أن تتوجه صوب صفحات شربل داغر (1950) الشعرية، يعني هذا أنك قارئ لا يهوى التسطيح، ولا يتمتع بالإقامة في التقليد، ولا يكتفي بالتلقّي البارد لما يُقدم له. أن تألف نص داغر الشعري، هذا يعني أنك شريك في صنع المعنى، رفيق في رحلة الحفر عميقاً داخل اللغة كما في طيات الذات. أن تتكشّفَ صورةَ الشاعر في القصيدة، وتتلمّس من خلالها صورتك، بوجعها وقلقها وابتهاجها، فهذا يعني أنك دخلت في الحداثة الشعرية، وخرقت الأوزان لكي ترتقي نحو الكلمة التي بإمكانها أن توحّدك مع نفسك ومع الآخر. يقود الحوار مع الشاعر والباحث اللبناني شربل داغر، إلى كتبه الشعرية التي تفوق العشرة، ومختاراته الشعرية بأكثر من لغة، التي تزيد على الستة، وإلى كتبه ودراساته في الشعر التي تعد بالعشرات... يقود الحوار في اتجاه الأسئلة الملحّة التي يصعب تجاهلها، في حال أمضينا وقتاً بمعية القصيدة. بعد صدور مجموعته الشعرية الجديدة: «دمى فاجرة» (دار العين للنشر) وأنطولوجيا لشعره الى الالمانية بعنوان «جسدي الآخر» (ترجمها سيبستيان هاينه وسرجون كرم)، يحدثنا داغر عن الشعر العربي المعاصر وسؤال الحداثة، عن همّ التواصل، وعن إشكاليات القصيدة القديمة والمستجدة، وكيفية التعاطي معها كـ «أنا» وكـ «آخر».


■ كيف توصّف العلاقة بين الشاعر والمتلقّي؟ وهل شهدت بنظرك تراجعاً بين الأمس واليوم؟ هل من أزمة تواصل مستجدة؟ الى أين تصل جذورها؟
إن القول بأن للشعر علاقة بالناس توهمٌ، بل هو فرضية مشكوك بصحتها. ولا في أي عصر من العصور، كان للشعر علاقة مع الناس، إنما مع النخب. حتى الشعر المنبري لا يفهمه الأميّ مطلقاً، إنما يتجاوب مع الرنين العروضي لا أكثر. الافتراض بأن الشعر العربي في السابق كان موصولاً بالناس، وكان يُتلقى بقوة، هذا أيضاً رأيٌ خاطئ. شعر المتنبي لم يصل أبداً أبعد من حدود الشعراء والعلماء والنقاد، ولم يكن أبداً متداولاً بين الناس، إلا حين أصبحت بعض أبياته وعباراته أشبه بالعبر البليغة. يعاني الشعر اليوم كما الأمس، ومنذ 50 أو 60 سنة، مشكلة تتفاقم ليس في بلادنا فقط، إنما في بلاد العالم. ما لا ننتبه إليه هو أننا نعيش منذ عقود قليلة عهد الصورة، بل عهد تفاقم الصورة في العالم، وهذا على حساب الكلمة، وعلى الأخص الكلمة الشعرية.
إن الشعر في الأزمنة القديمة كان مختبر الدرس لدى الفلاسفة والبلاغيين والنقاد، وهو كذلك اليوم في بلاد أوروبا على سبيل المثال. في أوروبا، لا يتم تلقي الشعر كما نظن أو نتوهم. الشعر حتى عند كبار الشعراء الفرنسيين أنفسهم، يُنشر بواسطة الدعم من «المركز الوطني للآداب»، ويعيش ضيقاً وانحساراً لبقعته التداولية بصورة أساسية. لكننا إن عدنا إلى الدراسات الأدبية والشعرية، فسنجد أن هناك تلقياً له يتعين في درسه وفهمه وفحص آلياته وعلاقاته بزمنه.

