بعد سبعة عشر عاماً، انتهى نزار عبد الستار من كتابة روايته الثانية «يوليانا» (نوفل ــ هاشيت أنطوان)، بعد روايته الأولى «ليلة الملاك» التي نال عنها «جائزة أفضل رواية عراقيّة» (اتّحاد أدباء العراق). بعد تجربة طويلة في كتابة القصص القصيرة، يعود عبدالستار إلى الرواية في «يوليانا» التي تتنقل أحداثها على مدى عقود من عمر العراق. بين عشرينيات وآخر ثمانينيات القرن الماضي، نتابع مع القاص والروائي العراقي (1967) التحولات والتطورات التي لحقت بأسرة بنيامين الموصومة بمرض يجعل اطراف ابنائها تتلوى لتصبح مشيتهم مشابهة لمشية اللقلق.

الرواية المهداة الى مسيحيّي العراق الذين أخرجوا من الموصل قبل عامين، تصف الاجواء الايمانية لهذه العائلة الفقيرة والراضية بحياتها البسيطة بكل حب وتفان.

توغل في طبقات سياسية ودينية واجتماعية من التاريخ الحديث
بين كرمليس والموصل، نتابع رحلتي الأب والابن، اللتين يجمع بينهما ظهور يوليانا خادمة القديسة بربارة التي يظن الكرمليسيون أنّ عظامها مدفونة في مقبرة مدينتهم البسيطة. نعيش مع شخصيتي ججو، وابنه حنا الرئيسيتين، تفاصيل حياتهما التي تأخذنا إلى ملامح الحياة في العراق الحديث وطبقاتها السياسية والدينية والاجتماعية؛ عن دخول السينما الى البلاد، وعن تلاعب رجال الاعمال بما يؤمن به البسطاء، وعن رغبة مؤمنين في سهل نينوى في حجز مكان لقريتهم الصغيرة على الخريطة الاإمانية لمسيحيي الشرق. نقرأ تأملات الروائي وسرده المتقن، ورسمه لملامح الشخصيات وتفاصيلها بدقة وعناية وبكثير من الود والتفهم لدوافعها ومنطلقات تصرفها. كل شخصيات صاحب «المطر وغبار الخيول» تحمل جوانب متعددة. لا أسود وأبيض هنا، حالة التقبل تنسحب على الكل تقريباً. الشماس غير المعترف برتبته كنسياً يتعايش مع عاهرة متقاعدة، وتصير جيرتهما أساساً في يومياتهما. حنا عاشق ياسمين العاهرة يرضى بقليل الوصال منها مقابل ان يظلل حياتها بحبه. وحتى ابلحد المهرب الذي يجمع ثروته من خداع الجميع في الكنيسة وفي قريته، لا يمكن كرهه بالطريقة التي وصفه بها عبد الستار.
يحكي عبد الستار عن تفاصيل المجتمع المسيحي في العراق، وهذا لا يمنعه من خلخلة بعض المقدسات. هكذا يسخر من بعض ممارسات هذا المجتمع ومن بعض رجال الدين الذين يغشون المؤمنين بأثواب كهنوتهم المزيف، كما يسجل للكاهن المؤمن الذي تسبق أفكاره الحداثة عميق تفانيه في خدمة كنيسته. يتدخّل عبد الستار في أحداث وشخصيات روايته بأسلوب يذكّر بتيار الواقعية السحرية الذي انطلق من أميركا اللاتينية. كأن عينه كاميرا تصور ما يدور في يوميات شخصياته داخل الدير الكرمليسي وفي شوارع الموصل وترصد دواخل النفوس.
في «يوليانا»، يقودنا عبد الستار إلى نهاية غير متوقعة بعد حبكة ذكية لحياة جيلين من عائلة بنيامين تكرس حضور النساء في بناء تفاصيلها، من قديسات تحت القبور وفي هالات نورهن إلى الراهبات المتزمتات مروراً بالعاهرات التائبات والأمهات المجنونات. تبدو النساء كما لو أنهن عاشقات على طريقتهن الخاصة، بينما تؤثر قوتهن في تغيير بعض أحداث الرواية حيث يتركن أثراً لا يستهان به على رجالها الكثر الذين يعرفنا إليهم عبد الستار. إنها رواية عن الحب في الأزمنة الصعبة، بأشكاله المتعددة: الملحمي والإلهي والدنيوي، الذي يعذب القلوب البيضاء. واحدة من المحطات الأساسية في الرواية تتمثل في ظهور يوليانا التي تحب القبلات والحديث مع السيدات وتعليمهن أكلات من زمنها الماضي، مثيرة فضول الكنيسة وخشيتها من أهوائها الغريبة. هكذا تخرج لتظهر للجميع أن الحب الحقيقي ليس بحاجة إلى قداسة أو بركة «لا إثم في الحب أيتها العاشقة» هذه رسالة يوليانا، كما حملها إياها الروائي.