صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر


* ترجمة وتقديم أنس العيلة

التقينا الشاعر الفرنسي جيرار ماسي (الصورة) Gérard Macé بعد محاضرة قدّمها عن تجربته كشاعر ومصوّر فوتوغرافي. في هذا اللقاء، كان لافتاً حديثه عن ضرورة عمل الشاعر على «دقّة الكلمات» (la justesse des mots) في إشارة منه إلى مبالغة بعض الشعراء في حشد الإستعارات والمجازات في قصائدهم. ما يبدو جلياً في قصائد ماسي، تلك اللغة المحسوبة والمتّزنة وغير المثقلة بالتعابير والتشابيه المجانية. قصائد هذا الشاعر (مولود في باريس عام 1946) الذي يُعد من شعراء الصف الأول في فرنسا بعد شعراء كبار هم إيف بونوفا، وبرنار نويل، تتميز بانفتاحها على أشكال أدبية مختلفة. يُطلق بعض النقاد على نصوصه تسمية «نثر سردي شعري» الذي يشترك بطبيعة الحال مع مفهوم وعناصر قصيدة النثر. لكنه يوحي بنص منفتح وقابل لضمّ أشكال أدبية أخرى إلى عالمه كالسرد الروائي. ويبدو من الصعب أحياناً تحديد هوية نصوصه نتيجة لهذا التمازج والتداخل بين الأشكال الأدبية. عند قراءة قصائده، يستطيع القارئ أن يلاحظ أن مفردة «الذاكرة» التي تتكرّر بكثرة، وتكاد تشكّل ثيمة أساسيّة في مجمل إنتاجه الشعري... الذاكرة الفرديّة والجماعيّة، ذاكرة الأنا والآخر. إنّ هذا الشاعر يخلق ذاكرة خاصة ويتقمصها. لذا نجد تداخلاً حاداً بين التجربة والأحلام، وبين الواقعي والخيالي، وبين المألوف والغريب، ويعمل على تهويم ملامح الذات والآخر.
ومنذ التسعينات، اختص ماسي، الذي زار بلداناً عربية عدة منها مصر واليمن وسوريا وتونس، وزار أيضاً إيران التي دُعي للعمل فيها كمدرس زائر في كلية الآداب الأجنبية في جامعة طهران عام 2007، بالعمل كمصوّر فوتوغرافي. أنتج كتباً هي مزيج من القصائد والتصوير الفوتوغرافي. يؤكّد أنّ التصوير يمنحه فرصة إلتقاط الحدث الذي له إيقاع اللحظة، ويكفي فقط الضغط على زر للقبض على شكل ما. إنها طريقة الشعر أيضاً. الإنجذاب والقبض على لحظة ما عابرة على حدّ وصفه.
نجد في القصائد المختارة هنا توظيفاً للأساطير الإغريقية ولقصص الإنجيل، التي تبدو المعرفة بها ضرورية لتفسير وتفكيك بعض هذه القصائد، كقصيدة «غبار في قاع الماء» التي يوظّف فيها الشاعر أسطورة «أريادني» من الميثولوجيا اليونانية القديمة، حين تقوم بإرشاد «ثيسيوس» بوضع خيط في بداية المتاهة ليساعده ذلك في الخروج منها. ويوظّف أيضاً في قصيدة «كنّا محقّين بالقتل» قصة سالومي التي سحرت هيرودوس برقصها وطلبت منه في المقابل رأس يوحنا المعمدان وفق ما جاء في الإنجيل.
هذه القصائد المترجمة مختارة من دواوين نُشرت في فترات مختلفة. القصائد الثلاث الأولى من ديوان «وعد، جَوْلَة، وهيبة» (2009)، والقصيدة الرابعة من ديوان «بنات الذاكرة» (2007)، والقصيدة الأخيرة من ديوان «الخشب النائم» (1974). إنّها محاولة لتقديم نصوص تمثّل مراحل متباينة من تطوّر التجربة الأدبية للشاعر منذ السبعينات حتى الآن.


*بلا كتابة


ذكرياتُ الطفولة والماضي السحيق
تنقلب سريعاً إلى ميثولوجيا
وقصص العائلة أيضاً، تختلط بالضباب
والبروق
والشجارات والمضاجعات،
والحاجة إلى القيثارة
أو مطرقة الحدّاد.
بين قصص حبّ الآلهة وولادة أبي،
مسافة الوقت ضئيلة جداً
لدرجة أنني أقطعها خلال نهار.

إسمان أو ثلاثة فقط يصنعون جسراً معلقاً،
قطعتُ بفضله الفراغ الممتدّ
بين الآلهة وبيننا.



*غبارٌ في قاع الماء


إنها طبيعة ذكرياتنا التي تُربك الرؤية
حين تصعد إلى السطح لتصطدم بأسماك عمياء،
فيجد العائم
صعوبة في الحصول على هواء حرّ وضوء.

حبل معقود مثل حبل السرّة
يُرشد العائم كأنه حبل «أريادني» بين ماءيْن
حبل مسّاح يقيس المسافة بين النجوم،
عندما يغدو حالماً وقويّاً
ويصعد الدرجات كشاهد ليرى السماء.

سماء يرسم عليها وجوهاً على خلفيّة سوداء
لكي يفكك لغة ميّتة ومُشعّة.



* الكلماتُ فقّاعاتٌ من هواء

كالتي تملكها تحت الأرجل،
الحشراتُ التي تمشي فوق الماء...
كذلك المسيحُ والعناكب
يبدو لها عبور البحيرة
ليس مثاراً لأيّ معجزة.
الروتين اليومي
هو عندما يتوجب البحث عن الطعام
الذي لا يقوى أي إله على مباركته...
وعندما يتوجب الولادة والموت
قبل نزول الليل، ليلة الصيف هذه
حيث يبدأ الرجال الساذجون بالغناء!

*حامل الفانوس

أحياناً، أنا الشاعر الأخرس الذي اختلق الإيماء، وأحياناً أخرى العبد الذي يقف في مقدمة المسرح ويمنحه صوته.
لأنّ شاعراً مات شاباً في صدري، هناك حامل فانوس ما زال يضيء جدران قلبي. والأحلام ظلّت خفيفة لدرجة أنّ الواقع يُثقل كفّة الميزان عند أول لحظة صحو.
ترفٌ... فسقٌ... خلعٌ... والنائم يستيقظ في مصر بعد أن زار بيته، مسقط رأسه، الذي كان في حلمه معروضاً للبيع مقابل ذهبٍ، وكي يستطيع السفر على هذه الشاكلة، كان عليه في الأمس أن يلويَ كعبه، وأن يتضخم ألمه حتى يلجأ لقبرٍ ملكي.
لكن في الصعود إلى النهار وجد النائم جسده، وزار في طريقه البلاد المتاخمة حيث الحيوانات والنفوس
تحتكّ ببعضها، وحيث الأرواح المتفرّقة عن بعضها كما الناس، والتي تعيش كجماعة واحدة في الماوراء، تخفق أجنحتها معاً وتبعثر رماد الليل.



* كنا محقيّن بالقتل


بيدين عاريتين ـ لم يكن ذلك جريمة ـ
الدجاجاتُ التي تنزف معلّقة من أرجلها
الأرانبُ التي ندوّخها بمطرقة
والقطط التي لم تر الضوء.

يوم الأحد، نقدّم رؤوساً ما زال يتصاعد منها الدخان
فوق طبقٍ مطرّز من سنين الثلاثينات
رؤوس عجل، رؤوس خنازير،
لأنه لم يأتِ إلينا أي ملك
أو أيّ نبي
رغم رقص الشابة في الساحة.

كنتُ أفكّر فيها هذا المساء
وأنا أقرأ أن الشمس تجرّ وراءها
عربةً المسلخ الظافرة.