لم تغفل طاحونة العولمة سوق النشر من هيمنتها المتوحّشة، إذ عملت باكراً على تصدير نمط محدّد من الكتب، خصوصاً تلك التي تفتقد الأصالة، وتلك التي لا تحمل أي مخاطرة لجهة الابتكار، ذلك أن دور النشر العملاقة تقاوم المختلف وتسعى إلى تسطيحه، وجعل كل المنتجات الثقافية منتجاً ذا قياس واحد يناسب الجميع. وإذا بخط إنتاج الكتب يشبه «خط إنتاج الثياب الداخلية النسائية».

في كتابها «التنوّع البيبليوغرافي: بيان في النشر المستقل» الذي صدر عام 2014 (الرابطة الدولية للناشرين المستقلين- ترجمة بلال زعيتر)، تفضح سوزان هاوثورن آلية تخريب صناعة النشر وكيفية تحطيم الهوامش لمصلحة نوع واحد من الكتب، تلك التي تقع في باب «الأكثر مبيعاً» وإزاحة كل ما عدا ذلك عن واجهات المكتبات، فهي تضع هذا التخريب الثقافي المتعمّد في مقام التخريب البيولوجي للطبيعة على حساب التنوّع والتعددية.

الشركات الكبرى تُغرق العالم النامي بالكتب السهلة والرائجة

هكذا تتحوّل الكتب إلى نوع واحد من «الطماطم» بلا نكهة، فدور النشر الكبرى ومتاجر الكتب تعنيها الأرقام فقط، غير عابئة بسماع الأصوات المختلفة، أو تخصيب التربة الثقافية وتشجيع تنوّع الحالات المعرفية. وهذا ما ينبغي أن تنهض به دور النشر المستقلة رغم ضراوة دور النشر العملاقة في تغييب التوازن البيئي لصناعة الكتب. «قياس واحد للجميع» هو الشعار العمومي لنظام النشر العالمي. التجانس يؤدي إلى إنتاج بعض الكتّاب النجوم الذين يعتمدون أفكاراً بائتة «لكنها سُقيت، وجُعلت سائغة لذوقٍ عام لقرّاء موحّدين».
أفكار يعاد بيعها كما لو أنها أفكار أصلية، وإذا بالقارئ حيال كتب مبهمة، متشابكة النصوص، كثيرة الأخطاء، فارغة وتبسيطية، كمحصلة لخراب اللغة العامة. تنبّه الباحثة الاسترالية إلى ضرورة الاعتناء بالتربة البريّة لإنتاج إبداع برّي متنوع وتعدّدي خارج السائد، يقطن في الهوامش اللغوية والجغرافية. على المقلب الآخر، تكمن معضلة أخرى تهدّد تنوّع النشر، هي تخمة النشر، والمركزية المالية في عالم صناعة الكتب الذي تتفرّد به حفنة من دور النشر الكبرى، وابتلاعها كل ما يتعلّق بالهويات البيئية الأخرى، إذ تهيمن اللغات الاستعمارية على ما عداها في تصدير ثقافاتها. لن نستغرب إذاً، أن تتصدّر ثقافة التعرّي بعض دور النشر الصغيرة بقصد الاستمرار وطباعة كتب أخرى مثيرة للاهتمام، فيما تعمل الشركات الكبرى بميزانيات ضخمة لتصدير هذا النوع من الثقافة المسليّة متجاهلةً التصنيف الأحادي الذي تفرزه هذه الثقافة تجاه النساء خصوصاً، وتالياً إطاحة المفاهيم النسوية في الفضاء العام. لكن كيف تتوازى التجارة الحرّة مع حرية التعبير؟ تجيب سوزان هاو ثورن بأن ما يحدث فعلياً يقع في خانة التضليل اللغوي، فقد تجلّت «صناعة الدعارة»، ومشاهد التعرّي كمدافع عتيد عن حريات التعبير، لكن الواقع يؤكد مفهوماً آخر هو «حرية استغلال الجسد» كبضاعة رابحة، فتعبير «تجارة حرّة»، يقود إلى «تعبير حر»، لكن في تفضيل القوة، وتعزيز الظلم، والتركيز على الفرد، وبذلك تختفي «عدالة التعبير» التي يسعى وراءها الناشرون المستقلون الذين يقومون بنشر مؤلفات «الأصوات المُخاطرة، المُبتكرة، الجدلية، المُهمّشة، والمُتخَيّلة».
تفاؤل اللاعبين الصغار بالثورة الرقمية لجهة فرص النشر، لم يدم طويلاً، وفقاً لما تراه الباحثة، ذلك أنّ دور النشر العملاقة تمكّنت من إعادة استعمار اللغات المستعمَرة سابقاً، في محاولة لوأد الهويات المحليّة ومنع الثقافات المحرّمة لمصلحة لغة كاسحة استحوذت على كل مفاصل عملية النشر بما فيها «النشر الذاتي». شركة «أمازون» للتوزيع مثلاً، فرضت شروطاً قاسية على الناشرين والمؤلفين في التحكّم بالنشر الإلكتروني، وربما لهذا السبب دعت الروائية آروند هاتي روي إلى «مواجهة الإمبراطورية»، ومحاصرتها وتجريدها من الأوكسجين، و«وسمها بالعار» عن طريق «استراتيجية تعيد لنا قدرتنا على رواية قصصنا الخاصة، قصص مختلفة عن القصص التي تُغسل بها أدمغتنا لتصديقها». كأن استعمار السوق هو الضفة الثانية لاستعمار العقول. أمام هذه المطحنة الرقمية، لا عزاء للنشر المستقل، تبعاً لأفكار سوزان هاوثورن إلا بالنشر المشترك، بتعاضد دور نشر صغيرة لمواجهة ثقافة الزي الموحّد، وبذلك «يتكاثر الناشرون الصغار بين الناشرين العمالقة كالنباتات الخضراء الصغيرة التي تنمو من شقوق إسمنتية، من خلال التشبيك والتواصل واستثمار النشر الرقمي في استقطاب جيل جديد من المؤلفين والقرّاء، بعيداً عن استحواذ الشركات الكبرى التي تُغرق العالم النامي بالكتب السهلة والرائجة، بطريقة تُشبه إغراقه بالمنتجات التي يرفضها الغرب، كالسجائر والأدوية الخطيرة (وربما كتب باولو كويلو ودان براون وروايات «عبير»). الوصفة النهائية لهذا الكتاب تتمثل في ضرورة التنوع الحيوي البيئي، ليس في الطبيعة فحسب، بل في صناعة الكتب وتعدّد عناوينها ولغاتها وأفكارها، وخلق ثقافة قادرة على البقاء بصيغ متعدّدة في مواجهة عمليات تذويب ثقافة الهوامش. لكن ماذا لو فكّرنا بمحتويات واجهات المكتبات العربية، ومنتجات «دكاكين النشر» في الشوارع الخلفية؟ على الأرجح، سنجد كمية «الطماطم» نفسها على هيئة روايات بتوابل عاطفية، وكتب تبشّر بعذاب القبر، وفتاوى الحلال والحرام، وأمراض مستعصية لشعراء تسللوا من مواقع التواصل الاجتماعي. يا لها من مجزرة!