فوزي يمّين



قبل كتابي النثريّ الأوّل، كنتُ شاعراً كلاسيكيّاً تخرج الأوزان منّي تلقائيّاً كأنّها كانت طوال عمرها نائمة في داخلي، وتنساب القوافي دون قصد أو تكلّف ألهو بها كما ألهو بالكرة (حينها كنتُ أيضاً لاعباً في كرة القدم). مذ كنتُ على مقاعد الدراسة، انتابني شعور قويّ بأنّي مقذوف إلى الكتابة، وبأنّ عصفوراً صغيراً يقرع بصوته زجاج صدري، ويودّ الخروج ليغنّي. آمن بي أستاذي في اللغة العربيّة الشّاعر أنطوان السبعلانيّ، وأشركني في مهرجان شعريّ في المدرسة، ونشر لي أولى قصائدي الموزونة والمقفّاة في جريدة الأنوار. كان أحياناً يخطّ على لوح الصفّ بين حصّتيْن دراسيّتيْن شوارد من أبياتي يتغنّى بها أمام التلاميذ. بين الوجدانيّات والوطنيّات، تمايلتُ كثيراً في أمسيات عذبة فوق منابر بلدتي والقرى المجاورة، وصرتُ مع الوقت خبيراً بالجمهور، عليماً بإثارته وتهدئته، ومراهناً بيني وبين نفسي عند أيّ بيت شعريّ سيصفّق مطالباً إيّاي بإعادته. هكذا تمّ تكريسي شاعراً في مدرسة بلدتي والقضاء، ولاحقاً في الجامعة.
طفولتي وصباي شتاءً في «زغرتا» في حارة ساحليّة مفتوحة على اللعب والنّهر، وصيفاً لثلاثة أشهر في «إهدن» البلدة الجرديّة الفاتنة التي تسند ظهرها على ثلاثة جبال وتمدّ رجليها في وادٍ سحيق، فتّقا في داخلي أولى النّغمات الرّومنسيّة الشّعرية.
غير أنّ تلك القصائد العموديّة التي كتبتُها في الثمانينات، وعلى مدى عشر سنوات وأكثر، لم أدفع بها إلى المطبعة إلاّ بعد خمس وعشرين سنة تقريباً، وبإلحاح من أصدقائي القدامى الذين كنتُ قد تركتُ معظم أبياتها في جيوبهم، ودشّنتُ بأجملها الصّفحات الأولى من دفاترهم المدرسيّة.
بعدها، وبشكل طبيعيّ، لم أعرف بالضّبط ما الذي قادني إلى قصيدة النثر، وكيف انقطعتُ فجأة ونهائيّاً عن الامبراطوريّة الخليليّة. في تلك الفترة، اقتنيتُ دفاتر صغيرة جدّاً أشبه بعيّنات دفاتر، كنتُ قد اشتريتُها من مكتبة مجاورة حُبّاً بحجمها وشكلها. دوّنتُ فيها، خلال مكوثي الشتويّ في البيت، الكثير من الجمل العشوائّية الفالتة. وأحياناً ما أن ينفرج الطقس قليلاً وأخرج، كنتُ أحشو بها جيوب بنطالي أو قميصي أو سترتي، آخذها معي إلى المقهى والملهى وحيث تأخذني الطريق. ومن حين إلى آخر، أتحسّسها لأطمئنّ فقط. وفي حال سحبتُها فبحركة خاطفة، لأسجّل عليها بخطّ سريع وموارب، ملاحظات ومشاهدات عن غيمة أو وجه أو حائط أو طاولة أو حادثة أو جملة تلفّظ بها أحد ورنّت في أذني كجرس.
وما أن تمتلىء تلك الدفاتر، أو تكاد، وأبدأ بالعمل عليها محاولاً العثور على قاسم مشترك فيها، حتّى يرتسم أمامي بورتريه لشخص ضجور يستلقي في طابق أرضيّ (صُودف أنّي لم أسكن في حياتي حتّى اليوم غير طابق أرضيّ)، ضيّق، غير مُكيَّف، سقفُه واطىء (أجلس فيه فتصبح قدماي على الطريق) ومكبوس في الحرّ (حينها كنتُ أقضي الصّيف مع أهلي في الساحل لعدم تمكُّننا من استئجار بيت في الجبل). كان هذا الشخص الشعريّ «المستلقي على طابقه الأرضيّ» (ما أصبح فيما بعد عنوان كتابي الأوّل) يقضي النّهار متردّداً بين أن يفتح النافذة ليدخل الهواء أو يبقيها مغلقة كي لا يدخل الضّوء مع الهواء فتزداد الحرارة أكثر فأكثر.

