بروج آكره اي *

ترجمة مريم حيدري

أضغط على مفتاح الضوء. الممر طويل... إلى أن ينتهي بغرفة مفتوح بابها وضوء المصباح قد وصل إلى قواعد السرير. أضع المعطف على ذراع الكرسي جنب طاولة الهاتف.
ـــ «من هناك؟»
أهمّ برفع القبعة عن رأسي: «هِلو...»، تشرئب قطة من نهاية الممر، وتتراجع فجأة. أتراجع أنا الآخر عن قراري. لوحات قديمة في أطر قديمة تغطي جدران الممر.

ـــ «من أنت؟»
ألتفت نحو اليسار، حيث مصدر الصوت. جالسة على كرسي ذي ذراعين، ظهرها للنافذة. والقطة قد جلست على ركبتها مخبئة رأسها في مكان ما بين فستانها.
ـــ «صباح الخير»
ترفع رأسها وتسدد نظراتها نحو صدري. على رأسها قبعة حمراء مشغولة باليد، وشعرها الرمادي العتيق منثور فوق فستانها الأزرق المندرس. تجاعيد وجهها، ناعمة وغير منتظمة، تزحف من حول عينيها نحو عنقها.
ـــ «لم تأت إلى هنا قبل اليوم... لا؟»
ترفع يدها عن القطة، وتسوّي فستانها من أسفله. حزام حمالة صدرها السوداء انزلق عن عظم كتفها.
أرد: «لا. إنه يومي الأول...»
تدير وجهها بحركة سريعة. تقفز القطة من ركبتها، وتقف بالقرب من قدمي. تنظر نحو حذائي، وتخرج راكضة نحو الممر.
أقول: «يجب أن أحضر فطورك»
ــ «فطور...». تمسك بعكازها، وبالكاد تنهض. تضع رأس العكاز أمامها، ثم ترفع قدمها اليمنى لتضعها جنب رأس العكاز. ثم ترفع القدم اليسرى، لتضعها جنب اليمنى. تعيد الحركة، وتضع رأس العكاز أمامها. أرفع رأسي: ثمة شاب وشابة يقفان مبتسمين قرب جرارة، بثياب العمل، وبأيد فارغة. تتقدم خطوتين، فأتبعها بخطوتين. ثمة امرأة واقفة قرب بيانو أبيض، وقد ظهرت ساقها من فتحة فستانها الأسود الطويل. تحدق المرأة في الكاميرا.
ـــ «يحضرون الفطور!» تفتح باب المطبخ: «باب الشرفة، يجب أن يكون مفتوحاً».
أمرّ من أمام الصور الصغيرة في الأطر الصغيرة. أفتح باب الشرفة. ضباب شفيف يغطي سطح البحيرة. ومن ثم كل شيء نقي حتى الجانب الآخر من البحيرة حيث أشجار الصنوبر البنية تحيطها هالة رقيقة من الضباب.
جالسة على الكرسي، خلف الطاولة المليئة بالكؤوس القذرة، وعلب الحبوب.
ـــ «لا أريد شيئاً، ولا أحتاج إلى أي مساعدة».
ترفع کأساً لتجد مكاناً لها فوق الطاولة. لم تجد المكان، فتعيدها إلى مكانها الأول. ثمة أصيص صغير قرب مغسلة الأواني وبعض الأزهار اليابسة فيه.
ـــ «هل يجب أن نرمي هذه؟»
تمدّ يدها نحو جهاز راديو قديم على حافة الشباك.
ـــ «ماذا تأكلين في الفطور؟»
تهز رأسها مديرة ظهرها نحوي: «لا آكل شيئاً. ولا أريد شيئاً».
يرتعش مرفقها، وكأن أصابعها تبحث عن صوت بين الضوضاء. تأتي القطة من الممرّ، تقفز على الكرسي، ومن ثم نحو الطاولة لتقف فوقها. تنظر إلى القطة، وتلتفت نحو الراديو. صوت ذكوري يتحدث عن شيء ما بين ضوضاء الراديو. ثم تتحدث شابة، وضحكتها تتخلل الضوضاء. يعود الرجل، ويقول شيئاً ما خلال الضوضاء نفسها. ثم تضحك المرأة ثانية خلف الضوضاء نفسها. تسحب يدها، وتأخذ القطة من فوق الطاولة لتجلسها على ركبتها. تتدحرج القطة في حجرها، وتخبئ رأسها في مكان ما بين فستانها.
ـــ «يتحدثون الروسية؟»
تنظر نحوي، وتلتفت بحركة سريعة نحو الراديو حيث يصل الآن صوت امرأة كأنها تغني في الريح بحنجرة مخدوشة. تبعد القطة بيدها اليمنى. تأخذ كأسا قذرة من على الطاولة. تنظر إليها بدقة فتبرز التجاعيد على أنفها. تعيد الكأس إلى مكانها.