أنا في القصيدة ضعيف،
وهش، ورقيق، مثل كل الناس حين يخلدون إلى أنفسهم، فلا أصطنع
دوراً أو وظيفة

هذا الأمر صحيح في بلادنا العربية، لكنه محدود وغير كاف. من يدرس الآداب الحديثة في البلدان الأوروبية له صلة بالشعر، أما في بلادنا فالحالة سيئة للغاية... حتى من يدرس الأدب من الطلاب الجامعيين، لا علاقة له جدية بثقافة الشعر وبدرسه.
الأمر الآخر يكمن في أن هناك فهماً سياسياً وتواصلياً وراء هذا الكلام، حيث يفترض السؤال وضمنياته كما لو أنّ على الشاعر أن يتنازل لكي يصل الشعر إلى جمهوره التلقائي، وهذا أمر خاطئ. الشعر اليوم مثل أي فن آخر، تطور، وتعقدت أنماط تأليفه، كما تعددت فنون تركيبه، من دون أن تواكبه ثقافة دراسية مناسبة لهذا التطور. من دون ثقافة محتضِنة ومتلقية لهذا الشعر، لا يمكن أن ندخل عالم الشعر. مثل بسيط، أيّ مثقف اليوم، أي إنسان عادي، لا يستطيع أن يتلقى لوحة حديثة، وأن يتفاعل معها. لماذا؟ لأنه ليست لديه ثقافة تشكيلية كافية وضامنة، ليحسن تلقيها. وهذا الأمر صحيح في الشعر بشكل واضح.
إن مجموع الشروط التي يجب أن تتوافر للتلقي، لا تقع في علاقة واحدة وأحادية الجانب بين الشاعر والناس، إنما تقع في الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل يوفر المجتمع شروط تلقي الشعر؟ هل توفر الجامعة شروط تلقي الشعر؟ هل توفر المؤسسات الإعلامية شروط تلقي الشعر؟ هل توفر مؤسسات الجوائز والتكريم شروط تلقي الشعر وانتشاره وتحسين ظروفه؟
هذه الأسئلة لا أطرحها على القارئ. ومن المؤكد أنني لا أطرحها على الشاعر، وإنما أطرحها بشكل أكيد على المؤسسات، وعلى السياسات، وعلى الحكومات، وعلى كل من له علاقة بالمدرسة والكتاب والمجتمع، وبالتواصل في المجتمع.

■ تقول في مجموعتك الشعرية، ما قبل الأخيرة «على طرف لساني» : «ما أكتبه هو ما أعايشه في الكتابة وخارجها، وهو لا يعني النظر إلى الورقة مثل مرآة، وإنما مثل من يخاطب نفسه في عتمة نفسه، في سره، في قاعة هواجسه ومباهجه وشواغله»، كأنك لا تتوجه إلى أحد على وجه الخصوص في القصيدة، ولا تهتمّ ببعث رسالة إلى مرسل إليه تنتظر منه جواباً.
نعم، لكن هذا لا يلغي ولا يخفي كوني أعيش في زمن، أعيش في عصر، أعيش بين أناس، وأعيش ما يعايشون. لا أعيشه مثلهم بالضرورة، لكني أعيشه في هذا الزمن، وأتفاعل معه: يحزنني، ويفرحني، ويجعلني أتأمل، أو آمل، أو أتوقع، أو أتشوّف.
أنا إنسان متموقع بمعنى ما في هذا الزمن، مثلي مثل غيري. وشعري بالضرورة هو شعر التعبير أو التجلّي لهذا الموقع الذي أنا موجود فيه ككائن. وبهذا المعنى الشعر هو استجلاء لهذه الحالات، أكثر مما هو خطاب عنها. هذا يعني أنني أستجلي القصيدة، وأكتشف نفسي فيها، بمعنى من المعاني. هي نوع من حوار مع الذات. أنا لست خطيباً، وليست لي رسائل كي أوجهها هنا وهناك، وليس لي قارئ، بهذا المعنى، وإنما قد يكون لي قراء محتملون ومتمايزون عن بعضهم البعض.

