تقديم: هوزان شيخي

ترجمة: عبدالله ناصر

في السابعة والأربعين، ينتحر رينالدو أريناس (1943-1990) شاعر كوبا الأشهر، في شتاء نيويورك تاركاً رسالة يقول فيها: «نظراً لحالتي الصحية الحساسة والاكتئاب الرهيب الذي أعاني منه، أنا غير قادر على مواصلة الكتابة والنضال من أجل كوبا، أنا أُنهي حياتي. أريد أن أشجع الشعب الكوبي خارج البلاد وكذلك في الجزيرة لمواصلة الكفاح من أجل الحرية».
حينها كان كاتبٌ كوبيٌ آخر في أميركا مهجوراً في مركزٍ مؤقت للمرضى العقليين يقضي وقته مع من يقول عنهم «حثالة المجتمع بعيونهم الفارغة وخدودهم الغائرة وأفواههم التي بِلا أٍسنان».
ساندَ غويليرمو روساليس ثورة فيديل كاسترو في كوبا، وهُناك أكمل روايته الأولى «لعبة القفز» El Juego de la Viola قبل أن يغادر البلاد في الثالثة والعشرين بعدما فشل في إيجاد فروق بين نظام الثورة الاشتراكية والاستبداد الذي كان قائماً قبلها. في ميامي وعلى بعد أميالٍ قليلة من الشواطئ الكوبية، ظلَّ يُردّدُ «أحياناً أقول لنفسي لو أنني ولدتُ في البرازيل أو اسبانيا أو فنزويلا أو أي من الدول الإسكندنافية لهربت أيضاً من شوارعها وموانئها وحقولها.. لستُ منفياً بسبب السياسة، أنا منبوذٌ بسبب كل شيء».
الأقرباء في أميركا، توقعوا وصول رجلٍ ناجح هاربٍ من كوبا. عوضاً عن ذلك، يصل غويليرمو «المجنون، الذي يجب نقله مباشرةً إلى مصح».
مُصاباً بالفصام، مُتردداً وصامتاً بسبب الاقتناع الحزين بأنه لم يكن يعني لأحدٍ جوهرياً سوى إزعاج أو واجب، يكتب غويليرمو روايته الثانية الأقرب للسيرة الذاتية «المأوى» Boarding Home عن كاتبٍ كوبي سابق يعيش في مصحٍ للأمراض العقلية في أميركا. بطل الرواية يعيشُ مُتنقلاً بين الغُرف مُعيداً ترتيب أبيات في الشعر الأميركي. في الرواية أيضاً، يُصرُّ البطل على تبيان الفرق بينه وبين المقيمين هُناك بقوله إنّه قرأ كل أعمال بروست وهو في الخامسة عشرة. حين يتعبُ من السير يصرخ من الشاطئ باتجاه كوبا «أنا لا زلتُ أنا، لا أحد يهتم بي ولا أحد يعرفني.. أنا المُستهلكُ الوحيد لكلِّ ويلاتي».
يعرف أنه يعيش وسيهلكُ هُناك، غريباً لمرتين، يستيقظ في صباحٍ عادي، ليس في دخيلته غير استسلامٍ غامض، تماماً مثل رينالدو أريناس، ينتحر بطل «المأوى» في السابعة والأربعين من العُمر الذي ينتحر فيه غويليرمو روساليس أيضاً بعد أن يُتلف أغلب أعماله.

ما إن فُتِح باب صالون أليبيو للحلاقة، في الصباح الباكر، حتى دخل رجلٌ له وجه سفاح، مرتدياً زيّاً أزرق لحارس أمن، بجرابٍ مليء بالطلقات، يتدلى منه مسدس من طراز ستار. سرت رعدة في قدمي أليبيو حالما رآه، وتصاعدت حتى استقرت في قلبه الذي اضطربت نبضاته.
لقد كان هو. لم ينس أليبيو ذلك الوجه الطيني، وتلك الأذنين المشعرتين، والسنّ الذهبي، والشارب النحيف الذي كان صرعةً دارجةً في الخمسينات. لقد كان هو. لم تستطع تلك الثلاثين عاماً أن تغير ملامحه الرئيسية. لقد كان هو. هنا في ميامي، حارس أمن في المقبرة أو في متجر ملابس. أما هناك في كوبا، قبل الثورة، فقد كان النقيب السافل أوفيديو ساما ذو الصيت العنيف والآثم في المخابرات العسكرية.
خطر في ذهن أليبيو لأول مرة أن ابنه كان سيبلغ الثامنة والأربعين، وبتلك الموهبة الحسابية، كان من الممكن أن يغدو الآن اقتصادياً لامعاً أو محاسباً عبقرياً. هذا ما كان يدرسه في الجامعة ـ المحاسبة ـ عندما قتلوه.
- «هل ترغب في الجلوس؟ هناك حلاق آخر ولكنه لن يأتِ قبل العاشرة» سأله أليبيو.
- «جئت من أجل الحلاقة فقط» أجاب بصوتٍ خشنٍ يتوافق مع ملامحه.
- «تفضل بالجلوس إذن، سآتيك حالاً».
جلس الرجل على كرسي أليبيو وأغمض عينيه كما لو أنه يوشك أن ينام.
- «هل تفضّل الشفرة؟»
- «نعم»
تناول أليبيو شفرة الحلاقة وأخذ يشحذها بالسير الجلدي. لقد أمضى الكثير من السنوات في البحث عن هذا الرجل الذي صار الآن بين يديه. ذهب إلى جاكسونفيل، كانوا قد أخبروه بأنه يقيم هناك، ثم قالوا بأنه يعيش في نيوجيرسي، ولكنهم ذكروا هناك بأنه قد غادر إلى كنساس ليعمل حارس أمن في نادٍ ليلي. هرع بمسدسه ومديته إلى كنساس، تجول في كل البارات والأندية الليلية والأوكار القذرة، يسأل عن ساما اللعين الذي قتل ابنه في مظاهرة طلابية عام ١٩٥٧، ثم توقف عن البحث عندما نما إلى علمه أنه صار يتاجر بالمخدرات في فنزويلا.
والآن، ها قد ساق القدر ساما إلى يديه. هذا اللعين الذي فرّغ مسدسه في جسد ابنه حتى بات من الصعب التعرف إليه. كان ابنه الوحيد، الذي أحبه أكثر من أي شيء آخر في الحياة.
- هل ترغب أن أقتلع هذه البثور؟
- لا، لا تنشغل بها، أود فقط أن تحلق ذقني.
- هل تعيش هنا منذ زمنٍ بعيد؟
- حوالى ثلاثين سنة، كنت من أوائل الذين هاجروا، ماذا عنك؟
- جئت لاحقاً، كنت على يقينٍ في البدء ثم شعرت بالخذلان فيما بعد.
- يحدث هذا للكثير من الناس.
لم يقولا شيئاً آخر. عصر أليبيو معجون الحلاقة، وأخذ يحدد السالف الأيمن بالشفرة. قد يكون هذا الوقت المناسب. لو ضغطت يده قليلاً، سيهوي هذا الرأس ميتاً على المنشفة البيضاء. لكن ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لن يصدق أحد بأنها مجرد حادثة. لن يتفهم أحد بأن ذلك الثأر دام ثلاثين سنة. مرر أليبيو شفرة الحلاقة على خد الرجل الأيمن ثم انتبه إلى ذلك الكيس في ذقنه، فبذل أقصى ما بوسعه حتى يتفاداه.
بقي الرجل صامتاً، بعيونٍ مغمضة، كما لو أنه يستمتع كثيراً بملمس الشفرة الناعمة وبرودة كريم الحلاقة. من الآن فصاعداً، تبدو بالنسبة إلى أليبيو كل لحظةٍ مواتية جداً. ثلاثون سنة. ثلاثون سنة. انتقل إلى الخد الآخر، فحلقهُ في ثلاث حركات دقيقة.
- هل تريد أن أقصّر الشارب أم أبقيه كما هو؟
- دعهُ هكذا، يبدو رائعاً، لطالما تركته بهذا الشكل مثل كلارك غيبل.
وعلى الرغم من ذلك، أخذ أليبيو المقص وقص بعضاً من شعيرات الشارب والأنف. لم يكتفِ بذلك، بل قام أيضاً بتشذيب حاجبي الزبون الكثّين. لم يستطع أن يقتله. لقد أدرك الآن فقط أنه لم يستطع ذلك. لن يفهم أحدٌ قصته. سوف يقضي ما تبقى من حياته في السجن. الأسوأ من ذلك أن يرى الدم يتدفق وإن كان الدم لسفاح. فالدم له الوزن نفسه عندما يحين الوقت لحسابه الأخير في الجنة.
جفف أليبيو وجه الرجل بمنديلٍ نظيف، وأخذ المنشفة التي كانت على صدره. ثم حمل إليه المرآة لينظر الرجل إلى نفسه لعدة ثواني.
- هل أنت راضٍ عن الحلاقة؟
- تقريباً.
- حسابك ثلاثة دولارات.
أخرج الرجل محفظته وانتزع منها خمسة دولارات.
- احتفظ بالباقي.
- «شكراً» دمدم أليبيو والأسى يظلل وجهه.
وقف الرجل قبالة مرآة الصالون الكبيرة وعدّل قميصه وربطة العنق ثم قال: «لقد جئت هنا لأنهم أخبروني بأنك تبحث عني وتسعى لقتلي. ولكن لعلك الآن أدركت بأن القتل ليس سهلاً».