ـــ «لا! بولندية كما أظن». أعقد يدي على صدري: «نعم... بولندية!».
لا تقول شيئاً.
تتقدم القطة من تحت الطاولة، وتحدق في حذائي. المرأة ما زالت تغني في الريح، وصوتها المخدوش يبقى يقترب ويبتعد.
تمد يدها نحو الراديو، وتخفض صوته. تنظر نحو قلنسوتي: «بولندية... كانت بولندية». وتطفئ الراديو.
أقول: «هكذا خمّنت...».
تمسك نظارتها التي ربطتها من عنقها بخيط، وتضعها على عينيها. تجحظ عيناها الرماديتان.
أقول: «أنا كنت هناك».
تمد يدها نحو صدرها، وترفع فتحة فستانها إلى الأعلى قليلاً:
ـــ «أين؟»
ـــ «وارسو!»
ـــ «أي عام؟»
ـــ «تسعين»
تلقي نظرة من رأسي إلى قدمي: «قبل تسعين عاماً؟»
ـــ «لا. في عام تسعين».
تنظر تحت الطاولة.
أقول: «مكان جميل».
تعود نحو النافذة. تتراءى البحيرة. بالضباب الشفيف فوق سطحها، ومن ثم صف من أشجار الصنوبر بلونها البني، وتلك الهالة الضبابية.
ـــ «وارسو كانت جميلة»، ترمش عيناها نحو الراديو.
القطة ذهبت، وهي الآن واقفة على عتبة المطبخ. أجلس على الكرسي.
تحك خلف أذنها: «إذن أنت، كنت في وارسو؟»
ـــ «كنت هناك لعشرين يوماً»، ثم أضحك تفادياً لسؤالها عن اسم أي مكان هناك: «اسألك شيئاً بولندياً، تقولين لي معناه؟».
تنظر نحوي ببعض الضجر.
ـــ «سألت كثيرين، ولم يقولوا لي أو...»
تحك ظهر راحتها: «ماذا؟»
أقول: «Kurka wodna»
ـــ «أعِدْ مرة أخرى!»
أقول: «Kur… ka wod…na»
تفتح عينيها اللتين كانت ضيّقتهما، فتمّحو بعض تجاعيد وجهها. ثم تضحك بفم مغلق. تهز رأسها وتنظر إلى وشاحي: «كانت امرأة؟»
ـــ «من؟»
تنظر نحوي، ثم تهز رأسها، وتضحك.
أقول: «ما هو معناها؟»
تضحك ثانية. ثم تنظر إلى تحت الطاولة: «هذه تقولها فقط، يعني عادة، أعتقد أن النساء يقلنها للرجال. وليس لها...» تحرك كتفها اليسرى: «معنى خاص!».
تأخذ عكازها. تمسك هلال العكاز بكلتي يديها، وتسند ذقنها إلى قبضتها: «القهوة، فكرة جيدة الآن... لا؟»، تنظر نحو القطة. تضع القطة خطمها على يديها، وتغمض عينيها. أضع وشاحي على ذراع الكرسي. آخذ ركوة القهوة من بين الأواني غير المغسولة. أشمّر عن ساعدي قليلاً، وأقف بطريقة كي لا يكون ظهري أمامها. أصب سائل الغسيل على الليفة.
«اغسِلْها هي فقط. أكره صوت الحنفية»، وتضحك: «في الترجمة الحرفية تعني الدجاجة المبتلة. ولا معنى آخر لها. لكن، النساء يقلنها للرجال، أعتقد».
أفتح الحنفية: «لماذا النساء فقط؟»
تعلق عكازها من ذراع الكرسي: «لا أعرف. ربما ليس كما أقول. أنا...» وتضحك: «لم أسمعها منذ زمن بعيد».
تهز رأسها.
أضع الركوة تحت الماء. تهبط الرغوة بسرعة. املؤها حتى النصف، ثم أضعها فوق النار. أعود ماسحاً يدي بسروالي حتى تنشف. تلهو القطة بوشاحي المتدلي من ذراع الكرسي. أنحني، وأمسد ظهرها. تجلس. ثم تنقلب على ظهرها وترفع مخالبها نحو معصمي.
ـــ «كم عمرها هذه الجميلة؟»
«كازك؟... كانت صغيرة جداً لما أتيت بها. بهذا الحجم». ترفع راحة يدها نحوي: «وأنت منذ متى تعيش هنا؟»
ـــ «عشر سنوات»
ـــ «عشر؟»
«نعم»، أجلس على الكرسي: «عشر سنوات».
تمسح نظارتها بطرف فستانها، فيظهر فخذاها النحيلان الفقيران من الدم. أشيح ببصري. نهداها صغيران على حمالة صدرها السوداء.
ـــ «لكني جئت وقت الحرب»، تعيد النظارة إلى عينيها. تنظر نحو الفرن حيث يأتي صوت غليان الماء.
أنهض.
ـــ «الفناجين في تلك الخزانة، على اليسار».