■ أوردتَ في مجموعتك الأخيرة «دمى فاجرة»، نصاً عما حدث لك في برلين، في «اللقاء الفلسفي» فيها، حول إحدى قصائدك، فتحدثت عنها بوصفك «تزورها»... ماذا يعني هذا؟
* هذه التجربة توفر مثالاً حياً عن لقاء القصيدة بقرائها المحتملين، الذين التقيتهم من دون أن يعرفوني، ومن دون أن أعرفهم. تلقفوا القصيدة، وجعلوها مادة لاجتماع، وصارت موضوعاً لاجتهادات في الرأي. وحصلت الظروف أني كنت في برلين واجتمعت بهم، واجتمعوا بي، وصار نقاش حول هذه القصيدة. وكانت تجربة أعطتني لنفسي مثلاً حسياً، تجربة واقعية، لما كنت أقوله وأكتبه، وهو أنني إذ أكتب القصيدة، تكون القصيدة في أحسن الأحوال رسالة مرمية في البحر في زجاجة، كما يقول المثل الفرنسي، وهذه الرسالة قد تصل الى أحدهم من دون أن أقصده، وقد يجد فيها ما يشاركني فيه، من دون أن أكون قد توجهت إليه. هذا هو معنى الشعر العميق. هذا هو معنى التواصل، هذا هو معنى التلقي.
يجب أن ننزع من رؤوسنا فكرة الإرسال التي أرساها في الفكر اللساني رومان جاكوبسون، حول أن العملية الشعرية هي عملية إرسالية. القصيدة ليست رسالة توجِهينَها مثل بلاغ في إذاعة وتصل الى مستلمها. لا، هي ليست كذلك. الشاعر قبل أن يكتب هو موصول بغيره بطرق مختلفة. وهو حين يكتب - على الأقل أتحدث عن نفسي كشاعر -، لا يتوجه الى قارئ بعينه ولا الى قراء.
كما يجب أن ننزع من خلفيات تفكيرنا حول التلقي النظرية «الجماهيرية» التي تفترض أن على الشاعر أن يكون «مجنداً»، وبأقل الأكلاف الجمالية، من أجل «تحميس» القارئ، بل المشارك في تظاهرة، قبل النزول إليها أو بعد ذلك.
شبهت ذات مرة الشاعر بالممثل حين يكون وحده فوق خشبة، ويتكلم وفق منطق المونولوج، أي مع نفسه. هذه الحالة يعيشها الشاعر مثل الممثل بطرق مختلفة.

