1-استقالة الفزاعات.


أنت تقصد أن تكون هادئاً. لقد كنت دوماً تتوخى استعارة هدوء شجرة في أيام تنقرض فيها الرياح غير مأسوف على صخبها. الرياح التي تستطيع التصرف بقسوة تجاه أي شطط تقترفه الغيوم. الرياح كانت دوماً ورطة اﻷشجار. الرياح التي تدعي حمل نبوءات الفصول التي تأخرت في زيارتها لحقول بعيدة تشكو من ثرثرة فزاعات خلدت لشيخوخة مبكرة دون أن تنال من جسارة غربان لا تُعير أي اهتمام لقوانين القيلولة لدى ظلال أبريل. لقد تقدمت بشكاوى كثيرة لدى شجرة الصنوبر الوحيدة. لكنها كانت تجيبها بأنها لا تستطيع أن تفعل أي شيء قبل قدوم الريح. لذلك استطاعت أن تحصل على استقالتها.
استقالة الفزاعات كانت فادحة، حتى أن الغربان نفسها احتجت. لقد اعتادت رفقتها، بل هي التي كانت تفشي لها أسرار الريح. أبريل أيضاً تكدّر واقترف شتائم كثيرة في حق لا أحد. في الحقيقة هو بدون أعداء منذ سنوات كثيرة. لكنه لم يستسِغ عالماً بدون فزاعات. لذلك تخلى عن سلطته لماي الصارم بعد أن حكى له الكثير عن خيانة الفزاعات. لذلك أنت هادئ الآن بعد أن تأكدت من استقالة الفزاعات.
لكن كيف سيبدو العالم بدون فزاعات؟

2- لماذا يبدو لك الجميع مجرد فزاعات؟

سأشرح لكم ذلك بالتفصيل، وإن شئتم سأشرح لكم ذلك بالتفصيل الممل. ولكنني أعدكم بأن أتخلى عن كل زيف وأكون صارماً في الحكي كما كنت دوماً دون أن أتهاون فيه: جاري مثلاً يبدو لي كفزاعة حقيقية. لو لم يكن فزاعة لما سيّج حديقته بإحكام. هذا ما أعتقده على اﻷقل. وكي أكون صريحاً أكثر سأقول إنه يحاول إخفاء ذلك عن الجميع، بما في ذلك أنا طبعاً. لكنني كشفت أمره بحيث لم تنطلِ عليّ حيله. وأنا لم أقرأ أي كتاب عن الفزاعات أو الظلال. وهل كل من يريد الحديث عن الفزاعات سيكون مضطراً ليقرأ كتاباً عنها أو موسوعة يشتريها بالتقسيط من دار اﻷهرام تتحدث بشكل مبسط عن تاريخ الفزاعات مرفقاً بالصور التوضيحية كما لو أنها موجهة ﻷطفال الطور الابتدائي؟
أجزم بأن جاري مجرد فزاعة؛ فبعد أن سيّج حديقته لم يستطع أن يمنع عنها العصافير والرياح، كما لم يستطع منع الجيران من تداول أمره في نميمتهم التي تتم في الصباح أمام مبنى العمارة على مرأى ومسمع من الجميع، بحيث إن ضحكاتهم المتفردة لم تكن تحدث إلا في خاتمة أحاديث تسخر من السياج. كما أنه لم يمنع البراعم من الإزهار. لذلك فهو مجرد فزاعة فاشلة. الطبيب المتحذلق بكرشه الذي لا يليق بطبيب هو مجرد فزاعة أيضاً. كان طيلة الوقت ينبه أمي إلى وزنها الزائد وإلى نسبة الكولسترول الزائدة في جسدها دون أن ينتبه لجسده المترهل من شدة اﻷكل والخمول. طبيب ثرثار كان يتكلم كمقدمي النشرات الجوية الذين لا يكفون عن ترديد لازمة الغيوم التي تغزو السماء في الجزء الشمالي دون أن ينسوا الرياح التي ستكون معتدلة. طبيب بأوداج لا تليق سوى بعازف مزمار في فرقة من الهواة. طيلة حديثه كنت تتخيله ممسكاً بمزمار أو سكسفون وهو يحاول أن يعزف بشكل رديء لحناً ظل يستمع إليه طيلة مساءات الآحاد حينما تتأخر زوجته خارج البيت ﻷسباب لا يعلمها أحد. لم يستطع أن يقنعك بشيء، كما لم يستطع إقناع أمك بضرورة اللجوء الى حمية قاسية كالعقوبات القديمة في أزمنة الطغاة. كان النوم قد بدأ يداعب جفنيك وأنت تتثاءب كسائق حافلة تقل تلاميذ مدرسة عبر طرق قروية ملتوية