نيكولاي غوميليوف *

ترجمة: نوفل نيّوف
الحقيقة هي أن والده كان تاجراً، ولكنْ ما من أحد تجرّأ على تذكّر ذلك بعد عودته من جامعة كامبرِدج، عندما استقبله نائب الملك شخصياً.
كان يأتي إلى حفلات المساء الفنية في ثياب زاهية جداً، وكان ينغِّم ببطء شديد مقاطع من الـ "مهابهاراتا"، وبصدقٍ بالغٍ كان يكره كل ما هو أوروبيّ، ما جعل مضموناً نجاحه في إنجلترا، وعودتَه، إلى بومباي في الدرجة الثانية، حاملاً معه أكثر من رسالة تزكية من سيّدات المجتمع الراقي المسنّات.
في إمارته الأم، مذهولاً بحقائبه الجلد الرائعة، عرض عليه الراجا أن يختار بين أن يتولّى جباية الرسوم من القوافل العابرة، أو أن يتقلّد رتبة جنرال. ظن الجميع أنه سيختار العرض الأول، لأن عدد القوافل كان كبيراً، فيما عدد الجنود قليل. ولكنه اختار العرض الأخير. لم يكن أحدٌ يعرف أن الأميركي العجوز الذي كان الجنرال يشرح له اليوغا الملَكية قد مات تاركاً له في وصيته مقدار ما ترك لخادمه من الإرث، أي ما هو كثير جداً.
يوم تعيينه جاء الجنرال إلى القصر. لقد تنبّأ الماكر بكل شيء، فكان في حقائبه ثياب جنرال رائعة وكاملة تماماً. واجتمعت المدينة كلها لتتفرّج عليه. كانت أمّه العجوز منخرطة في البكاء اعتزازاً به عندما مرَّ بالقرب منها مسرعاً على درّاجة ناريّة جاء بها من هناك خصّيصاً. أمّا أفضل رسّام في المدينة، فقد أعطى خدَمَ الراجا من المال روبيه كاملاً كي يسمحوا له بالنظر عبر ثقب القفل. فأطال النظر بصبر ومعرفة مثل فلّينة تمتصّ الماء وهو يتشرّب الانطباعات التي تخلِّفها بذلةُ الجنرال الباذخة ووجهُه المتغطرس إلى أبعد حدّ. وبعد ذلك ذهب يتمايل في مشيِه مثل جملٍ مشيةً تعني أنه في حالة تأمّل إبداعيّ.
كانت الألوان الأكثر رقّة والقاً تشتعل في الكؤوس الخشبية المنقّطة كأنها بتلات زهرة اللوتس، وكانت ريشات التلوين الأدقّ تطير بينها بنفس السرعة والخفّة مثل أصابع فتاة تطير على مفاتيح البيانو. أخذ بالظهور جدار لمّاع أحمر وسماء زرقاء مُكرِبةٌ، وعلى هذه الخلفية كلِّها يرتسم الجنرال المتغطرس بلا حدود. كم كان ناصعاً بياض بنطاله، كم كانت غالية خيوط الذهب في معطفه العسكري، كم كانت أبّهة ريشات قبعته المثلّثة! حقّاً إن رؤية جنرال كهذا يمكن أن تكون مثل تفتُّح زهرة اللوتس مرّة واحدة كلَّ مئة عام.
كان الجمهور الذاهل مجتمعاً وراء ظهر الرسّام. وكانت مسموعة أصداء الإعجاب، وكانت تتردّد توقّعات جَسورة. لا بدّ أن الجنرال سيجعله رئيس خدَمه؛ سيسمح له بتناول طعامه في المطبخ مدى الحياة؛ سيمنحه كيساً فيه من المال مئة روبيه. أمّا الشاعر غريبُ الدار، الطويلُ القامة، الناتئ العظام، العجوز القادم من التيبيت فقد حسد ما أصابه غيرُه من شهرة وألَّف أغنية التزم فيها أدقَّ قواعد نظم الشعر في التيبيت:
الراجا،
الجنرال الراجا،
معطف الجنرال الراجا،
الفتاة التي ستفكّ أزرار
معطفِ الجنرال الراجا،
الحبّ الذي سيستولي على الفتاة
التي فكَّتْ أزرار
معطفِ الجنرال الراجا،
الولد الذي سيولَد من الحبِّ الذي
استولى على الفتاة
التي فكَّتْ
أزرار معطف الجنرال الراجا،
العرش الذي سيعتليه الابنُ
المولود من الحبِّ
الذي استولى على الفتاة التي
فكَّتْ أزرار
معطفِ الجنرال الراجا،
المجد الذي سيكلِّل العرش
الذي تولّاه الابن
المولود من الحب
الذي استولى على الفتاة
التي فكّت أزرار معطفِ الجنرال الراجا،
الهند التي سينقذها المجد الذي
يكلِّل العرش الذي
اعتلاه الابن
المولود من الحب الذي
استولى على الفتاة التي
فكّت أزرار معطف الجنرال الراجا.

