«كلانا مظهرٌ للناس بغضاً/ وكل عند صاحبه مكين»**.

فى ليل مثل هذا الليل، خرجت ليلى من خيمتها، كانت ترتدى النقاب، لكنّ قيساً - الذي يراقب الخيمة كل ليل - عرفها رغم نقابها. انتظر حتى مرت من أمامه وعبرته، ثم تابعها بنظره حتى اختفت، وأسرع خلفها.
سأله المحقق: لمَ أسرعتَ خلفها؟!
قال قيس: لا أعلم.

■ ■ ■


استمر قيس في تتبع خطوات ليلى التي تتركها على رمال الصحراء، كانت تبتعد عن خيامهم. ربما لم يلاحظها القمر، لذلك لم يتبعها، لكنّ قيساً سار على خطوها. كان شكه، كما يبدو، فى محله... فليلى تقترب بالخطوات من خيمة بن ورد.
سأله المحقق: من أين لك بخطوات ليلى حتى تدعي أن هذه الآثار لها؟!
قال قيس: أعرفها.

■ ■ ■


على باب الخيمة، فقدت خطوات ليلى انتظامها، ربما لأنها في لحظة اللقاء بابن ورد لم تصل إلى صدره لتلقي عليه ثقل الجسد، فخرجت مشاعرها المضطربة عبر الخطوات. قيس تفحص الأثر، ثم نظر إلى القمر الغافل عنها. كان كل ما يريده شاهداً. لعل العالم من بعده يعرف سرّهما.
سأله المحقق: كيف... ؟!
قال قيس: بالكلمات.

■ ■ ■


اقترب من الخيمة، كان الصمت يلف الصحراء، كأنه متواطئ، مشارك في جريمة لا يعرف بها إلا قيس. قطعت الصمت فجأة ضحكة تعالت حتى أنها دهنت صمت الصحراء بالبهجة، رمل الصحراء بالأخضر، فلفتت نظر القمر الغافل فالتفت ناحيتها. ضوؤه المرمي على خيمة بن ورد، عكس ظلين متقابلين عاريين كانا على وشك أن يبوح أحدهما بسره للآخر. رأى قيس الضوء ولمح من خلاله الشبحين، وتنبأ بالسر الذي سوف يباح به. لكنه لم يتحرك. كأنه أصيب بالشلل، فترك نفسه ليسقط على الرمال وانتظر..
سأله المحقق: ماذا كنت تنتظر؟!
قال قيس: معجزة.

■ ■ ■


تحركت الظلال المتقابلة. لم يعودا ظلين. فقد اجتمعت معهما شياطين الجن والإنس. امتلأت الخيمة بالحركة. بالرياح العاصفة. الأنّات التي تشبه صوت ريح الصحراء. بالأنفاس اللاهبة الحارقة. وصل صهدها إلى وجه قيس.. فأخفى عينيه بيده وحاول ألا يستعيد المشهد مرة أخرى. لكنه في داخله كان يريد أن يتأكد من شيء واحد، أن ما سيفعله سيحفظه التاريخ. فرفع وجهه إلى القمر. كان القمر غارقاً في بحر الاشتهاء والتمني، تتقاذفه أمواج الرغبة الجامحة، فبدا بوجهه الأحمر كأنه يشتعل... حزن قيس وتمنى فى داخله اختفاء الشاهد؛ لعله يمحو من داخله صورة – سيحفظها التاريخ – ليلى العارية المنعكسة ظلالاً على جدران الخيمة.
كان المحقق ينتظر.
وكان قيس صامتاً.

■ ■ ■


لم يجد قيس بداً من التحرك، فالشاهد لم يعد شاهد عدل. ربما أغوته هو الآخر شفتا ليلى. تحرك في اتجاه الباب مقاوماً ذلك الإحساس الذي يحاول أن يهزمه. «إنها ليلى. الحب والحياة. الشعر والكلمات. السعادة المقتنصة والفرصة الضائعة»... على الباب توقف ليتأكد أن القمر ما زال حاضراً... أنّ الضوء المتسلل إلى الخيمة ليس وهماً من خياله. أن الأصوات ما زالت تتوالد وتتكاثر فى داخلها. أنه حيّ لم يقتله بعدما شاهده مرسوماً على صفحة الكون، على قماش الخيمة. اندفع داخلاً. الرمل حجز قدميه لحظات كانت كافية كي يرى المشهد ملء العين. يتأمله وينقله لعقله الغافل الساهي المغيب. غيره كان سيصاب بالجنون، لكنه في لحظتها تواردت على رأسه أبيات الشعر وموسيقاه تعزف ألحاناً تصلح لأبيات تسكنها الخيانة. لم يكن يملك الورقة والقلم، ولم يكن عنده الوقت ليكتب كما اعتاد دائماً على رمال الصحراء. فهجم على ليلى. أخرج الفزع بن ورد عن حاله، فأسرع بجلده هارباً. كان قيس يحاول أن يعبر القصيدة التي تطارده الآن.
«عرضت على قلبي العزاء فقال لي/ من الآن فايأس لا أعزك من صبر»***..
 كان يحاول أن يحولها إلى واقع، فيضغط بقبضته التي تنطق الحروف على رقبة ليلى، فتخرج الأنفاس منها بحار شعر وقوافي تكمل له قصيدته، حتى وصل بيته الأخير.
«إذا بان من تهوى وأصبح نائياً/ فلا شيء أجدى من حلولك في القبر»***.
الأنفاس تتلاحق وتتوقف. يسابق ليلى وتسابقه. توقفت الحركة. انكفأ بجانبها. لم يتح للقمر أن يرى وجه ليلى، ولا أن يلمح ظلها، لأنه كان منشغلاً بهذا الفارّ عارياً كأنه خارج لتوه من رحم أمه. مغطى بفضلات الميلاد.
* كاتب مصري
** البيت لليلى
*** البيتان لقيس