غير تامة التوضيب. أشار ﻷمي بضرورة التحول إلى أرنب. ثم تدارك اﻷمر مشيراً إلى أن هذه الحمية تخلو من اللحوم، لذلك فأمي لن تختلف عن أرنب. اعتبرت اﻷمر شتيمة لذلك لويت عنقك بشكل هستيري وظهر عليك التوتر والغضب. فالتفت إليك الطبيب كأنما يلتفت إلى عازف آخر أخطأ تتبع الخطوات الصارمة للحن الرديء الذي يشبه عواء الذئاب. لم يصدر عنك أي رد فعل فيزيائي يدل على الغضب. لذلك استمر الطبيب في تلاوة خطبته ضاغطاً على الحروف الأخيرة في كلماته كأنه يضرب بمطرقة حديدية على رأس أمي التي لم تكن تفعل أي شيء سوى الإنصات لوقع المطرقة على جسدها. وفجأة توقف عن الحديث منهياً المقابلة بشكل فجائي كأنه انتهى من أكل ما، بينما كانت أمي تتوغل بشكل فادح في طرقات أطروحة الطبيب الذي يشبه الفزاعات. حارس السيارات الذي كان يلبس سترته الصفراء الخاصة بشكل متكلف كحيلة يريد أن تنطلي على الجميع هو مجرد فزاعة بالنسبة إليك. الحارس الذي يتحول إلى مدّعٍ عام يلقي التُّهم يمنة ويسرة كمزارع يبذر القمح في أصيل يوم خريفي. إنه لا يتوانى عن التحول إلى أفَّاق متى رأى الفرصة سانحة لذلك. يشتم طيلة الوقت حظه العاثر الذي جعله يمتهن مهنة يمقتها كل المقت. كل التافهين تقلدوا مناصب عليا إلا هو، مثلما كان يردد طيلة الوقت. يلعن غريزته التي ورطته في سلسلة من الهزائم. كنتَ متأكداً أنه كان يقصدك. كنت ستقول له: "روّح عن نفسك. أنت ربما تقصد البذلة التي أرتديها ولا تقصدني أنا". لكنه كان مصراً على حدجك بنظراته ذات الوقع الأشبه بوقع النبال على جسد جندي منهك. فكرت في تحريره من سجن الكراهية الذي يقضي به فترة سجنية غير محددة. لكنك كنت تتراجع عن ذلك مدركاً متانة جدران السجن التي يحصن بها نفسه. حينما يقبض منك واجب الحراسة يبدو وكأنه تلقى منك شتيمة، لذلك كنت تحس بأسنانه تصرّ وبفرائصه تصطك. فحينما كان يدسّ الدرهمين في جيبه كان يبدو وكأنه يكور قبضته مستعداً للكمك. لكنه كان يتراجع لسبب ما قد يكون لعنة جبن ورثها عن أبيه. كل هذا جعله يبدو لك كفزاعة في حقل. الرصاص الذي جاء مسرعاً وانقضّ على الصنبور بشكل مثير للغثيان كان مجرد فزاعة. ﻷنك اكتشفت فجأة أنه نسي المطرقة كما نسي الكماشة. العطل التافه الذي كان عبارة عن تسرب بسيط للماء سيحوله إلى مشكلة عويصة لا حل لها. كان يصفر ومن حين لآخر يدعو لك بصوت جهور وهو في قرارة نفسه كان يدعو لنفسه بالنجاة من هاته الورطة. لقد أبان عن باعه القصير وقلة حيلته. فهو ليس سوى مساعد رصاص تخلى عن هذه المهنة أو انتقل إلى مهن أخرى - طفق يحدثك عنها - وربما يكون طرده رب الحرفة لخطب أو لجرم ما كان قد ارتكبه. لقد ظهرت لك عيناه كثقبين مليئين بالشر. عيناه الصغيرتان اللتان تذكرانك بالبطل الشهير "تانتان"؛ وربما كان يبدو لنفسه كمخلص أسطوري سيجعلك تجتاز كارثة الصنبور بسلام، بل إنه دعاك لعدم التردد في الاستعانة بخدماته مهما كانت الورطة التي تقع فيها. غسل يديه وقبض أجره وانصرف مسرعاً مثلما جاء كأن هناك شخصاً ما ينتظره، أو قد تكون زوجته طلبت منه عدم التأخر لسبب مبيت. لم يمرّ سوى وقت قصير لتكتشف أن تسرب الماء لا يزال قائماً. وحينما أخبرته بذلك تأسف وضرب بيده على جبهته دلالة الخيبة ووعدك بالمجيء ثانية لإصلاح اﻷمر، ولكنه لم يأت قطّ. هذا يعني أنه