال أونفري أيضاً دخل حالة من التّصدّع الفكري. ففي مغامرته الجديدة للتّفكير في الإسلام، وجد نفسه عاجزاً عن الردّ على الأسئلة الأكثر حساسية. هكذا فإنّ كتابه الأخير، الذي تضمن أيضاً إعادة نشر مقالات صحافية سابقة له، جاء مفككاً، مكتفياً بدفاع هشّ عن الإسلام في فرنسا، وغير مدرك أنّ الموضوع قد يستلزم منه سنوات أخرى من البحث، ليصل إلى إجابات مقنعة عن الأسئلة التي طُرحت عليه.