وفي الحال أسرع ثلاثة نسّاخين بنسخ الأغنية على ورقة بُردي كبيرة. فقد كانوا يطمعون بأجر مجزٍ من الجنرال.
وها هي الدرّاجة النارية من جديد تجوب الشوارع الهادئة في المدينة، تخيف القِرَدة والطواويس، تبعث ضجيجاً ورائحة كريهة وتمرّ مسرعة، فقد عاد الجنرال. ـ "هيِّئوا الحمّام!" ـ وأشار الخادم القادم من بومباي، المروَّضُ الذي خدم من قبلُ عند الأوروبيين، أشار منحنياً إلى طشتٍ مطّاطيّ كبير فيه ماء دافئ لأن الجنرال لم يكن رياضياً وكان يخاف الماء البارد. وها قد هبط بسلاسةٍ على ظهر الكنبة المعطفُ العسكريّ الذي لا تفكّه هذه المرةَ الفتاة، بل الجنرال نفسه. وها هو البنطال الأبيض ذو الشريط الذهبيّ يحذو حذوَ المعطف العسكريّ. وحدَها القبّعة المثلّثة تلكّأت في مغادرة مكانها عندما دخل الفنّانون. كان الرسام في المقدمة، والشاعر في الأخير، وفي يدَي كلٍّ منهما عمله. وراءهما حشد من المعجَبين والفضوليين، بينهم النسّاخون أصحاب المصلحة في الموضوع. تأوّه الجنرال وتذمّر وارتجف. تماما مثلما تأوّه وتذمّر وارتجف، وَفقاً لذكرياته، الجنرال الروسيّ الذي قدّموا له في المطعم شمبانيا ليست مجمَّدة. "هؤلاء السود... يا لَوقاحتهم!".
أسقط الرسام اللوحة، فأخذ الجنرال يدوسها بقدمَيه. القصيدة التيبيتية مُزِّقت إرباً. تجمَّد الجمهور ذاهلاً. واستشاط الجنرال غضباً. فراح يقفز في الغرفة مثل قردٍ هائج، عارياً، ليس عليه إلا قبّعته المثلّثة وهو يعوي مثل جقلٍ كُسِرت رجله الأمامية. حقّاً لقد كان جنرالاً مرعباً.
شرع الخادم القادم من بومباي يدفع بكتفه الداخلين دفعاً، وفقاً لذكرياته عن الخدم الأوروبيين وهم يدفعون الضيوف الذين يستاء منهم سادتهم. وبعد دقيقة انتهى كلُّ شيء. فأخذ الخادم يمسح الأرض لأن حوض الحمّام انقلب، وهدأ الجنرال وهو ينبش حقائبه. وبدقٍّة مهيبة علّق على الجدار صورته المكبّرة وهو في معطف جنرال. لقد تنبّأ الماكر بتعيينه وتصوَّرَه وهو بعدُ في لندن. ومبتسماً بسعادة علّق تحت الصورة قصاصة من جريدة ذُكِر فيها اسمه بين أسماء المدعوِّين إلى حفلة مسائية راقية. أمّا الخادم فقد خبّأ صورة الجنرال الهندية كي يبيعها بقروش لتاجر الأشياء المستعملة القادم من كلكوتا.
وفي حيٍّ بعيد قام النساخون الذين لم يحصلوا على أجرٍ بضرب الشاعر التيبيتي، فيما انهال خدمُ الراجا بالضرب على الرسام الذي طالبهم بأن يعيدوا له الروبيه التي دفعها لهم.

■ ■ ■


ينبغي للحكاية الشرقية أن تنتهي بموعظة أخلاقية. سأحاول أن ألطِّخ سمعة الجنرال الشرير. لقد جاء إلى باريس. فزار اثنتين من مغنّيات المقاهي، وثلاثة نوّاب اشتراكيين، وقرر أن يطّلع على الحياة الفنّيّة في فرنسا. فاستمع إلى بضع عبارات لاذعة من أناتول فرانس، واشترى واحداً من رسوم ماتيس، وانهال عليه أبولونير بالضرب في مقهى، وحصل على إذن بمشاهدة لوحات الرسامة غونتشاروفا. وهناك رأى صورته الهندية التي وصلت عبر كلكوتا ولندن وبائع الأشياء المستعملة إلى يدَي هذه الرسامة.
آه، ليته ارتبك، ليته أحسَّ متأخِّراً بالندم! لكان لحكايتي عندئذ أن تكون شرقيّة حقّاً. ولكنْ لا، فقد هتف اللئيم: "أيتها السيدة، وهل تهتمين حقاً بهذه السخافات؟ إذاً، سأرسل لك من الهند ألفاً منها".
لقد كذب، ولن يرسل. لأنه بسببِ مَن هم على شاكلته لم يعد موجوداً في الهند رسّامون.

* نيكولاي غوميليوف (1886- 1921) أحد أبرز أعلام الشعر الروسي في "العصر الفضي" خلال العقدين الأولين من القرن العشرين. زوج الشاعرة آنّا أخماتوفا مدة 8 سنوات. أصدر في حياته القصيرة (34 سنة) تسع مجموعات شعرية، اولاها عام 1905. أُعدِم رمياً بالرصاص متهماً بعضوية "منظمة بيتروغراد المقاتلة" بقيادة البروفيسور كازانتسِف. يمتاز بنظرة تهكمية مرهفة، غيبية وجريئة. كتب كثيراً من الشعر والقصص عن أفريقيا (مصر والسودان وأثيوبيا...) التي خصّها بخمس رحلات. كان يتكلم خمس لغات وذا معرفة دقيقة بالشعر الفرنسي. عام 1922، بعد مقتله، صدرت أول مجموعة قصصية له تضمنت قصة "الجنرال الأسوَد" المنشورة عام 1907.