يحوي «الموت في أرض حرّة» (منشورات الجمل) نماذج من الشعر الأفرو ــ أميركي اختارتها وترجمتها وقدّمتها الفلسطينية ريم غنايم (1982)، ليندرج في رغبة الأخيرة بتحديد الملامح العامة لهذا الشعر، وهويته ومدى تأثيره على الأدب الأميركي عموماً. التيمة الطاغية على هذه المختارات، تنضوي في الفعل السياسي المقاوم للعبودية والعنصرية، وفي إعلاء اللون الأسود في وجه القمع. كما تظهر الراديكالية في إعادة بناء هوية هذه الشريحة من الشعراء والشاعرات التي عانت اضطهاداً تاريخياً وسياسياً واجتماعياً، لتأتي تجربتهم الشعرية تعبيراً مؤلماً عن هذه اللعنة.
البداية مع الشعر الفولكلوري ثم «نهضة هارلم» فحقبة الستينات والسبعينات

صنّفت غنايم المختارات على أربع مراحل تاريخية، حيث كانت البدايات مع الشعر الفولكلوري بشقّيه: الروحاني الديني/ والعلماني الدنيوي، وترأس هذا النمط الشاعر جوبيتر هامون الذي يُعتبر الشاعر الأفريقي – الأميركي الأول. مرحلة الانتقال كانت مع القصيدة الأدبية عبر بول لورانس وآخرين، مروراً بعصر «نهضة هارلم» متمثلاً بشعر كلود ماكاي، حتى مرحلة ما بعد عصر «نهضة هارلم» حيث سعى ملفن طولسون وروبرت هايدن الى السيطرة على تقنيات الكتابة الشعرية في حقبة الستينات والسبعينات. في هذه الحقبة التي شكّلت فترة النضج واكتمال الرؤية، غدا اللون الأسود على أيدي بعض الشعراء كسونيا سانشز وجون رامان رمزاً للجمالية، بالتزامن مع الانقطاع عن المجتمع الأبيض ورموزه الأدبية وتحويله الى نقطة فارقة حبلت فيها القصيدة السوداء بسحر ومعان جديدة. تمتلك بعض القصائد شيئاً ما غير آني كما قصيدة «سحر أسود» لسونيا سانشيز (1935): «السحر/ يا رجُلي/ هو أن تُحوّل/ جسدي إلى/ ألف/ إبتسامة». إذن مهما بلغ جمال هذه القصيدة، فهي تفرض هاجس النظام والنقاء والتناغم، الذي لا يتوافق كثيراً مع نزعة عدم الامتثال والاندفاعة الفوضوية نحو الأشكال الأكثر تمجيداً للحياة الحديثة التي ميّزت أشعار البيض. القصائد المختارة بريئة وجميلة للغاية، لكنه الملمح الكهنوتي إلى حد لا تقوم فيه تماثلات الأسلوب المنّظمة ببراعة إلا بترجمة رؤيا متناسقة وثابتة لعالم السود. لكنه شعر يستغيث بكبرياء، يريد إثبات وجوده وألمه. إنه شعر مرحلة العبودية وهو جديد على القارئ من حيث جوهره، ومن الصعب لقارئ الشعر راهناً أن يشعر أنه أُخذ بعمق بهذه القصائد الملتاعة، الآتية من زمن ومواضعات وعالم مختلفة، خصوصاً مع هذا الشعر بقراره الديني، ومع هذا الاحترام لنظام سكوني وبهذه السيطرة على المشاعر. تُحقّق بعض القصائد هنا، كثافة وصلابة الكريستال، لكن جمود خطوطها تجعل جمالها مدعاة إعجاب أكثر مما تجعلنا نشعر بها. بعض القصائد، تخطت بجمالها كل محاذيرنا، لأنها تعشق الحياة والحركة الى حدّ الفوضى، وفيها من قصيدة النثر، الحيوية المطلوبة، والاندفاع والصراخ: «سأتعقبك عبر السنين/ عبر الليل/ الى أن يسقط وجعي بعيداً/ نجماً نجماً/ وينشر قلبي أجنحة متقدة/ حيثما تكون/ سأجدك بلا خوف/ وأجعلك لي». هذا الشعر السحري يقودنا، في بعض المواضع، إلى نحو وقت بعيد، وأراض بعيدة، ونحو شعراء في تأملهم ذي القيمة الصافية والغامضة في آن واحد، جعلونا نتعرّف على تسامي اللون الأسود في إعلاء قصيدته البيضاء، في دلالة الكلمة والفكرة التي تستقر بهدوء في ذاكرتنا التي تستقبلها. إنهم شعراء القهر وهواجس القلب المكسور، شعراء البلوز والجاز في غنائه الفادح، وشعراء البوح والإشراقات الخاطفة لأنهم يكتبون خارج المباشر والعابر والمستعار، في رغبتهم تأكيد وجودهم ككائنات كاملة الحقوق وكشعراء بارعين، وهم في هذا الكتاب يستخلصون لنا نكهة إضافية على الشعر.