إبراهيم فرغلي



يظلّ لصدور الكتاب الأول ألقٌ وبهجة قد لا يدانيهما في أثرهما صدور أي كتاب لاحق. المولود الأول له فرح خاص. انتقالة من عالم إلى آخر. ربما من عالم القراء إلى عالم القارئ ــ الكاتب. وثيقة الدخول إلى مجتمع الأدب، والاختبار الأول بطبيعة الحال لعلاقة الكاتب بقارئ ما، محتمل، تقدم له صيغة أدبية مقترحة من صوت وذهنية تطرق عالم السرد للمرة الأولى. كم مرة قرأت كتابي «باتجاه المآقي» في اليوم الأول لوصول نسخه الأولى بين يدي؟ ما زلت أذكر الرقم 15. وأذكر أن القراءة كانت متأنية. ولا أفهم سر متعتها حتى اليوم. ربما لأنني كنت أقرأ لنفسي ككاتب صاحب كتاب للمرة الأولى أو ربما لأنني أعيد اكتشاف نصي في ما أقرأه للمرة الأولى بين دفتي كتاب، بدلاً من خط اليد المرسوم على الأوراق.

يسعدني أنني ما زلت أجد بين نصوص «باتجاه المآقي» ما يمكن نشره الآن وهنا

كم عاماً استغرقته كتابة نصوص الكتاب؟ حين أسأل نفسي السؤال، أستعيد النصوص العشرة التي مثّلت متن الكتاب، والتي أعرف مثلاً أن النص الأول فيها كان قد كتب في عام 1990، ونشر في مجلة «أدب ونقد» للمرة الأولى عام 1992، ونشر في الكتاب سنة صدوره عام 1997. اخترت بين نحو 50 نصاً كتبتها بين نهاية الثمانينيات وحتى تاريخ صدور الكتاب، عشر قصص، رأيتها، بذائقتي وذائقة بعض الأصدقاء المقربين آنذاك، الأكثر اكتمالاً، والأقدر تعبيراً عن بذرة المشروع الذي وددت أن أدخل به في عالم الأدب. حين كنت أقرأها بذائقة القارئ ــ الكاتب؛ صاحب الثلاثين ربيعاً آنذاك، أجدها نصوصاً شعرية، مكثفة، وجدانية، تود أن تمزج، بشكل ما، بين الواقعي والعجائبي، وبين التعبير عن الذاتية من دون أن تتخلى عن تراث الحكي والسرد، وبعضها كان ناضجاً وقادراً على مقاومة الزمن، خصوصاً مثلاً النص الأخير، وعنوانه «فراشات»، واستخدمته كمدخل للرواية الأولى التي نشرتها بعد عام بعنوان «كهف الفراشات».
اخترت بين نحو 50 نصاً كتبتها بين نهاية الثمانينيات وحتى التسعينيات، عشر قصص، رأيتها الأكثر اكتمالاً، والأقدر تعبيراً عن بذرة المشروع
أما لو قرأتها بعين كاتب اليوم الذي يناهز الخمسين، فلعل عوارها هو أكثر ما قد يزعجني فيها. عوار له علاقة بالرومانسية أو العاطفية الزائدة، وبحس الشفقة على الذات المبالغ فيه. تلك النبرة التي تحمل الكثير من الشجن والمأساة، وإن كانت حداثة النصوص وفرديتها قد حاولت أن تبتعد عن سمة الميلودراما. مع ذلك، أعتقد أن العمل استقبل بشكل مُرضٍ تماماً لشاب يبدأ الكتابة بمشروع لم يكن متعجلاً عليه.
مفاجأة مبهرة أن أرى اسمي بعد أسابيع عدة من صدور الكتاب، عنواناً لعمود صحافي في «جريدة الأهرام»، وفي عدد الجمعة الأشهر بين أيام صدور الصحيفة الأكثر توزيعاً آنذاك، بقلم الكاتب محمد سلماوي. تناول في المقال عرضاً ونقداً للكتاب، بشّر فيه بصوت كاتب جديد، وبحساسية جديدة، مشيراً إلى ما استدعته قصص المجموعة من أسماء عدد من الكتاب والكاتبات الذين عُرفوا بجرأة الكتابة، وأذكر الآن مثلاً اسم الأديبة اللبنانية كوليت خوري، بين من ذكرهم سلماوي في المقال. ثم لحقت ذلك كتابات نقدية عدة في بعض الصحف المصرية.
بالإضافة إلى هذا التقدير المبهر، تلقيت إطراءين من شخصين آخرين: الأول هو الفنان الراحل الكبير محيي الدين اللباد، الذي قام بتصميم الغلاف، صانعاً بصمة مميزة لـ «دار شرقيات» منذ صدورها، وقد حكى لي الكيفية التي استلهم بها تصميم الغلاف، والطريقة التي بحث فيها عن العلامات البصرية الملائمة، والكيفية التي وقع بها على اختيار «موتيفة» الطيور والراية، وكيفية توظيف ذلك بالشكل الذي خرج عليه غلاف أول كتبي. أما الإطراء الثاني، فقد كان صاحبه الكاتب الجميل صنع الله ابراهيم الذي حين سمع اسمي في الهاتف، رحّب بي ووصفني بالفنان، وتلك كانت البادرة التي بدأت من خلالها علاقة ممتدة إلى اليوم.
واليوم حين أفكر في جمع مختارات من قصصي في كتاب جديد، يسعدني حقاً أنني ما زلت أجد بين نصوص «باتجاه المآقي» ما يستحق أو يمكن نشره الآن وهنا. وفي هذا ما يكفيني ويغبطني ويجدد سعادتي بذلك المولود الأول الواعد!