أصدرت «دار غاليمار»، أخيراً، كتاباً يجمع الرسائل التي تبادلها الكاتبان الفرنسيان أندريه مالرو (1901 ـــ 1976) وألبير كامو (1913 ــ 1960) بين 1941 و1959 أي قبيل موت كامو. قد يكون الشعور الأول الذي ينتاب قارئ «مراسلة 1941 ــ 1959 ونصوص أخرى» هو خيبة الأمل، إذ عادة ما كانت الرسائل ــ وخاصة بين كتّاب «دار غاليمار» ــ شاهداً على صداقة تاريخية، كتلك التي صدرت سنة 2013، وكشفت عن تفاصيل تطور العلاقة الوطيدة بين ألبير كامو بالكاتب لوي غييو. أما هذه المراسلة، فلا تعدو أن تكون وثائق تاريخية.

هنا، لا أثر لأي صداقة تذكر. صحيح أن الكاتبين كانا يتبادلان احتراماً شديداً، لم تفتأ رسائلهما تعبر عنه، لكن هذا التبادل الفكري لم تتمخض عنه أي علاقة شخصية حميمة. على مرّ 18 سنة، لم يتبادل مالرو وكامو سوى 36 رسالة. البداية كانت بعد سنة من لقائهما الأول، عبر صديق مشترك هو باسكال بيا، الذي أرسل لمالرو، سنة 1941، نسخة من مخطوطي «الغريب» والمقال الفلسفي «أسطورة سيزيف» لصحافي شاب يدعى ألبير كامو. لم ينكر مالرو على كامو اهتمامهما المشترك بالقضايا الأدبية والفلسفية نفسها، على رأسها العبثية والعدمية.

ملاحظات تذكّر بأهم قضايا القرن العشرين
يقرأ الكاتبان بشغف كتابات نيتشه ودوستويفسكي، ويتطرقان إليها من المنظور الأدبي: «إن أردت أن تكون فيلسوفاً، اكتب روايات» يقول كامو في مقالته. ولا شك في أنّ ذلك جعل مالرو يقرأ الكتابين باهتمام كبير، ويرى القاسم المشترك بينهما، مشجعاً الناشر «غاليمار» على إصدارهما. في الوقت نفسه، لم يمتنع صاحب «الشرط الإنساني» عن ممارسة فكره النقدي واقتراح بعض التعديلات. من جهته، أخذ كامو في الاعتبار ملاحظات مالرو وقام بالتغييرات اللازمة، ولم يكن ينسى في كل رسالة أن يقرّ بفضل مالرو على كتابته. لقد كان كامو من المعجبين الكبار بأدب مالرو الذي اكتشفه سنة 1927 بفضل أستاذه في الفلسفة جان غرونييه، وبأبطاله الذين يرفعون الأمل في وجه العدم، حتى إنه صرح سنة 1957 عند حصوله على جائزة «نوبل للآداب» أنه كان يفضل لو منحت لأندريه مالرو الذي يستحقها على حد قوله أكثر منه.
بين مالرو وكامو 12 سنة من فارق العمر ولكن كذلك، هناك فارق في التجربة الأدبية والسياسية، خلافاً لكامو وسارتر اللذين شرعا في الكتابة تقريباً في الفترة نفسها، رغم أن سارتر يفوق كامو بثماني سنوات. أغلب الرسائل تعود إلى الفترة التي عاد فيها كامو، مؤقتاً، إلى الجزائر، أي من 1941 حتى 1943، بينما كان مالرو في فرنسا. وتذكّر هذه الرسائل القارئ بأن كامو لا يعدو أن يكون بمثابة الرفيق الأصغر الذي لا يعامله مالرو معاملة الند للند، ولا سيما في عدم مشاركته لكامو مشاريعه الأدبية، لتدور مراسلتهما خاصة حول قضايا شكلية تتعلق بعالم النشر. بل إن مالرو قد يكتب لكامو بنفس اللكنة التي نجدها في كتاباته الشخصية، في مزيج من الطيش والمبالغة، كقوله إنّه التقى بالملقب لورانس العرب، وهذا غير صحيح. ويبقى الأمر على هذا النحو إلى حدود سنة 1946، عندما ستباعد السياسة بين الرجلين بعدما جمعتهما قضايا مهمة من القرن العشرين: فالكاتبان عشقا إسبانيا ودافعا عن جمهورية الجبهة الشعبية أمام الانقلاب الفاشي؛ مالرو عبر مشاركته المباشرة في الحرب، وكامو من خلال نشاطه السياسي والأدبي. كذلك التحق الكاتبان بالمقاومة الفرنسية سنة 1943؛ مالرو حاملاً السلاح وكامو من خلال عمله مع صحيفة المقاومة Combat. لكن بعد الحرب، بدأ مالرو يأخذ منحى يمينياً مع الجنرال ديغول، بينما تسبب تردد كامو السياسي والأيديولوجي، بشأن الاتحاد السوفياتي أولاً ثم بشأن الجزائر لاحقاً، في عزله سياسياً عن باقي مفكري الساحة الأدبية الفرنسية. كامو الذي كان يطمح خلال آخر أشهر حياته في العودة إلى حبه الأول أي المسرح، انتظر رد وزير الثقافة مالرو على طلب تسميته مدير مسرح في فرنسا، لكن حادث سيارة «عبثي» صباح يوم 4 كانون الثاني (يناير) 1960 سبق موافقة مالرو.
ما الذي تقدمه هذه المراسلة للقارئ إذاً؟ خلافاً لمراسلات غييو أو رينيه شار، التي نطالعها ليس فقط لمحتواها بل كذلك لشعرية كتابتها، فإن رسائل مالرو وكامو لا تكشف لنا صداقة لم تكن، بقدر ما تذكّرنا بجميع القضايا الأدبية والسياسية التي جمعت هذين الرجلين. عبر الرسائل وبين الأسطر، تطالعنا أسماء أدباء وسياسيين وناشرين صنعوا تلك الفترة، مثل سارتر ودريو لا روشال ومورياك وغاستون غاليمار وديغول وغيرهم. ملاحظاتهما الأدبية تذكر بأهم قضايا القرن العشرين: الحرب الأهلية في إسبانيا، والحرب العالمية الثانية، وحرب التحرير في الجزائر، والإرهاب كقضية سياسية وأخلاقية. أما اهتمام كل منهما بإصدارات الآخر، التي يذكّر بها ملحق الناشر، فمن شأنه أن يحثّ الباحثين على المضيّ قدماً باتجاه هذه المقارنة الأدبية. إذ إن فائدة هذا الإصدار الكبرى هي إقامة حوار فكري عميق لم يكن أبداً بين الكاتبين، لكن لطالما تمنّاه كامو، وحال دونه موت كامو المبكر ومسار مالرو الوزاري وابتعاده عن الممارسة الأدبية.