في روايتها «فستق عبيد» (الهيئة العامة المصرية للكتاب)، تجعل سميحة خريس من حالة غابرة، فرصةً لتصيد مفاهيم أبديّة في الأدب. تعالج الروائية الأردنية موضوع الرق من منظور الحريات اليوم، وهذا ما جعل قصتها متداخلة. إذ يحار القارئ إزاء موضوعٍ لا يجد نفسهُ معنياً بهِ بشكل مباشر، بينما لا تتوقف الشخصيات، في الوقت نفسه، عن الإيحاء بواقعيتها الشديدة، إضافة إلى الفهم المتحفّز لجوهر المفاهيم التي عنيت بها الرواية، أي الحرية كسمة أساسيّة والحب كرافعة تقليدية لها.

عمدت الكاتبة في الرواية التي صدرت أخيراً كعدد أول من سلسلة «الإبداع العربي»، إلى تصدير المتعة كشرط فني أول متفوق في النص. راحت تدير الانتقالات بين الشخصيات والأمكنة بما يسبغ على الحبكة التشويق وعلى الرواية النضج. حتى بدت الشخصيات سائرة ضمن مسارات صلبة أعدتها الكاتبة لهم بما لا يقبل الفكاك!

تستعرض أحداثاً عالمية حصلت في خضم الحرب العالمية الثانية

تبدأ الحكاية من دارفور، حيث ستقع «رحمة» في مصيدة لتجار الرقيق. وللمفارقة، فقد نصبت المصيدة لها في حقل فول السوداني (فستق عبيد) الذي كان جدها كامونقة قد زرعه كي «يشبع الأولاد» ولا يذهبوا إلى العبودية بأقدامهم، حيث كانت حبات الفول هي الفخ الذي ينصب للأطفال الجوعى نحو عبودية يتعذر الخلاص منها بسهولة. سيتخلص كامونقة من سيده عن طريق الالتحاق بالجيش من أجل الجهاد، الذي لا يعرف طبيعته، ليجد نفسه قد استبدل سيداً بأسياد كثيرين. هكذا بدت الحياة العسكرية عبوديّة مستمرة ومتعددة الأشكال، ما سيدفعه إلى الإعتقاد مجدداً بأنّ بالعنف هو الطريقة الوحيدة لتحقيق حريته وانتصاره على العالم المأزوم. سيتزوج كامونقة وتحمل زوجته، سيتغير كثيراً ويصير جلفاً، إلا أنّه في المحصلة، سيقع في المعارك الخاسرة عبداً لأشياء لا تنتهي؛ عبداً للجوع ولحاجته اخراج زوجته من جحيم وضعها فيها. تنقل الكاتبة حياة الجد على لسان نضال في شكل ملحمي، ليصير هذا الأخير كبير الحكائين في الرواية بعد أن ينال اسم معتوق. لاحقاً، سيصير تمرّد معتوق المحموم مواساة تعود إليها رحمة التي كانت تهزأ بهِ، إلّا أنّها ستستمر خلال سيرة عبوديتها بالتفكير في الكائنات الخفيّة التي كان جدها يتحدث عنها، وستظهر وتساعدها متى تخلى عنها الجميع.
تعيش رحمة قصة عبودية مختلفة عن تجربة جدها، تتصف بالاختبارات القصوى التي خضعت وأخضعت الآخرين لها. بدت عبوديتها مثاليّة كأنّما تتم في مختبر: من فتاة حرة يُخضع سحرها الفتيان، إلى طريدة في شبكة صيد تُنقل في العربة مع الماعز، ثُمّ إلى فتاة تقطع البحر المتوسط أشبه بالمحظيّة لدى تاجر برتغالي، تبقى على سطح السفينة مبعدة عن العبيد، في الطبقة الدنيا مع البهائم.
تصور الكاتبة رحمة في «منتصف الحياة» عندما تجلس على الأدراج، بين السطح الذي يتمشى فوقه الأسياد والقبو الذي يُصدر الأبخرة النتنة، بين الضحكات التي تصل من السطح والأنين الذي يتصاعد من الأسفل. راحت رحمة تعي شيئاً فشيئاً ثنائية (السيد ــ العبد) وإبان الاستراحة في الجزائر، بدت واعية تماماً لتلك الثنائية وضرورة التقيّد بها، إلى درجة صارت فيها تدافع عنها، ممتثلة للإضافات التي كانت تتعرض لها والمعارف التي راحت تكتسبها. في محاولتها لمداراة النتائج الوخيمة للتفريط بطرفي تلك الثنائية، والآثار التي ستنمو في رحمها، تعود إلى التاجر البرتغالي، بعد سنوات قضتها في مزرعة. هكذا توسع خريس المساحة التي راحت تضيئها وفق سرد متوازن وممسوك، لنتعرف إلى عائلة التاجر. يتضح ماضيه الذي تستغله الكاتبة كي تصور طبيعة الثورات، والأسياد الجدد، كأنّما فقراء الأمس هم أغنياء اليوم.
تستعرض خريس، على نحو بسيط، أحداثاً عالمية حصلت في خضم الحرب العالمية الثانية. لكنها لا تلبث أن تعود إلى حكايتها، محاولة وضعها ضمن تصور بانورامي للعالم. ستنجب رحمة ابنة يحيّر لونها الجميع. من أي أبٍ جاءت؟ تبدأ هنا رحلة عبودية جديدة لكنها أكثر ألقاً ونضجاً من الحكايا السابقة، ما اقتضى بالضرورة أن تكون أشدّ لوعةً. لقد أخضعت الكاتبة نصها إلى قبح مُعتم وخلاق، انفرجت الرواية عنده نحو عوالم جديدة. إنّ حبس رحمة في حظيرة الخنازير كان نهاية فعلية لسيرتها.
تمنحنا الرواية هنا طفلة شقيّة وآسرة السلوك، تملك مفاهيم طفولية حول الأشياء. ستعيد الطفلة تجميع الرواية في الغابة البرتغالية بإطلاقها على الأشجار أسماء الشخوص الذين عبروا في الرواية، وتمضي النهايات بعد ذلك، خلال مقاومتها عودة تلك الأشجار إلى بشر حقيقيين من لحم ولوعة!
عبر صفحات الرواية، سيتحرر «العبيد» من نظرتهم لأنفسهم ويصيرون «أحراراً» في حالات استثنائية فحسب؛ عندما وقعت عينا معتوق على محبوبتهِ «في غمرة الحب نسي أنّه عبد»، وعندما وضعت رحمة طفلتها، ثُمّ أخذوها منها، ستتحرر من كلّ لون، لتنطق بذلك الخطاب الغريزي: «لا علاقة لي بالسود أو البيض، لا أعرفهم ولا يعرفونني، أعطوني ابنتي». إنّ ذلك النزوع الفكري الخفي لإدارة النص جعل «فستق عبيد» تسلسلاً متزناً للحقائق، إلّا أنّ تلك الحقائق المُكبِّلَة كانت تنفرج في لحظات فارقة على نزوع أصيل للحرية.