سامي سعد



-1-

«أعرف قطاً هرماً، مازال يموء أسفل الجدار، وفي أندية الجاز، يغني شعر التفعيلة»

الشارع بأسره يعرف أنها حرب، أليست حرب هذه؟ والخادمة تهز رأسها بالإيجاب، سأقول أنك حزين، وما الجديد في هذا؟ رغم أنك تضحك أحياناً وتأكل البطاطا واللحوم الحمراء، الجميع يراك في الليل، وأنت تراقب نافذة الجيران، وترسل إشارات غير حزينة، وإذا فتحت لك النافذة، فستقذف وردة قلبك على الفور، ماذا لو تركت الحرب للمحاربين، والنافذة تأخذ حريتها، ماذا لو خرجت من القبو، ونظرت إلى هناك؟ هناك الذي ينبغي أن تخلص له الحب...


-2-

كنت أصلح أن أكون عالماً، فأنا دقيق الملاحظة، وخيالي أهوج، عرفت هذا بالمصادفة (وهي الأم الحقيقية لكل العلوم) هكذا عرفت أنني كنت عجلاً صغيراً، أو كان ينبغي أن أكون، أظافر قدمي ظلفان مشقوقان، أتولى العناية بهم أحياناً، إكراماً لجواربي، مثلما فعلت الملائكة من قبل، حين أدخلاني في غرفة الرحم الرقيقة، كان وجه أمي يميل إلى الحمرة، إنه الخجل من الاعتراف بولدها العجل، بعد سنوات من الدرس والتأدب، تغيرت بفعل القوالب الصارمة، كل شيء قابل للتغير، لكن أظافري حافظت على أصالتها، ما أن تلامس عشباً حتى تجذبني للتمرغ فوقه، وكلما تقدمت في العمر اتجه نحو اكتمال الطفولة، أتنهد في الليل كعجل، أشتهي أثداء كبيرة، والموسيقى التي تشد روحي هي خوار الأهل، في المراعي القريبة.


-3-

كان يحارب فكرة يابسة، يلصقها على الحائط ويكيل لها الضربات، صراخه الحقيقي يجرح قلبه الواهن، انغماسه بالحرب كان ينسيه القانون، لا قوانين في الحرب، لم يكن يدري أنه يرعب الناس بصورته الحربية، سأله أحد العقلاء: من تكون؟
أجاب بحزن: أنا القائد وواصل الصراخ، ذات نهار شاهده القانون في السوق، ألتقطه كحبة طماطم فاسدة، ساقة إلى بيت المجانين، في البيت تعرف على زملائه القادة، ورأى جنوداً ماتوا في حروب سابقة، وبنظرة عميقة حدد أعداءه الجدد، كانوا دائما بملابس بيضاء، ولا يضحكون أبدا، تحدث زميل في إحدى الأمسيات، قال: نحتاج إلى مرايا ضخمة وكثيرة، ضجت القاعة بالتصفيق، كانوا يعرفون أن كل شيء جاهز للمعركة، حتمية النصر، فقط كان يعوزهم، توفير ساحة أرض للمعركة.


-4-

حدث أنه سقط، ولم يمت، هناك كثير من الشروح للواقعة، الزمن يتدخل أحياناً بالحذف والاضافة، كان هناك كلب أسود، وأربع قوائم تسير على الشاطئ برتابة، الخوف ولد قبل الكائن، ثم أدخله الرب في العجينة لسبب غامض، ماذا سيحدث لو أنه مات آنذاك؟ الكلب فر سريعاً كالعادة، والقوائم هدأت بعد أن أستقر الوضع، الرمل ظل صامتاً كأن الأمر لا يعنيه، أحدهم تحمل عقاباً ونسي الأمر، نشأت حكمة لمن سيأتي، القاضي على المنصة بمفرده، القضية ليست غامضة. أحدهم سيبقى، ودون أن يطلب منه أحد، سيقص هذه الحادثة.


-5-

لا أقول لك ما يؤلمني، فعلت ذلك مع الحائط، ولم يتحرك. أنا ليست لدي خبرة بشيء، لهذا تقل حاجتي للكلام، إذا عرفت أن عيني مغلقة، فلماذا تحدق في الليل؟
النجوم والبحر والكائنات هي أشياء تخص العلماء، في كوب ماء يستحم البحر، أو يضيق محيط بسمكة عابرة، لا أعرف، لا أعرف، لكن ذلك غير كافٍ لكي تتركني وشأني، ذلك المصنع ذو الأدخنة، كان موجوداً قبل الوجود، كلمات، كلمات، كلمات، حتى في الليل، والسفر، تتناسل في بشاعة دود لا يموت أبدا.


-6-

لا يعرف كيف نجا من الغرق، وهو لم يتعلم السباحة أبداً، لكنه كان يحب الهواء أكثر من الماء، لامست قدماه القاع أكثر من مرة، وأكثر من مرة كان يتذكر أنفاسه باليابسة، مرات فكر في تجربة جديدة، أخبره رجل في ظلام القاع: لا جديد بالمرة هنا، وحكي له عن الشجرة التي تثمر في العمر مرة واحدة، قبل ذلك كان على الشجرة أن تنسى الإنجاب.
فكر: وماذا هناك في الهواء غير الهواء؟ ولم يعثر على جواب حقيقي، لكنه يحب الهواء أكثر من الماء، لم يأنس كثيراً لرجل القاع، لم تحز على إعجابه قصة الشجرة، تذكر أنه يحب الشراشف الجافة، وأنه أحياناً يغني في شارع مهجور، كل ذلك قال، يستحق أن يضع اصبعه في عين الحوت، وينجو ليموت دون بلل.