ثمة تحديات كثيرة تواجه حكومات الدول الغربية، بما في ذلك أستراليا ونيوزيلنده، التي تضم جاليات مسلمة كبيرة، عربية كانت أو غير ذلك. إضافة إلى تحديات التباين الثقافي ومرجعياته لدى هذه الجاليات القادمة من دول شبه القارة الهندية وجنوب شرقي آسيا، هناك أفراد قادمون من بعض البلاد العربية.

المشكلة الرئيس أو لنقل إحدى المشاكل الرئيس المرتبطة بتواجد هذه الجاليات المسلمة، كيفية استيعابها في مجتمعات(ـها) الجديدة و«منع» تحولها إلى مجتمعات موازية، وفق مفردات رهاب الأجانب. قبل الانتقال إلى موضوع مشاركة المهاجرين في الحياة السياسية والاجتماعية، بمختلف أنماطها، نذكر تشديد الكاتب على حقيقة تصاعد عزوف المواطنين في الغرب عن المشاركة في النشاطات السياسية المدنية، أو الانخراط فيها، ما يعكس، في ظننا، يأساً من النظم السياسية القائمة، وعدم توافر إمكانية إحداث أي تغيير في جوهر النظام يحدّ من سلطة المؤسسات الحاكمة.

صورة مختلفة عن الصور النمطية السائدة عن المسلمين في البلدين

هذه الدراسة التي أعدها ماريو بُيكر المحاضر في مركز الثقافات المتنوعة والرفاه في «جامعة فكتوريا» الأسترالية، عن المجتمعات المسلمة في كل من أستراليا وألمانيا، مهمّة نظراً الى ارتباط المسألة بكيفية نظر تلك المجتمعات إلى الأجانب عموماً، وإلى الإسلام تخصيصاً، ذلك أن الهجرة إلى الغرب عملية مستمرة، بل إنها في تصاعد مستمر.
يرى الكاتب أنّ أهمية هذا البحث تكمن في أن مشاركة المواطنين أو انخراطهم السياسي والمديني في مجتمعاتهم، يؤدي دوراً رئيساً في بناء مجتمع متجانس وحيوي. النظام الديمقراطي وشرعيته يعتمدان على مشاركة كل أفراد المجتمع ولا يستثنيان أحداً. ومن هذا المنظور، فإن استبعاد أي مجموعة محددة من مكونات المجتمع، على أسس دينية، يشترط تقديم أسباب مشروعة ومنطقية، وهذا المؤلف يوضح عدم توافرها.
قسم الكاتب عمله إلى ثمانية فصول بدأها بمقدمة يشرح فيها هدف المؤلف الذي يحوي مجموعة كبيرة من الجداول والإحصاءات والمصورات، ومن ثم انتقل في الفصل الثاني «ما معنى المواطنة النشطة؟». استعان الكاتب بمؤلفات العديد من علماء الاجتماع الغربيين الذين بحثوا في المادة، وخلص إلى توافر شكلين من المشاركة، كما يرد في العنوان، هما السياسي، على الصعيدين الوطني والإقليمي، ومن ثم المديني الذي يتم إما فردياً أو تشاركياً ضمن مجموعات ومؤسسات أو هيئات وما إلى ذلك.
الفصل الثالث «المنهجية: سبر انخراط المسلمين المدني والسياسي» خصصه الكاتب للتوسع في الحديث عن منهجية البحث المرتكز على نحو أساس إلى مقابلات مباشرة ومعمقة مع أفراد من أستراليا وألمانيا اختيروا بسبب إعلانهم انتماءهم إلى الدين الإسلامي وتمسكهم به، وإن على درجات متباينة من التدين.
الفصل الرابع «المسلمون في أستراليا وألمانيا: الديموغرافية والمصادر والمواطنة» يقدم عرضاً مكثفاً ومختصراً للأحوال الديموغرافية والاجتماعية-الاقتصادية للمسلمين في البلدين.
الفصول التالية وهي على التوالي «المجتمعات الإسلامية والسياق السياسي في أستراليا وألمانيا»، و«أشكال النشاطات الإسلامية ومساراتها»، و«الأهداف والدوافع والقوى الدافعة»، و«عوامل التشجيع والإعاقة»، وتاسعاً وأخيراً «التبعات الشخصية للنشاط المدني»، قدم الكاتب فيها النتائج التجريبية التي وصل إليها بخصوص القضايا موضوع البحث. ويوضح أن ما توصل إليه يقدم صورة مختلفة تماماً عن الصور النمطية السائدة عن المسلمين في البلدين، وتلك الناتجة عما يسمى الحرب على الإرهاب.
الاستنتاج الذي يصل الكاتب من استقصائه المباشر، هو أن مشاركة المسلمين المدنية والسياسية في البلدين أثرت في شخصيات المنخرطين فيها على نحو إيجابي وطورت شخصياتهم ونظرتهم إلى المجتمع الذي يعيشون بين ظهرانيه وفق تعابيرهم هم. كما أنّ المشاركة المدنية والسياسية أسهمت في توسيع الشبكات الاجتماعية الإسلامية في البلدية على نحو إيجابي. هذا يعني نجاح المشاركين في خلق قنوات اتصال رسمية وشخصية ليس فقط مع بعضهم بعضاً، وإنما مع منظمات المجتمع المدني الرئيسة ومع صانعي السياسة في البلدين.
المؤلف، ثري بمعلومات إضافية عديدة يمكن للمهتمين الاطلاع عليها، ذلك أن هدف هذا العرض، وكافة عروضنا، تحفيز القراء وأهل الاختصاص والنخب والعاملين في مختلف الحقول الاجتماعية والسياسية والفكرية على قراءة المؤلفات وإثراء تلك الأبحاث التي تمس حواضرنا ومستقبلنا.