طبعتُ باكورتي الشعريّة على نفقتي الخاصّة، بلا غلاف ولا مقدّمة ولا تزيين

في ما يشبه هذه الورطة «الطقسيّة»، تشكّلت أجواء كتابي الأوّل عن ذاك «المستلقي» المُنسحب إلى عالمه السفليّ، وهو يحاول، متمدّداً على ظهره فوق بلاط الصّالون مختزناً برودته، أن يخمّن شكلَ تشقُّق أبيض في السّقف، يدخّن، والدخان الذي ينفثه يختلط بخيوط رفيعة من النّور المنسرب من حائط اخترقته ثلاث رصاصات في أيّام الحرب، يختلط ويغزل في داخلها ثمّ يتفكّك ويختفي. وغارقاً في تساؤلاته المُضنية، تتراءى له مشاهد داخليّة من طفولته في البيت الذي تطلّ نافذته على حائط فيه نافذة تطلّ على حائط، وأخرى خارجيّة في الحارة الرّطبة المتلاصقة بيوتها كأسنان الأولاد الذين يزرعونها لعباً. وكلّما عادت به الذاكرة إلى الوراء، رأى نفسه صغيراً ينطّ في الشّمس، ضحكتُه رطل. يخبط على التراب. يمرّ في الحارة بحذائه المفخوت من تحت ليسرق كلل الأولاد. يكسر لمبات البلديّة. يشنق الصّيصان الملوّنة المصبوغة بكرافات أبيه العريضة. يختبىء في دواليب جرّافة جاره المعطّلة بعيداً عن أعين أصدقائه. يذهب آخر الليل إلى النوم كالقتيل. يتلصّص من تحت لحافه على نجمة بردانة فوق السطح علقت ربّما بمنشر الغسيل. يصلّي من كلّ قلبه كي تحترق المدرسة غداً. ويحلم بأنّه يكبر شيئاً فشيئاً كبالون ويطير، ثمّ فجأة يصبح عجوزاً فيُنفِّس ويسقط.
هكذا، وفي سياق متحرّك، كانت تتداعى المشاهد، تتداخل الأزمنة والأمكنة والأعمار، وتكرّ الصّور داخل ألبوم طفوليّ مفتوح (ولدٌ يهرب من ألبوم العائلة ليكزدر كما القمر، في قبّعته هواء وفي جيوبه نجوم وبسكويت). غير أنّ «المستلقي» يختار في النهاية أن يبقى على حاله، تحت الضّغط، بين الواقع والأحلام، بين الماضي والمستقبل:
«لا لأعود طفلاً،
لا لأصبح عجوزاً،
بل هكذا لأبقى معلّقاً بين رأسي وحذائي، مضغوطاً كمرطبان».
في تلك الفترة، وتحديداً بين عامي 1989 و1990، حالفني الحظّ بأن عرضتُ بعضاً من تلك القصائد "المستلقية" على الشّاعر شوقي أبي شقرا- صهر الضّيعة (زوجتُه من زغرتا) الذي كان حينها رئيساً للصّفحة الثقافيّة في جريدة النّهار، والذي صُودف أن التجأ مؤقّتاً إلى بلدتنا هرباً من حرب الإلغاء بين عون وجعجع آنذاك. شجّعني ونشر لي. لاح لي مدرج... وحطّيتُ على أرض قصيدة النثر وأنا ولد خائف أرعن.
هذا «المستلقي على طابقه الأرضيّ»، باكورتي الشعريّة، طبعتُه سنة 1994 على نفقتي الخاصّة، بلا غلاف ولا مقدّمة ولا تزيين. جاء حافياً من البلاغة والتنميق، وطريّاً كصوت ولد يلعب من أجل لذّة اللعب لا غير.
كتابي الأوّل تعاطفَ معه روّاد المقاهي، وأحبّه العاطلون عن العمل.
... وخرجتُ مرّة ثانية إلى دُنيا الشّعر، مُتخلّياً عن المنابر والجماهير والإيقاع الخارجيّ، مُنسحباً إلى إيقاعي الداخليّ فحسب.
«يداي على الطاولة، قفاي على الكرسيّ، قدماي على الأرض، كان أسهل شيء في ذلك الوقت أن أنظر فنظرتُ»، هذه النظرة في جملتي الأولى من كتابي الأوّل غيّرتني وجعلتني أرى الأشياء بطريقة مُغايرة.
من يومها لم تعد كتابتي مُوجّهة إلى أحد. صار همّي أن تكون جملتي بسيطة وخاطفة تشبهني إلى أقصى حدّ ممكن، وأفكاري تفرقع أكثر ممّا تقول. صرتُ أسلك الطريق الجانبيّة إلى المعاني، أو تلك التي أهملها العابرون بفعل العادة. وصار خبز لغتي من كفاف حياتي اليوميّة. من التفاصيل والشّيطان الذي يسكن في التفاصيل. من الشّارع والأصدقاء والمقاهي والأرصفة. من اللحظات المرخيّة. من الفسحات الهوائيّة، الهشّة والمضروبة. من الرّدهات الخالية. من الأروقة النحيلة المسلولة. من علاقتي بالوقت والغيوم الشاردة. من ذكرياتي الدّفينة وأحلامي المُستعارة. من كلّ ذلك، وسواه، مخلوطاً بعضه ببعض، لا أعرف كيف.
... وخرجتُ كعشبة خضراء من حائط يابس.
كان ذاك كتابي الأوّل، ثمّ كرّت السّبحة. واليوم، بعد تسعة كتب، وعاشر قيد الطبع، وآخر ينطبخ على نار خفيفة، لا أدّعي أنّ لديّ مشروعاً شعريّاً. أصلاً لا أحبّ كلمة مشروع، توحي بالتجارة. جُلّ ما في الأمر أنّي أحاول أن أكتب، ولديّ محاولات مستمرّة لكتابة شيء مختلف في كلّ مرّة عمّا سبقه. مراحل أحرقها لأنثر رمادها ورائي وأتقدّم. إلى أين؟ لا أدري. ربّما باتّجاه لغة مفقودة، لاهثاً وراء جملة ضائعة. في بالي أنّي فقدتُ لغتي مذ بدأتُ أتكلّم وأكتب، مذ أصبحت للكلمات دلالات ورموز وعلائق وروابط ومصطلحات. أغلب الظنّ أنّي أبحث عن معنى أجوف، عن كلمات محرومة، محبوسة داخل الحلق، مخنوقة ولا مَن يستجيب.
كيف يستطيع الشّاعر أن يتخلّص من إسقاطات العقل وضغط الأحكام؟ كيف يستطيع أن يعود إلى الأحشاء، إلى الحالة البدائيّة، إلى الخام، إلى كتابه الأوّل؟

* إنسيرت: