كلنا يتذكر «الأنموذج التركي»، الذي كثيراً ما تكلم فيه سياسيون وحزبيون ونخب ومفكرون، مع حفظ الألقاب طبعاً. نموذج عدّ المثال الذي يحتذى به والواجب على العالم العربي انتهاجه ونسخه، وخصوصاً في ضوء التحركات والانتفاضات الجماهيرية الواسعة التي اجتاحت الكثير من البلاد العربية. في الوقت ذاته، اجتاحت العالم العربي حفلة «مجون» داعية إلى الاحتذاء بتركيا رجب طيب إردوغان وتجربته الحزبية ضمن إطار «حزب العدالة والتنمية».

الواقع هو أنّ تركيا حققت في العقد الأخير تطوراً اقتصادياً غير مسبوق. على سبيل المثال، أقيمت شبكات طرق طولها آلاف الأميال، وبني نحو خمسين مرفأ جوياً، كما تحسن ميزان المدفوعات وبلغ مقدار النمو 7 - 8%.
لكن ابتداءً من العام 2011، بدأت الظروف المحيطة بتركيا، وفي العالم العربي تحديداً، بالتقلب. انتفاضة تونس التي دفعت بحزب الإخوان المسلمين إلى السلطة، قادت في نهاية المطاف إلى سقوطه في الانتخابات اللاحقة. أما مجيء الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، فقد أعقبه سقوطهم المدوي عقب الانقلاب العسكري المدعوم شعبياً، بداية. أما في سوريا، فلم يتمكن الإخوان المسلمون من تحقيق أي تقدم، وهكذا.
لم تمر فترة طويلة حتى تغيرت نظرة العالم العربي إلى تركيا، وظهر تخوف من انتقال ذلك الأنموذج إليها. السبب هو ميل الرئيس التركي إلى تكثيف السلطة في يده وظهور بوادر قوية على عدم انتمائه إلى الأنموذج السياسي الذي منحه فرصة الوصول إلى السلطة. بعد اندلاع الانتفاضات العربية، ظهرت بوادر الديكتاتورية لدى الزعيم التركي، الذي لا يزال يحظى بشعبية قسم كبير من شعبه. كما أن خطابه السياسي المليء بالتحريض الطائفي، بدأ يزعج الجماهير العربية. إضافة إلى ذلك، فإن إخفاقه أو عزوفه عن حل القضية الكردية زعزع من سمعته.
الصحافة الغربية وبعض العربية لا تشير إلى الرئيس التركي إلا بصفته ديكتاتوراً وسلطاناً وما إلى ذلك من النعوت الشخصية بدلاً من تحليل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والبنيوية والفكرية التي جعلت من ذلك التحول أمراً لا مناص منه، وهذا تحديداً ما قدمه الكاتب اليساري في هذا المؤلف الثمين، وما جعله هدفاً لانتقادات الصحافة التركية الموالية للرئيس التركي.

النيوليبرالية الاقتصادية لا يمكن أن تنتج ديموقراطية

هل يعود سبب سقوط «الأنموذج التركي» وفضله إلى طبيعة الرئيس التركي؟ وهل هو المسؤول حقاً عما وصلت إليه الأمور في تركيا؟
المحللون في الغرب، يكتفون بذلك من دون دراسة ظروف نشأة التجربة التركية، وهو ما يفعله الكاتب، الأستاذ المساعد في مادة السوسيولوجيا في «جامعة بركلي» في ولاية كاليفورنيا الأميركية في هذا المؤلف، الأول الذي يدرس تجربة تركيا الاقتصادية ــ الاجتماعية في العقود الماضية. لذا نرى أن الكاتب قسم المؤلف إلى جزءين يضم أولهما الفصول 1-3، المخصصة لدراسة النظام القديم والتوازن الطبقي والحركات الإسلامية والجغرافية السياسية للمنطقة، ويركز على التحولات النيوليبرالية في كل من تركيا وإيران ومصر قبل عام 2011. الجزء الثاني يضم الفصول 4-6، ويبحث في أسباب إخفاق الديكتاتوريات العربية والديموقراطية التركية التسلطية وأزمتها بعد عام 2011.
نجاح اللبرلة في تركيا في العقود الثلاثة الماضية هو ــ برأي الكاتب ــ الذي قاد في نهاية المطاف إلى صعود أنموذج الإسلام المتسلط وتجسيده. لذا، وجبت دراسة التجربة التركية في العقود الثلاثة الماضية وتحليلها ضمن التحولات العالمية، حيث يرى المرء ميلاً متزايداً نحو تسلط الأنظمة. ومن ذلك على سبيل المثال الانتقاص من حقوق الأفراد في الدول الغربية "الديموقراطية" وتحول الشرطة إلى مؤسسة عسكرية، وانتشار «سياسة الغاز المسيل للدموع/ حديقة غِزي؛ احتلوا وول ستريت، وغيرها من التحركات الشعبية»!
الكاتب لاحظ أن تاريخ بلاد الشرق الأوسط في نصف القرن الماضي، مليئة بالتجارب الثورية وشبه الثورية، التي أعقبتها ثورات مضادة، والتعبيرات كلها له. أما قادة تلك الثورات والانتفاضات، فقد استبدلوا الأمر الواقع ببرامجهم.
يضيف الكاتب أنّ أول محاولة لاستيعاب الانتفاضات العربية في العقود الماضية كانت الثورة الإيرانية، التي احتوت الانتفاضات الفلاحية والمدينية في عامي 1978 و1979. اندلاع الثورة الإسلامية في إيران ونجاح رجال الدين في إقامة دولة ثيوقراطية، أجبرا مشيخات العمالة والعمولة على "الاستعانة" بقشور إسلامية أتوا بها من هنا وهناك لتغطية عورات أنظمتهم المتخلفة، بهدف استيعاب الزلزال الذي اجتاح المنطقة بعد الثورة الإيرانية. هذه الإخفاقات وموت البدائل القائمة هي التي قادت إلى ولادة «الأنموذج التركي» الذي هو إسلام أميركي بخطاب ثوري، وزواج بين الديموقراطية الشكلية ورأسمالية منفلتة العقال وإسلام محافظ، كقطب مواجه للتجربة الإيرانية. والهدف إلحاق الدول العربية بالنظام الرأسمالي الأميركي النيوليبرالي.
يستعين الكاتب بكثير من المقالات الصحافية والتحليلات والدراسات الأكاديمية وتلك الصادرة عن مراكز الأبحاث في الغرب ليؤكد أن الأنموذج التركي بدأ في التشكل إبان عهد رئيس الوزراء طورغوت أوزال وسياسته الليبرالية التي مهدت الطريق أمام النيوليبرالية الحالية، تم تصويره قطباً مضاداً لأنموذج القاعدة والأنموذج الإيراني الذي يصفه بأنه زواج بين الشراكة (corporatism) والثورة، عبر الإسلام الثوري.
من هذا المنطلق، يحلل الكاتب تطورات الأوضاع في تركيا في العقود الثلاثة الماضية، ليبين أن أزمة تركيا سببها الأنموذج الاقتصادي النيوليبرالي، الديموقراطي شكلياً، عبر الإسلام المحافظ. هذا تحديداً قاد إلى ظهور خلافات «حزب العدالة والتنمية» مع الرأسمالي التركي فتح الله غولن. النيوليبرالية الاقتصادية لا يمكن أن تنتج ديموقراطية على نحو دائم، وهذا هو سبب سقوط الأنموذج التركي عندما واجه انتفاضة حديقة غِزي عام 2013، والانتفاضات العربية أو ما يسمى الربيع العربي.
الانتفاضات العربية بين عامي 2011 و2013 سحبت البساط، برأي الكاتب، من تحت أقدام النظام التركي وقضى انقلاب الجيش المصري على الطموحات "التوسعية" التركية في المنطقة، التي صارت تواجه فراغاً. لم يعد ثمة من مثال ثوري يحتذى به لا في تركيا ولا في إيران، وهنا يكمن غموض مستقبل العالم العربي.