تحمل رواية «عشرة طاولة» (الدار المصرية اللبنانية) للكاتب المصري محمد الشاذلي العديد من الرسائل على نحو يجعلها رواية متعددة الطبقات. رغم بساطتها الأخاذة التي تدفع بالقارئ للتورط في موضوعها مباشرة، يلجأ إلى لغة متلاحقة يكتب بها الكاتب عمله الروائي الأول. بدأ الصحافي المصري حياته محرراً ثقافياً لمجلة «المصور» العريقة قبل أن ينتقل إلى «الحياة»، ويتحول لتغطية الشؤون العربية، ويتسلم الآن موقع مدير النشر في مؤسسة «الأهرام». أصدر مجموعتين قصصيتين، قبل أن يفاجئ الأوساط الأدبية في مصر بروايته الجديدة التي تعالج عالم لاعبي «الطاولة» أو«النرد» من خلال بطلها رجائي متولي. طوال الرواية، رجل على مشارف الخمسين يتهيّأ لخوض تجربة اللعب مع أحرف لاعب طاولة في توقيت زمني لافت اختاره الراوي بعناية. تجري الأحداث عقب «ثورة 25 يناير» وبالتحديد خلال العام الذي حكم فيه الإخوان مصر، وتنتهي قبيل أحداث 30 يونيو التي شهدت سقوط محمد مرسي وجماعته. ولا تخفى على القارئ دلالة التوقيت الزمني الذي اختاره الكاتب كفضاء لأحداثها التي تشتغل أيضاً على جغرافيا المكان وتحولاته. هكذا يقع العالم الرئيسي لأبطالها بالكامل في إطار جملة من المقاهي الموزعة على مختلف أحياء القاهرة وعلى أطرافها في مدينة بلبيس (قرب منزل محمد مرسي).


هناك ذهب رجائي لخوض مباراة التحدي مع منافسه صلاح أبو الخير أو العين السخنة (120 كيلو شرقي القاهرة). من الواضح أن التيمة الرئيسية التي اشتغل عليها الكاتب هي رواية الرحلة التي تبدو هنا رحلة بالمعنى المعرفي، حيث الرغبة في التطهر والكشف. وهذا ما يعطي لرواية الشاذلي سمة صوفية لافتة رغم نزعة الغرائزية التي تدفع بسلوكيات بطلها إلى التعاطي مع العالم كفضاء للمتعة، منتصراً لفكرة «اللعب» أكثر من أي شيء آخر. كذلك نفاجأ بأشخاص لديهم هواجس تنطوي على إيمان بالغيب والاستمتاع بما لدى الأقدار من حلول. أول هؤلاء هو عبد الله سعيد، العجوز الذي علّم رجائي الطاولة خلال عملهما معاً في مصلحة الضرائب، فيما يلتقيان دوماً في مقاهي قديمة كلها على وشك الزوال والغياب. كأن صاحبها يرغب في أخذ أماكنه الحميمة معه، فمقولات سعيد كلها تنطوي على فصوص الحكمة التي تظهر انشغاله بحسابات كونية معقدة مربوطة كلها بالعمليات الحسابية في لعبة الطاولة التي يعرفها الرواي كـ«حوض سباحة مناسبة للاسترخاء مما نحن فيه». وبالتالي، فهي تتحول من لعبة الى هاجس بحث لدى عبد الله سعيد الذي يموت من دون الوصول إلى حلول تيسّر له استكمال كشوفه.
عبد الله ليس الوحيد من بين شخوص الرواية المسكون بهذا النوع من الاسئلة. «آلاء» المرأة التي تلعب الدور الرئيسي في العمل تشاركه هواجس مماثلة تبرر انخراطها في الخلوات الصوفية. ويروي الراوي طريقة التعرف إليها من خلال «فيسبوك» حيث تحدث عنها صديقه كأمراة تحترف لعبة الطاولة، لكنه يخوض معها تجربة حميمية تكشف أن لديها «نصف الحقيقة» ونصف جسد، بسبب تعرضها لحادث بعيد طلاقها.


نراقب الحراك الاجتماعي والجغرافي للمدينة وتحولاتها بلغة ساخرة

في رصده لمواصفاتها، يغذي الراوي السمات الغرائبية، فهي رغم حالتها تعمل مهندسة ديكور وتنخرط في اللعبة وفي «الخلوات الصوفية» بأمل إيجاد معنى لحياتها وشغفها بالمعرفة. واللافت أن هذه الشخصية تكاد تكون الوحيدة في العمل التي نكتشف انخراطها في أحداث ثورة يناير/ كما نكتشف حجم الإحباط الذي رافق تعثراتها، في حين بقي الراوي وأصحابه على هامش الأحداث، لا همّ لديهم سوى البحث عن أماكن جديدة للعب. وهنا يتحول الاكتشاف الى مسألة «كشف» وشغف وعلاقة معلقة ليست بالغرام الكامل أو الصداقة الكاملة. هي علاقة «البين بين» لانها تحتفي دائماً بـ«المنتصف»، تحيلنا إلى وعي بطلها المهووس بالبقاء على حافة الأشياء في وضع المراقب وليس المنخرط.
وعبر عملية الانتقال المكاني في بنية السرد، نراقب الحراك الاجتماعي والجغرافي للمدينة وتحولاتها بلغة ساخرة جعلها الكاتب أقرب إلى لهاث منها إلى أي شيء آخر. هكذا حافظ على لغة صحافية عميقة تتسم بالسرعة والإيجاز، ولا تعتمد على البلاغة والزخارف اللغوية وألعاب المجاز باستثناء الفقرات التي ترد على لسان عبد الله سعيد الأقرب في طبيعة تكوينه إلى رجال الصوفية، أو في الفقرات التي يحاول الراوي فلسفة علاقته مع «سحر» التي تعرّف إليها في مكتب لإخراج إعلانات حيث تورط في أداء أحد الأدوار على سبيل اللعب ورفض التحول الى موديل احترافي.
تنتهي أحداث الرواية مع بلوغ الراوي مدينة بلبيس بعد عدد من التعثرات التي تعطي صورة بانورامية عن انشغالات المصريين وهواجسهم خلال فترة حكم «الإخوان»، من دون التورط في أحكام سياسية معيارية. أما في بلبيس، فيلتقي الراوي مع صلاح أبو الخير. إنه بطل بملامح غرائبية يؤمن بكرامات ابنته المولودة بخلل في وظائف المخ. ورغم عودة الراوي الى القاهرة بعد جولات في اللعبة أقرب إلى التعادل، نلمس بداخله إصراراً على مواصلة رحلته في اكتشاف أبو الخير الذي تبدو رحلة التعرف إليه أشبه برحلة «حج». شخصيات العمل تتجاور بطريقة تبرز التناقضات، كأن كلاً منها صدى لتناقضات الأخرى. هذا ما جعل الرواية أقرب إلى ضغط على أصابع بيانو، تحتفي بتناقضات الأبيض والأسود من دون ادعاء الحكمة أو البحث عن قضية كبرى، لأن هاجس بطلها أساساً يكمن في السعي وراء متعة اللعب.