«الحياة هادئة في الفيترين» (دار النهضة العربية) هو عنوان المجموعة الجديدة للشاعرة السورية هنادي زرقة. تنحو المجموعة التي قدّم لها الشاعر عباس بيضون، الى استحضار شبحي لحياة أقّل ثقلاً، لكائن غائب وبعض السرية الإنسانية في خضّم الحرب السورية. هذا الاستحضار يؤدي بطريقة مفارقة الى خلق عالم رحمي/ أمومي بشكل خاص، يملك مذاق حضور بالغ كتعويض عن قسوة الحرب.

تصحبنا هنادي زرقة عبر يوميات بيتية، مراوغة ومقتضبة وغريبة، ومحتشدة رغم اقتضابها بأشباح مألوفة للشاعرة (صور العائلة واسترجاع كلمات الأم، وعادات وطقوس رحلت معها...). هذه اليوميات المستعادة لا تتبدى فيها قوانين الحضور والمنطق إلا بالشكل المشوّه أو المقلوب، في حين أنّ الشاعرة تبدو أمام النفي الكامل لأكثر المعطيات أولية، كأن التذكر هنا، ينبغي أن ينحّل ويتلاشى وينفلت من وجوده في المفردات، فثمة عند الشاعرة عالم آخر موجود، مغلق وراسخ ومتماسك، مع ذلك تكتبهُ الشاعرة في بُعد أخاذ جميل.
كتاب هنادي قصيدة طويلة تتحايل على الحاضر المفجع في استعادات للماضي، كما تتحايل على القارئ وعلى التقطيع في مواضعات سردية، لتخلص الى التمظهر في مرثية من دون دموع، ذات رموز لدلالة خفيّة ومُشعة في آن. هي الحرب التي عمقّت «وحدة» الشاعرة. تستخدم هنادي لأجلها استعارات تحرص على براءتها، وعلى حياديتها «الشكلانية»، فيما هي في الحقيقة متقدة بنار الفقد والوحدة والخوف و... التقدّم في العمر.

يوميات مطلق مواطن سوري يرزح تحت بشاعة الحرب

شخصيات تعاود الظهور في هذه القصيدة القصيرة وتلك، سواء بشكلها الفيزيولوجي الشبحي، أو بمفردات للشاعرة تُشير اليها من خلال الأشياء الى أفعال تستنهضها الذاكرة، تستمر وتتكرر على مدى النص الطويل، وتتأتى فتنتهُ بالطبع، من كونه خارج المنطق والعقل.
ثمة وضوح مع ذلك، تُركّب به الشاعرة، العناصر العبثية المستخدمة في قصائدها، التي تبدو مجانية لوهلة أولى، ومتنافرة، ما دامت زرقة تخلط الذكريات الشخصية، و«الاختراعات» اللفظية الطيّعة، والصور، والتلميحات الى ناس ما عادوا موجودين والى هناءة أفلت، ما يُشكّل كلاً واحداً ومتعدداً في آن، ونوعاً من حجارة صلبة لقصيدتها الجميلة.
عند هنادي ما هو افضل من وعد بمواهب لفظية ومشاهد نادرة: «شاحبة أنا/ مثل غيمة تنهضُ من قذيفة»، أو «حين تغدو هذه البلاد رماداً/ سنعبئ هذا الرماد في زجاجات/ نحملها معنا في حقائب الكتف ونغادر»، أو: «وأنا الغريبة/ لا أجيد الرقص/ ولدتُ لأرملة في غرفة ضيّقة/ تقضي الليل في البكاء/ فلم تُغن لي/ لأتعلّم الفرح».
قصائد هنادي موهوبة في تحريك الأشياء والمشاعر، ومصابيح الشعر الخفيّ، البسيط والغريب، والمثير للقلق.
ما يلفت في مجموعة الشاعرة، انصرافها عن المؤثرات العنيفة التي تُرخيها الحرب، فقد رفضت قصيدتها كل الأطر التي توقعها في فخ المباشرة والاستجابة لوحشية الخارج بمعنى أنها عاشتها بثقل الداخل الأكثر وقعاً. وهكذا نجد في عمل زرقة الجديد، تطوراً وختاماً لدائرة فقد الأم، وعنف الحرب وما يدور في يوميات مطلق مواطن سوري يرزح تحت بشاعتها، لتحّل السخرية المُرّة، والخيال الرحب الذي تتأكد من خلاله شخصية قصيدة زرقة، فهي متميزة في ابتداع «الصورة» أو المشهد، حتى نهاية المجموعة.