يقدّم فواز طرابلسي نقداً جديداً لمعاهدة سايكس ــ بيكو، لكنه نقد لا يخلو من منهجيته التي تأخذ المقاربات الاقتصادية في الحسبان دائماً وتوليها مساحة أساسية في العرض والبحث. في مئوية الاتفاقية، يقوم نقد طرابلسي على مقاربة اقتصادية، حيث يعود عودةً تاريخية إلى الأحداث، ويقرأ التجاذب الفرنسي ــ البريطاني قراءة تاريخية، يحاول فيها تفسير النوازع الحقيقية للبلدين في تقسيم المنطقة. وعلى المنهجية نفسها التي يعتمدها في مؤلفه المرجعي: «تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف»، يستنتج طربلسي أن الدراسات القديمة للاتفاقية نادراً ما لحظت الميزتين الرئيستين للهندسة الكولونيالية للكيانات المحتلة. أولاهما، البناء على مقتضيات ومصالح التغلغل والتراكم الرأسماليين في المنطقة، بالنظر إلى أهمية الموارد القديمة (الأنهر)، والجديدة (النفط والغاز)، وتطور المدن والمرافئ. أما الميزة الثانية، لهذه الهندسة الاستعمارية، فهي محاولة كل طرف التوفيق بين مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية من جهة، وبين استخدامه للانقسامات الإثنية والدينية والعشائرية، لانتزاع اعتراف دولي بالانتداب وتمكين سيطرته من جهة أخرى.
نقد لأعمال أيمن بعلبكي بقلم جوزف طراب وسلام زكريا

وبعيداً عن سايكس بيكو، تتجول الجامعية اللبنانية، سينثيا كريشاني، في لشبونة البرتغالية، مع المدينة في تاريخ اليسار البرتغالي. النص يبدو شخصياً للوهلة الأولى، لكن السرد يوفر نظرة عن قرب لماضٍ أناركي طويل في البرتغال، فيما تكتب الشاعرة والكاتبة العراقية صابرين كاظم نصاً حميمياً عن دمشق، تهاجر فيه بخيالاتها إلى دمشق الدافئة «مثل طير مذبوح»، بينما تكتب المرشحة عن المقعد البلدي لمدينة بيروت فرح قبيسي عن تجربتها العابرة. ومن أهم المقالات التي تنشرها «بدايات» في هذا العدد (14 ــ ربيع ــ صيف 2016)، «المرض كمجاز في أدبيات تخطيط المدن»، للفلسطينية يارا سقف الحيط. تستعين الباحثة في متحف رام الله بكتاب «المرض المجاز»، لسوزان سونتاغ، لغناه بالتوصيفات والاستعارات المجازية المرتبطة بمرض السرطان، ومرض السل قبله، كمدخل لفهم تأثير هذه الاستعارات في أسطرة المرضين وتكثيف الغموض حولهما. غير أنها سرعان ما تشرح أنه في حالة استخدام استعارات المرض في أدبيات تخطيط المدن، فإن اللجوء إلى غموض المجاز يكشف أكثر مما يخفي. هكذا، تستعيد تجربة برنامج «وداعاً لوكوربوزييه» في مركز خليل السكاكيني في رام الله خلال نيسان (أبريل) الفائت، في سياق عرض وافر عن تخطيط المدن، إلا أن أهم النقاط التي تثيرها هي استدلالها إلى نقاط أساسية متعلقة بالقدس نفسها. القدس، التي تعرضت لمحاولات نصية وعملية على مستوى التخطيط والبناء، على مدى زمني متواتر، تهدف إلى إعادة تشكيلها وفقاً للمخيال التوراتي، عبر استئصال مظاهر الحداثة من المدينة، وعدم تلقائية توافق ذلك مع المشروع الصهيوني.
وتحت عنوان «يا عين»، الذي يبدو عنواناً شعبياً، تقدّم المجلة نقداً ثرياً ومتخصصاً لأعمال للفنان أيمن بعلبكي الأخيرة، بحيث تحاول سلام زكريا التقاط العلاقة بين بعلبكي والحرب. تلك الحرب المقيمة في أعماله، من دون أن يفوتها اقتفاء أثر الأيقونات البيزنطية والحياة اليومية البيروتية، لتصنع منه هذا الفنان الذي هو عليه. هذا الفنان، الذي يجزم الناقد الكبير جوزيف طراب أن ضربات فرشاته تتداخل بعصبية بطريقة سوداوية تود أن تحاكي قوة الدمار. والواقع أنها تعكس العملية، إذ تحوّل دمار المادة إلى بناءٍ للعمل الفني بات مستقلاً بذاته، لا زمنياً، ذا صفة شبه ميتافيزيقية. وفي موازاة النقد التشكيلي، يقرأ نديم جرجورة تجربة المخرج البريطاني كين لوتش، الفائز للمرة الثانية في حياته بالسعفة الذهبية لـ«مهرجان كان»، مستعرضاً تجربته اليسارية المساندة للقضايا الإنسانية.
العدد غني، كالعادة، وفيه استعادة لمراجعة جوزيف سماحة النقدية لكتاب باتريك سيل عن حافظ الأسد، المنشورة في مجلة «زوايا» (العدد الأول 1989)، إضافة إلى نص طويل لأستاذة العلوم السياسية في «جامعة شيكاغو» الأميركية، ليزا ودين، تستعرض فيه مذكرات جارالله عمر، أحد قاد الحزب الاشتراكي والمعارضة اليمنية، هناك أيضاً استعادة لشذرات من حياة علي شريعتي على ألسنة كتاب ومفكّرين إيرانيين، وأشعار مظفر النواب.