الفناجين مصطفة بانتظام وذوق، واحداً جنب الآخر.
ـــ «كم ملعقة أسكب؟»
ـــ «ملعقتان. لا. ثلاث. السكر، ملعقتان»
أسكب. ملعقتي سكر، وثلاث ملاعق من القهوة.
أضع فنجان القهوة أمامها. أهمّ بجمع الكؤوس القذرة من فوق الطاولة.
ـــ «لا! ليس الآن»، تأخذ الملعقة: «أنت تجلب الغداء أيضاً؟»
ـــ «ربما، لا أعرف».
ـــ «إذن دع الكؤوس لوقت آخر»، وترتشف القهوة.
ـــ «ساخنة... انتبهي».
ـــ «لكنها جيدة. أحب القهوة جداً».
ـــ «لم تقولي. ماذا تحبين أن يكون غداؤك؟»
ـــ «ماذا؟ لا أعرف ماذا... أي شيء كان. لا. أنت اختر ما هو جيد».
آخذ وشاحي. تقفز كازك لتمسك بذيله. أنحني. تنقلب على ظهرها، وترفع مخالبها نحو معصمي.
أنهض: «حسنا. إذن... Do widzanio».
تنظر إلي.
أقول: «Do widzanio!».
تمد يدها نحو رأسي. أنحني قليلاً. تمسك بطرف قلنسوتي بإصبعين. تنحني قليلاً، وتعوج قلنسوتي قليلاً. تضرب بقبضتها على صدري، وتلتفت نحو أشجار الصنوبر التي شحب لونها البني في الضباب.

* ولد بروج آكره اي (Barouj Akra-yi) عام 1963 في كردستان العراق. رحل عام 1975 إلى إيران لاجئاً برفقة عائلته. عاش في إيران 15 عاماً، ثم رحل إلى السويد عام 1990، وأقام هناك 21 عاماً، ليصل به المطاف إلى كردستان العراق، مواصلاً عملية اللجوء على حد قوله، حيث يقيم منذ خمس سنوات في مدينة أربيل.
يكتب بروج الشعر باللغة الكردية، وله خمسة دواوين شعرية بهذه اللغة، ويترجم من الفارسية إلى الكردية لكثير من الشعراء والكتاب الإيرانيين من مثل أحمد شاملو، وفروغ فرّخ زاد، ويد الله رويائي، وأحمد كُلشيري، وسهراب سبهري، ويكتب القصص بالفارسية. وقد نشر كثيراً من الحوارات مع الكتاب الإيرانيين في الصحف والمجلات الفارسية والكردية. كما أنه مصور جيد، ويكتب السيناريو، وقد جرب التمثيل أيضاً وبجدارة.
صدر لبروج في السرد مجموعة قصصية بعنوان «شيء في هذه الحدود»، ومجموعة قصص مترابطة عنوانها «نحن هنا». كتب آكره اي هذه القصص إثر تجربة عمل في دار رعاية العجزة في السويد. اشتغل هناك لعشر سنوات، وسجّل هذه التجربة في هذا الكتاب الصغير الذي يحمل كمّاًَ هائلاً من الحياة والموت معاً. عناوين القصص في هذا الكتاب هي عبارة عن الساعات أو المواعيد التي يزور بها الراوي بيوت كبار السنّ الذين يعتني بهم خلال عمله. بنية الكتاب تعتمد إلى حد كبير على الحوارات بين الراوي وشيخ أو عجوز ما، إذ خصصت كل قصة لزيارة واحد منهم.
حين سئل الكاتب عن كيفية احتمال هذا العمل، ردّ أنه، وكما يلاحظ في سلوك الراوي في القصص، كان أحياناً يذهب إلى المطبخ أو إلى غرفة أخرى ليلوذ بعمل أي شيء في البيت، فيلهي نفسه بغسل الأواني أو كنس شيء ما عن الأرض. يقول: «إنني حتى قبل انتهاء الكتاب، كنت ناظراً وحسب؛ وحتى قاسياً في بعض الأحيان. كنت أقوم بواجبي بأفضل شكل، وأحاول أن أكوّن صداقة معهم، بأي طريقة ممكنة، أو أكتشف مفتاح الدخول إلى عالمهم، لأخوض لعبة العلاقة. وأعترف أنني كنت أمكث لأعرف مصادر تلك النقنقات، والشكاوى. كنت ألوذ بركن من الغرفة، وأسترق النظر إليهم. وأشعر بالخجل لأنني كنت أقف في بعض الأحيان، وأشاهد انكماش وجه ما، بسبب الألم أو العزلة. وبعد صدور هذا الكتاب أصبت بمرض fibromyalgia. وكنت لسنتين متردداً بين المستشفى والبيت. إلى أن هربت في النهاية، ليس من هذا العمل وحسب، بل من السويد كلها». هذه هي ترجمة القصة الأولى من هذا الكتاب.