مجرد فزاعة بنظرك. عامل المحطة الطُّرقية هو الآخر لا يختلف عن فزاعة. وزْرته الزرقاء الممزقة في أكثر من مكان كانت شاهدة على عدم خلوّه من شبهة التماهي معها. جيوب الوزرة كانت دائماً ممتلئة بأشياء مبهمة قد تكون مجرد بقايا عرائس ابنته التي كان يمزقها بسادية سافرة نكاية بزوجته التي لم تعد طيعة مثلما يريد. لقد أصبحت تدعي فهمها للكثير من اﻷمور التي لا يستطيع فهمها هو نفسه. لقد جهرت في مواقف عدة، وقالت أكثر من مرة: «لم أعد أحب هذه الحياة... حياة تشبه الكوابيس» وكررت: «أنت مجرد ظل... أنت مجرد ظل... الظل أفضل منك...»، وكانت تختم كلامها دوما بقهقهة خبيثة مليئة بالشماتات واللؤم. لم يحتمل ذلك. لم يفهم حتى معنى أن يكون ظلاً. ألا يشبه اﻷمر مثلاً أن يكون ظل شجرة؟ «ظل؟ ظل ماذا؟» هكذا كان يردد بصوت مكتوم خشية أن يسمعه أحد ما. «إذن أنا مجرد ظل؟» كان يضيف دون أن تصرّ أسنانه أو يكور قبضة يده أو أي شيء من هذا القبيل. لقد خذله الجسد. لم يعد شاباً مثلما يليق بعامل يشتغل في محطة طرقية مزدحمة وتفوح بالأفاقين. عامل المحطة يجب أن يبقى دوماً شاباً. لا يجب أن يشيخ أبدا. استحالت عليه زوجته إذن. أصبحت حياته شبيهة بالعبث مثلما استنتج دون أن يكون قد قرأ سارتر أو كامو. حياة بدون قيمة وبدون أية نكهة. لذلك أدار ظهره لكل شيء. لقد أصبح مجرد مشاء يهيم في الطرقات قبل أن يعود في إحدى الليالي ويجهز على زوجته خنقاً بيديه الصغيرتين اللتين لم يستعملها يوماً إلا في حمل حقائب مسافرين لا يطيقون أداء أثمان تذاكر القطار فيهرعون إلى المحطة الطرقية، راغبين في اختزال أتعاب السفر. لذلك تحول إلى مجرد فزاعة منتهية الصلاحية في السجن لا يختلف كثيراً عن مزق عرائس ابنته التي كان يمزقها في حالات الغضب. وهو الشيء الوحيد الذي كان يستطيع فعله دلالة الحنق الشديد.
أنتَ أيضاً مجرد فزاعة. هكذا تبدو لنفسك خاصة حينما ترتدي تلك البذلة السوداء التي تبدو فيها كموظف في ديوان وزير رغم أنك لست سوى بواب في الوكالة البريدية. لقد كنت بارعاً دوماً في اقتناص فرصتك حينما يبدأ موسم التنزيلات. البذلة تجعلك تبدو كبرجوازي هارب من زوجته التي تتنمر عليه كلما تخطت أقدامه عتبة المنزل. لكنك مجرد كادح صغير يحلم بجاهٍ مزيف كأنه بطل قومي شارك في كل معارك التحرير، رغم أنه لم يفارق حيّه السكني ولو ليوم واحد: أليس هذا حال كل الأبطال المعاصرين على الأقل؛ أبطال المسلسلات والفيديو كليبات اﻷشبه بالأكل السريع، والذين لا يختلفون عن الفزاعات؟ حينما تلبس بذلتك السوداء تصبح كمدعو لحفلة تنكرية. تدسّ يديك النحيفتين في جيبي سروالك بحنكة مهرج في سيرك إيطالي، مطيلاً التحديق في المرآة المستلقية بشكل غير مريح على جدار الحمام. تتحول بسرعة البرق الى جنتلمان بعطر رخيص يليق بأمسية في مقهى «جوهرة». هناك ستحكم قبضتك على نظرات الجميع. تجعلهم كلهم شاخصي الأبصار نحوك مرددين عبارة «أواه» التي تعلن من خلالها انتصارك على خيباتك كلها من اﻷلف إلى رسوبك غير المبرر في امتحان البكالوريا الذي جعلك تقبر كل أحلامك وتحولها إلى آهات مكتومة تصدرها بشكل متسلسل حينما ترى زملاء الدراسة الذين تسلقوا كل شيء إلى أن وصلوا الى التنعم بالسيارات الفارهة والمكاتب المكيفة.
أليس كل هؤلاء مجرد فزاعات؟

كاتب مغربي *