■ كيف ذلك؟
* الممثل حين يخاطب نفسه، يخاطب نفسه وهو يدرك أن أحداً أو جمهوراً يستمع إليه، وهو بالتالي قد يكون متنبهاً إلى بعض إيقاعات الكلام، الى بعض مراميه، إلى وقعه المحتمل. وفي أحوال أخرى، قد يخاطب نفسه فعلاً كما لو أنه عار مع نفسه، ولا يسمعه أحد. أي أنه قد يقول الكلام الجارح، الكلام الخفي، الكلام السري، مع نفسه، وهذا الكلام يظهر، ويقرأه القارئ، ولكن يقرأه بعد وقت، وليس في لحظة المكاشفة بين الشاعر وبين هذا القارئ الشبحي الذي قد يكون حاضراً وقد لا يكون مطلقاً.
أنا مهمومٌ في القصيدة، في هذه اللحظة النفسية الجوانية الداخلية التي أستطلع فيها مكنونات نفسي. مهموم بما يُحدثه الوجود والآخر في نفسي، وبمجريات الأحداث كما تتصادم وتتلاقى في نفسي. أنشغل بما ينصهر في نفسي، فأخرجه وأستطلعه، وأفحصه، وأزوره، مثل من يزور كائناً آخر، مكاناً آخر. وأنا في هذا المعنى أعتبر نفسي مخلصاً للشعر. أنا لست جندياً عند أحد. ولست مقاتلاً في أي جيش. ولست صاحب رسالة أو نبوءة لكي أوزعها على الناس. ولست صاحب أناشيد طرب سياسي أو وجداني أو غزلي.
لا أقف تحت شرفة أحد، ولا أي قارئ، لكي أدندن له ما يروق له ويهزه. هناك شعراء يفرحون لمثل هذا الدور، ويتقنونه. أنا لست من هؤلاء.
لا أقول هذا من باب التباهي، ولا من باب التواضع. أقول ذاتي، ومن يجد شيئاً في شعري يتواصل معه، يتفاعل معه، يجد فيه شراكة إنسانية، بيني وبينه، فتلك المتعة القصوى. وهذا أعمق التواصل الذي أطلبه ويكون حقيقياً، صميمياً، من إنسان الى آخر. أنا في القصيدة ضعيف، وهش، ورقيق، مثل كل الناس لما يخلدون الى أنفسهم، فلا أصطنع دوراً أو وظيفة.
أنا لست خطيباً على منبر، ولا أضع قارئي قط في وضع الجمهور الجالس في صالة للتصفيق وحسب. أريده أن يشاركني طاولة المتعة المتبادلة، طاولة التأمل المشترك. وهذه الطاولة، هي طاولة إنسانية، طاولة جمالية، طاولة تحترم القارئ وتجعله شريكاً قبل أن تُكتب القصيدة، وشريكاً خاصة بعد أن تُكتب القصيدة، وشريكاً حتى في تأويل القصيدة، في فهمها المختلف، في تحريكها، في فعل أي أمر، بينه وبيني، بينه وبينها.

■ قصيدة شربل داغر تنبني أحياناً على التجريد، وهي ترتقي بالقارئ إلى أفق آخر. قراءة هذه القصيدة تقتضي بذل مجهود فكري. هناك معاناة فعلية مع الذات، عملية حفر حقيقية. هل تعتقد أنّ في ذلك ما يقلّص دائرة انتشار قصيدتك، ويحدّ من التواصل بينك وبين القارئ؟
* أنا أقر بوجود أزمة. لا أنكرها أبداً. لكنني لا أحمّل الشاعر، ولا قصيدته مسؤولية حل الأزمة. هذه مسؤولية عامة. الأمر الآخر أنّ هناك مشكلة في التلقي أكيدة، والشاعر من المؤكد في إمكانه أن يساعد في إيجاد الحلول، أو في التفكير فيها...
علاقة الشعر بالفنون الأخرى قد تساعد الشعر على التواصل. تعرفين أن في شعري، في جانب من شعري، حاولت جمع الشعر مع أنواع أخرى. حاولت جمعه بالسينما، بالمسرح، بالحاسوب الالكتروني، بالكاميرا، بالمسرح، بالحوار، بالسياسة... وهو نوع من تقريب الشعر بالتالي من تجارب أخرى، من ملكات قراءة وفهم، أقل تطلباً من لعبة الشعر الخالص، إن جاز القول. ولكن على غير الشعراء أن يروا أيضاً إلى حال الشعر، وأن يسعوا ويتعاونوا أيضاً مع الشعراء على إيجاد تواصل وحلول في ما يخص هذا الأمر.

■ هل تقوم بنفسك بهذه المهمة؟ مهمة تقليص المسافة بين الشاعر والناس؟
أنا حاولت. لدي قصائد كثيرة ليس فيها تركيب، لا غامض ولا معقد. جمل بسيطة تبعث على الدهشة، تبعث على التأمل، تبعث على التفكير، لكنها من المؤكد لا تبحث عن التصفيق. القصيدة عندي ليست ما يرافق التظاهرة لكي تستدر التصفيق. كثيراً، عندما أدعى لإلقاء قصائد لي، أختار من بينها البسيط والسهل التركيب... هي أقل صعوبة في أي حال من شعر أبي تمام، أو من شعر سعيد عقل. بالعكس، أنا أعتبر أن جزءاً كبيراً من شعري يقوم على درجة معينة من التواصل مع الجمهور، مع حالات، لكن هذا التواصل لا يقوم على الدندنة والتطريب، ولا يتم عبر الحض والخطابة وتأليب الرأي. هناك دعوة أحياناً للتأمل، لاستبيان الوجع الخفي، الوجع الصامت في بعضه. في قصائدي كلام كثير عن الموت، كلام عن موتي الشخصي «قبل موتي»، عن موت الآخرين. دائما أتساءل عن الموت... نحن شعب يميت ويموت منا بأعداد تعد بمئات الآلاف من الناس، ولا سيما في السنوات الأخيرة. يموتون عرباً بأيدي عرب آخرين، قبل الاستعمار وقبل إسرائيل، وقبل أي أعداء آخرين. هذا مدعاة للتعبير عن وجع، للتعبير عن أسئلة، عن سؤال الدم: ما هو هذا الدم؟ أليس هو دماً أسود مثل دم الحروب الأهلية؟
حتى الشهداء نختلف فيهم. نحن نختلف في تصنيفهم. شهداؤنا شركاء في حروب أهلية. من نعتبره شهيداً هو عند الطرف الآخر... خائن.

■ نجد أن «الظل» حاضر في ما تكتب، كأنه لفظ عابق بالرموز، يطفح منه عبير المعنى ليأخذ القارئ الى مكان يحلو فيه التأويل. تقول في «دمى فاجرة»، في سياق قصيدة «الشجرة التي أجلس في فيئها»: «هكذا بتّ أعلم أن ظلّي يخاصمني ويشاركني/ ما هو لي، هو له ولي،/ وما له، يتصرّف به وحده/ ويتركني في شوارع الكلمات، بين معاطف الهيئات/ أعبر في صورة رغبة/ لا تستكين الى فيء، وتتبادل تقاطيعي مع قامات الحروف/ أدواراً وأفعالاً،/ شريكين في منتهى الخطوط،/ في أفق لا ندركه بعيوننا/ بل بأجنحتنا». هذه الخصومة مع الظل ترسم مشهدية شعرية ملفتة تلعب على أكثر من مفهوم فلسفي، هل أن الرؤية الفلسفية عندك بإمكان الشعر أن يفيها حقّها، ويظّهر مكنوناتها؟
شعر يستدعي
بذل مجهود فكري، لارتكازه
أحياناً على التجريد

يروق لي الكلام، في السؤال عن الخصومة، إذ إنني أكتب في القصيدة ما كنت أعايشه في صغري مع خيالات ظلي، فألاحقها وتسبقني، وأسعى إلى الاقتراب منها فتبتعد عني. هي خصومة محببة بهذا المعنى. خصومة منشطة ومحرضة. مثل هذه الصورة الطفولية لم تفارقني، لا في القصيدة، ولا في النظر الفلسفي كذلك. فالقصيدة تصدر عن ذاتي الكتابية وتنغمس فيها من دون أن تصل إليها: إنه اللهو عينه، الذي يصبح شاغلاً يحض على التعبير، فيما يتجدد واقعاً ولا يصل إلى منتهى، إلى لقاء ختامي أكيد بين الأنا الكاتبة والأنا الماثلة في هيئة الحروف. لهذا أشعر أن في القصيدة ما يشغلني أكثر من التفلسف، ما دام أنني في التفكير أصل إلى اجتهادات، إلى مقترحات، فيما تبدو القصيدة مشتهاة أبداً ومدعاة إلى تحريض مزيد من دون أن يكون متشابهاً بين مسعى وآخر. لولا هذا الأرق، لولا هذا اللهو في معنى القصيدة لما كنت أكتب القصيدة... لكنت هجرتها منذ عقود. هي تشغلني بما فيه الكفاية لكي تستبد بي شهوة ملاحقتها: القصيدة ظلي في مساء الوجود.

