قد ترتسم ابتسامة «شر البلية ما يضحك» عندما يقرأ أحدنا مؤلفاً عن الفساد. نحن، جميعنا، نعايشه يومياً. علينا دفع رِشى حتى من أجل التنفس، ليس في بلادنا فقط، وإنما أينما ولى المرء وجهه! لكن هذا المؤلف يتعامل مع مسألة أكبر من تجليات الفساد الصغيرة. موضوعه الفساد الكبير الذي تمارسه الدول الكبرى في الدول الفقيرة، بالتعاون مع الاحتكارات الرأسمالية العالمية، بهدف إخضاعها وجعلها، بكل ما فيها من بشر وحجر، أسيرة تخدم مصالح الدائن.

الكاتب، الذي يصف نفسه بأنه «قاتل اقتصادي»، يعرض في مؤلفه الجديد مختلف ممارسات بلاده التي شارك هو في صياغتها وتنفيذها، لإخضاع بعض الدول الفقيرة، والغنية، وتحويلها إلى تابع مطيع لواشنطن وأوامرها.
الكاتب، جون بركنز يعرف «القاتل الاقتصادي»، بأنه خبير اقتصادي محترف يحظى بمعاش مرتفع للغاية، يخدع مختلف الدول في العالم ويجردها من آلاف مليارات الدولارات. وهو يمرر أموالاً من البنك الدولي ووكالة التنمية الأميركية (USAID) والبنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية وغيرها من منظمات "المساعدات" إلى حسابات أفراد عائلات يملكون شركات تتحكم في معظم موارد الأرض الطبيعية، وذكر بعضها وهي «إكسون» و«ولمارت»، و«جنرال موتورز» و«مونسانتو»، وأطلق عليها اسماً جامعاً هو corporatocracy. أما أدواتهم، فهي تقديم تقارير مالية مزيفة وإدارة انتخابات مزورة وانقلابات وديون ورشى وابتزاز والجنس والقتل والاغتيالات. هدف القاتل الاقتصادي "تشجيع" قادة الدول على أن يضحوا جزءاً من شبكة واسعة تدعم المصالح المالية للولايات المتحدة الأميركية.

عائدات النفط السعودي ستصب في الخزانة الأميركية مجدداً

مارس الكاتب ذلك كله واعترف بها. لا تهمنا هنا دوافع "صحوة الضمير" التي أصابته، وإنما نريد عرض أسلوب عمل كما وصفه هو بالعلاقة مع بؤرة الفساد والإفساد العربية، أي الدولة السعودية، كأنموذج لهذه الممارسات. اخترنا هذا المثال لأن ما ورد فيه من معلومات تأكّد لدينا صحتها، على نحو عام، من مؤلفات أخرى تتناول العلاقات الأميركية-السعودية التي سبق لنا عرضها في هذا المنبر.
في ما يخص السعودية، لعل القارئ يتذكر قول هنري كيسنجر في اجتماع مجلس الأمن القومي في واشنطن بأن الملك المغدور فيصل، الذي شعر هو وبقية العائلة الحاكمة من آل سعود بأن واشنطن ستعاقبهم بسبب فرض حظر النفط إبان حرب تشرين عام 1974 باح له بأنه يشعر بأنه سيقتل، وهو ما حصل فعلاً بعد أسابيع قليلة. لكن الكاتب يقول هنا إن المرسل الأميركي أبلغ السعودية بمصير الزعيم الإيراني محمد مصدق.
المهم في الأمر هنا، بالعلاقة مع موضوع المؤلف، أن السعودية ممثلة بشخص المغدور المغفورة له ذنوبه، عرضت على واشنطن تسليمها مفاتيح تحديث البلاد تقنياً وإدخال بنيتها التحتية في القرن العشرين، وسياسياً إلى درجة حقها في تعيين الملك، عبر استثمار البترودولارات التي بحوزتها، بعيداً من أعين الكونغرس ووزارة الخزانة الأميركية. أما الهدف الرئيس الآخر، فهو ضمان عدم حصول حظر نفط جديد.
الخطة التي وضعت تمثلت في قيام المملكة السعودية بابتياع سندات خزانة أميركية حكومية بمليارات الدولارات، واستخدام الفوائد عليها في دفع كلفة التحديث التقني لشركات أميركية فقط. ولأن الإدارة الأميركية تعلم بأن النظام السعودي، كغيره من مشيخات العمالة والعمولة في الخليج، لم تعلم شعبها العمل، وجب على الرياض فتح أبواب دخول الأيدي العاملة الأجنبية إلى أراضيها، وخصوصاً الأيدي العاملة الفلسطينية والمصرية والباكستانية واليمنية، كي تنجز الأعمال بإشراف أميركي مباشر.
أما الجانب الآخر لهذا المشروع الذي قدرت فترة إنجازه بخمسة وعشرين عاماً، فهو أن التطور في السعودية سيجعلها هدفاً لجيرانها وغيرتهم وحسدهم! لذا وجب عليها ابتياع أسلحة وبناء جيش حديث، تحت إشراف شركات عسكرية أميركية خاصة وخبراء من الجيش الأميركي. هذا الحضور العسكري سيقتضي بالضرورة تأسيس بنية تحتية إضافية مثل القواعد العسكرية والمطارات وما إلى ذلك من بنى وتسهيلات ضرورية.
هذه الخطة أو المشروع ضمن أن عائدات النفط السعودي ستصب في الخزانة الأميركية مجدداً، كما ستستفيد الشركات الأميركية من العقود الضخمة بمليارات الدولارات.
يحوي المؤلف تفاصيل عن عمليات مماثلة في بقاع أخرى من العالم مثل إندونيسيا وفنزويلا والإكوادور وبنما وإيران الشاه، نترك للقارئ تعرفها في المؤلف. كما يحوي المؤلف تفاصيل أخرى وضعها الكاتب، الذي تقاعد الآن، للحد من تأثير القتلة الاقتصاديين.