■ هل في الشعر منفعة؟ لصاحبه؟ للمتلقي؟ عما يبحث الإنسان برأيك عند كتابة الشعر، أو قراءته؟
سؤال جميل جداً وقلما يطرح، لا على شاعر ولا على ناقد. أولاً، المنفعة لها معان ودلالات متعددة، منها المنفعة بالمعنى المادي المباشر. من المؤكد أن الشعر لا يجلب لصاحبه منفعة مباشرة، وعند غالب الشعراء، لأن الشعر يباع في ظروف صعبة، ومن يُقبل عليه قلة قليلة. وبالتالي، هو لا يوفر مالاً. قد يوفر اسماً أو صيتاً لصاحبه، لكنه من المؤكد لا يجلب منفعة مباشرة، وهذا قد يكون إرضاء بمعنى ما لعدد من الشعراء، وأنا منهم، الذين يتوخون من الشعر منفعة بالمعنى الجمالي للكلمة، وليس بالمعنى المادي الحصري، إذ إن الشعر في هذه الحالة، يكون أقرب إلى الفن كما حدده الفيلسوف كانط في «نقد ملكة التذوق»، حيث أن لا غاية له خارج ما هو موجود فيه. وهذا ما يربطني بالشعر، وهذا ما يحررني بمعنى ما من أي إلزام، من أي إكراه، من أي قيد، من أي منفعة، من أي استهلاك، من أي استهداف، إذ يجعل الشعر خالصاً لنفسه، لما يمكن أن يقوم عليه بين يدي الشاعر.
هذه المنفعة الجمالية أيضاً يمكن أن تكون - وأتمنى أن تكون - منفعة للقارئ، إذ إن الشعر يحدث مثل هذا العزاء، مثل هذا الرضا، مثل هذه الغبطة، مثل هذا الألم الجميل الذي نشعر به. وهي مشاعر مختلفة، يشدنا إليها الشعر، ويحدثها في أنفسنا. هذا ما أشعر به من مشاعر الغبطة عند قراءة شعر عربي او اجنبي، فيما يكون الشعر يتحدث عن مقتلة، عن جريمة، عن ألم، عن الموت، عن الخيانة، عن أي شيء. الدهشة الشديدة تجمعنا بالشعر.
كما أرى أن الفلسفة هي ما يشدنا أيضاً إلى عالي التوتر الإنساني، الى عالي الانفعال، إلى عالي التفكر. الفلسفة هي التي تجعل ما هو بديهي، ما هو صعب، مجالاً للتفكير. تجعله مجالاً لرؤية مختلفة، لفهم آخر للأشياء. والشعر، بحسب ما أرى، هو مثل الفلسفة، على أن ما يحدثه هو توتر الانفعال. هذا الانفعال الممتزج بالفكر والتأمل والمعاينة والفرح والحزن وغيرها من المشاعر. الجملة في القصيدة أقول عنها دائماً إن لها ميولاً، وإنها تميل... تميل مثل ميلانات النفس، وانحناءات التعبير والدلالة. علينا إذ نقرأ هذه القصيدة، قصيدتي على الأقل، أن نتبيّن، لا مواقفي المعلنة أو الصريحة أو المشهودة أو الانتصارية أو البكائية، علينا ان نرافق ميلانات عدة: ميلان المعنى، ميلان الدلالة، إذ إن في هذا الميلان ما يجلو نفسي، ما يُظهّرها، ما يجعلها مادة لقول، مادة لإرسال، مادة لتفاعلي مع غيري، مادة لمُساررة، لموادّة مع الآخر. فإن وجد القارئ في هذا الكلام ما يسرّه، ما يودّه، ما يرغب فيه، فذلك المتعة الخالصة.
لهذا لا أتوانى عن القول: حتى الشاعر حين يكتب في الحزن هو يُفرح القارئ ولا يحزنه بمعنى الحزن، إذ أن الحزن في هذه الحالة يصبح حالة جمالية، حالة روحانية، حالة ألم من دون وجع فعلي، حالة ألم انفعالي بهذا المعنى.